PDA

مشاهدة نسخة كاملة : خاص بالشاعرة العراقية/ نازك الملائكة


محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:01 PM
http://www.khayma.com/salehzayadneh/poets/nazek/na zik01.jpg

نازك الملائكة

نبذة عن حياة نازك الملائكة

ولدت الشاعرة نازك الملائكة في بغداد عام 1923م ، ونشأت في بيت علمٍ وأدب ، في رعاية أمها الشاعرة سلمى عبد الرزاق أم نزار الملائكة وأبيها الأديب الباحث صادق الملائكة ، فتربَّت على الدعة وهُيئتْ لها أسباب الثقافة . وما أن أكملتْ دراستها الثانوية حتى انتقلت إلى دار المعلمين العالية وتخرجت فيها عام 1944 بدرجة امتياز ، ثم توجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاستزادة من معين اللغة الانكليزية وآدابها عام 1950 بالإضافة إلى آداب اللغة العربية التي أُجيزت فيها . عملت أستاذة مساعدة في كلية التربية في جامعة البصرة .

تجيد من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللاتينية ، بالإضافة إلى اللغة العربية ، وتحمل شهادة الليسانس باللغة العربية من كلية التربية ببغداد ، والماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكونس أميركا .

مثّلت العراق في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في بغداد عام 1965 .

آثارها : لها من الشعر المجموعات الشعرية التالية :

& عاشقة الليل صدر عام 1947.

& شظايا ورماد صدر عام 1949 .

& قرارة الموجة صدر عام 1957 .

& شجرة القمر صدر عام 1965 .

& مأساة الحياة وأغنية للإنسان صدر عام 1977 .

& للصلاة والثورة صدر عام 1978 .

& يغير ألوانه البحر طبع عدة مرات .

& الأعمال الكاملة - مجلدان - ( عدة طبعات ) .

ولها من الكتب :

& قضايا الشعر المعاصر .

& التجزيئية في المجتمع العربي .

& الصومعة والشرفة الحمراء .

& سيكولوجية الشعر .

كتبت عنها دراسات عديدة ورسائل جامعية متعددة في الكثير من الجامعات العربية والغربية .

&نشرت ديوانها الأول " عاشقة الليل " في عام 1947 ، وكانت تسود قصائده مسحة من الحزن العميق فكيفما اتجهنا في ديوان عاشقة الليل لا نقع إلا على مأتم ، ولا نسمع إلا أنيناً وبكاءً ، وأحياناً تفجعاً وعويلاً " وهذا القول لمارون عبود .

ثم نشرت ديوانها الثاني شظايا ورماد في عام 1949 ، وثارت حوله ضجة عارمة حسب قولها في قضايا الشعر المعاصر ، وتنافست بعد ذلك مع بدر شاكر السياب حول أسبقية كتابة الشعر الحر ، وادعى كل منهما انه اسبق من صاحبه ، وانه أول من كتب الشعر الحر ونجد نازك تقول في كتابها قضايا الشعر المعاصر " كانت بداية حركة الشعر الحر سنة 1947 ، ومن العراق ، بل من بغداد نفسها ، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربي كله وكادت ، بسبب تطرف الذين استجابوا لها ، تجرف أساليب شعرنا العربي الأخرى جميعاً ، وكانت أول قصيدة حرة الوزن تُنشر قصيدتي المعنونة " الكوليرا " وهي من الوزن المتدارك ( الخبب) . ويبدو أنها كانت متحمسة في قرارها هذا ثم لم تلبث أن استدركت بعض ما وقعت فيه من أخطاء في مقدمة الطبعة الخامسة من كتابها المذكور فقالت :عام 1962 صدر كتابي هذا ، وفيه حكمتُ أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي ، ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن هناك شعراً حراً قد نظم في العالم العربي قبل سنة 1947 سنة نظمي لقصيدة (الكوليرا) ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة 1932 ، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها " .

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:02 PM
من السيرة الذاتية

مختارات من مذكراتها:

نازك الملائكة

1923 -

تعتبر نازك الملائكة شاعرة العراق الاولى في القرن العشرين ، وربما يمكن اعتبارها ايضاً اهم الشاعرات العربيات نظراً لتميز وجمال اعمالها الشعرية ونزعتها التجديدية.
وقد اثار كتابها قضايا الشعر المعاصر ضجة نقدية كبيرة منذ صدوره عام1960 وحتى الساعة اذ دعت فيه الى التجديد في اوزان وقوافي القصيدة العربية بحيث تبيت اكثر مرونة، وان بقت القصيدة موزونة ومقفاة.
باستثناء الشعر ، كتبت نازك العديد من الاعمال النقدية والاجتماعية ، وصدرت لها اخيراً مجموعة قصصية بعنوان الشمس التي وراء القمة.
اما مذكراتها ، فهي لم تنشر حتى الان ، ونحن عثرنا بمساعدة اسرتها على الجزء الاول منها ، وهو يتناول اعوام الطفولة والمراهقة.
نختار هنا الجزء الذي يتناول حياتها الدراسية في مدارس العراق خلال اواخر الثلاثينات حتى اواسط الاربعينات.

من قصة حياة

الطفولة الاولى : 1923 - 1930

بغداد في منتصف ليلة من ليالي 1923 … وتحت الليل تمتد المدينة المظلمة العتيقة مغرقة في وسن عميق ، لا يقطعه الا صوت الحرس المتعبين وهم يسيرون ببطء وضجر في أزقة المدينة المتلوية الضيقة، التي تكاد تكون مظلمة لولا اضواء الفوانيس القليلة التي كانت مبعثرة في الطرق على غير نظام.
وكانت الليلة حارة خانقة ، فلاذ الاهلون منها بالنوم ، واووا الى سطوح البيوت لائذين بالنسيان والتشاغل ، وقد زاد الظلام عمقاً ورهبة ان القمر كان في المحاق فقد كانت الليلة آخر ساعات شهر ذي الحجة من السنة الهجرية.
ولكن بيتاً واحداً من بيوت محلة العاقولية ببغداد كان مستيقظاً ، تتعالى فيه الهمسات والتأوهات ، وتسمع في ابهائه اصوات اقدام السائرين ، وتخفق في ظلماته اضواء الفوانيس اليدوية .. وفي احدى الغرف الواسعة تعالى صراخ طفلة سمراء ليس في وجهها اية علامة من علامات الجمال او الذكاء ، شهدت الوجود اول مرة هذه الساعة.
بكت الطفلة وهي تمس ارض الوجود اول مرة ، وبقيت تبكي بكاء صارخاً طويلاً بلغ سمع ابيها الذي كان ينتظر نبأ قدومها بلهفة في غرفة مجاورة .. ودخلت فتاة يبدو عليها التعب وقالت وهي تلتقط انفاسها "فتاة .. طفلة .. لا تبتئس على كل حال .. المهم صحة والدتها .."
وخرجت ناقلة الخير: وساد الغرفة سكون عميق انقطع بعد لحظات وتعالى صوت دقات ساعة بعيدة، طالما دوت فسمعتها المدينة كلها .. دقات ساعة " الفشلة " في بغداد .
وأصغى الشاب الجالس في الغرفة وأحصى الدقات ثم همس في نفسه : الساعة الثانية عشرة تماماً .. منتصف الليل.! والان تبتديء الحياة فصلاً جديداً وعاماً جديداً .. الان يولد عام 1342 الهجري وبمولده ولدت هذه الطفلة .. ابنتي الاولى" . وفي صباح اليوم التالي كتب في مفكرته :

"يوم الأربعاء 30 من ذي الحجة 1341 قبيل منتصف الليل بخمس دقائق ولدت ابنتي نازك."

...

الأب رجل عملي واقعي مغرم باللغة العربية ودراسة الفقه والمنطق والشعر والام فتاة يافعة لم تبلغ بعد السن الصالحة للأمومة ، مغرمة بقراءة القصص وسير الابطال والشعر العذري . الاب في الثامنة والعشرين من عمره ، والام في الرابعة عشرة!
وقد كان لهبوط بطلة هذه القصة الحياة هزة فرح عميق في انفس الوالدين واسرتيهما ، وان كان فرحهم قد قوطع مراراً بالدموع والصرخات البغدادية التي تتعالى عادة في شهر محّرم ، فقد شاء القدر ان تولد فتاتنا ليلة محرّم ، وكانت الأسرة تحتفل كل عام بهذه الذكرى بأقامة مأتم نسوي فلا عجب ان تستقبل الطفلة بالدموع ، فكان صباحها الأول في الوجود مقترناً باصوات النساء الباكيات.
ولكن هذه المظاهر من الحزن التقليدي لم تمنع من الفرح بلقاء الطفلة ، بل كان السرور شاملاً عاماً ، فوزعت الحلوى وعقر خروف وزع لحمه على الفقراء وتعالت الزغاريد والأغاني ، وكنت الأب قصيدة يحيي بها طفلته ويؤرخ مولدها بهذا الشطر : "نازك جاءت في زمان السرور".
وكانت قصة اختيار هذا الاسم التركي لتسمية الطفلة انها ولدت عقب الثورة التي قادتها الثائرة السورية "نازك العابد" على السلطات الفرنسية . وكانت الصحف اذ ذاك تطفح بانبائها ، فرأى جد الطفلة ان تسمى نازك اكراماً للثائرة وتيمناً بها وقال : "ستكون ابنتنا نازك مشهورة كنازك العابد ان شاء الله."



بلغت نازك اوائل الخامسة من عمرها ، وحان أوان دراستها ، واستقرت نية ابويها على ان يدخلاها احدى رياض الاطفال ، واختارا الروضة التابعة لابتدائية المركزية في العاقولية.

وفي ذات صباح اقتيدت الطفلة الى المدرسة ، ودخلت بها امها وخالتها البناية الكبيرة وقالت لها امها : "نازك ! هذه مدرستك..اذهبي والعبي مع الاطفال ولا تنفردي ." وسرعان ما تركتها وانصرفت ووقفت بطلتنا الصغيرة تحدق في الاوجة الضاحكة المحيطة بها وتحس بغربة مؤلمة. اين تذهب؟ ماذا تفعل؟
وتلفتت حولها محزونة. آه لو لم تذهب امها وتتركها اذن لتوسلت اليها ان تاخذها معها الى البيت ! ولكن الا يجوز ان تتبعها الآن؟ تجري وراءها صائحة : "ماما .. لا اريد اليقاء هنا!!"
وركضت فجأة بقوتها كلها ، وسقطت في الطريق عاثرة بصخرة كبيرة على الارض ، ولكنها تحاملت على نفسها ونهضت تجري نحو باب المدرسة وما كادت تخطو الخطوة الاولى حتى برز لها رجل خشن طويل وصاح : "الى اين؟ الخروج محظور .. ارجعي حالاً."
ولم تفهم نازك معنى هذا .. وما دخله هو ؟ وماذا يريد منها؟ "دعني اذهب . لقد ذهبت امي وتركتني. اريد ان اذهب." فصرخ بها : "انك هنا حتى ياتي الخادم لاستلامك. أذهبي والعبي."
وقفت الطفلة الان مصدومة وفي نفسها احساس طائر يحبس في قفص اول مرة . وانفجرت فجأة في بكاء صارخ دام طويلا ً.. ولم تنتبه الا على صوت لطيف يقول: "لماذا تبكين ياصغيرتي؟" وتكلم الرجل الخشن الطويل الآن قائلاً : "ست الينور .. هذه الطفلة قد جاءت بها امها منذ قليل وهي تريد الخروج." وفي اللحظة التالية كانت نازك محمولة، وبعد دقائق كانت في الصف بين عشرات من الاطفال…
وانطوى يوم وثان وثالث.. ..ومرت الايام فاعتادت بطلتنا سجن المدرسة ولم تعد تبكي.

------

لم تجد طفلتنا في المدرسة صديقاً غير نفسها ، فقد كانت خجولاً هادئة تنفر من الاطفال. وقد زادها هرباً منهم وانطواءً على نفسها انهم كانوا يعتدون عليها بالدفع والضرب وغصب الحقوق، وكان بعضهم لا يقصد الى ايذائها ، وانما يودون ان يستثيرونها الى الاختلاط بهم واللعب معهم فتحسب هي ذلك عدواناً وتهرب بعيداً عنهم ، وقد مضت اشهر طويلة على هذا حتى اكتشفته المدرسّة يوماً فحاولت اولاً استعمال طرقها الخاصة..
حملت الطفلة في احدى الفرص الى غرفتها واجلستها وقدمت لها علبة الشكولاتة فأبت ان تأكل واصرت .. وحاولت معلمتها ان تجعلها تتكلم فلم تنجح ، وبقيت الطفلة مغلقة فمها بصرامة .. فاعادتها الى الصف واستدعت خالتها وحدثتها بملاحظاتها..
وفي ذلك المساء عادت نازك الى البيت فوجدت الانباء قد سبقتها ، فالام ثائرة والأب يلوم المدرسة . ونوديت الصغيرة وقالت لها امها : ايتها الحمقاء.
لماذا لا تلعبين مع الاطفال؟ اانت حجر!!" ولامتها لوماً عنيفاً وسمتها " مسخوطة " أي " متوحشة "!! اما بطلتنا فقد احست انها مظلومة متألمة حائرة! وفي اليوم التالي زادت انطواء على نفسها في المدرسة.

ومن الذكريات التي تركت اثراً في نفس نازك انها كانت ذات يوم تسير شاردة في الساحة الخلفية للمدرسة ، تحدق امامها دون ادراك فمرت بها طفلة ضخمة – او هكذا خيل اليها – ووقفت امامها لحظة ثم اسلمتها اقلاماً كثيرة ومنديلاً وكتباً وقالت باختصار : "احفظيها حتى اعود!" وذهبت .. اما نازك فقد وقفت حائرة تحدق في ذلك الحمل الثقيل ولا تفهم . واختل توازنها فجأة وتبعثرت الاشياء على الارض .. وفي تلك اللحظة عادت الطفلة فلما رأت ما حدث صرخت بنازك ولكمتها وصفعتها وجمعت اشياءها بسرعة واختفت في زحام الاطفال قبل ان تفيق طفلتنا من ذهول المفاجأة.
واصرت نازك باسنانها على شفتها السفلى وأبت ان تبكي .
الا ان عينيها دمعتا. وكان المراقب الوحيد لهذا الحادث طفل يقف بالقرب من نازك فأقترب منها وقال لها : "لماذا لم تضربيها؟ لماذا تركتيها تلكمك وانت ساكتة؟ لو كنت انا محلك لاشبعتها ضرباً!" ولكن نازك لم تجب ولم تفكر فيما قال .. بل سارت الى الامام .. وكانت في تلك اللحظة تعتقد ان الاطفال جميعاً شياطين . وقالت لنفسها : لو كنت انا محلها أكنتُ اضربها؟!" ووجدت نفسها تصرخ" لا! لا!" وقالت فجأة لنفسها : "انني خير منها.. آه لو عرفت امي هذا الحادث.." وادركت حالاً ان امها لا يجب ان تعرفه..وقررت الكتمان! ونشأت على ممر الايام في نفسها عقدة متعبة سببها هذا الحادث (السري الخطير!!).
وفي ذلك اليوم نفسه تعرفت نازك اول مرة الى تلٍ من الرمال الرطبة في الساحة ، فقد فكرت ادارة المدرسة في استعمال الرمل للعب الاطفال وتسليتهم . وسرعان ما جلست فوقها وراحت تبني منه قصور الخيال ومدن الاحلام التي وصفتها فيما بعد في ملحمتها "مأساة الحياة" يوم قالت:

لم يزل مجلسي على تلي الرملي يصغي الى اناشيد امي

لم ازل طفلةً سوى انني قد زدت جهلاً بكنه عمري ونفسي

ليتني لم ازل كما كنت قلباً ليس فيه الا السنا والنقاء

كل يوم ابني حياتي احلاماً وانس اذا اتاني المساء

ايه تل الرمال ماذا ترى ابقيت لي من مدرسة الاحلام

انظر الآن هل ترى في حياتي لمحة غير نشوة الاوهام؟

آه ياتلُّ ها أنا مثلما كنت فأرجع فردوسي المفقودا

أي كف اثيمة سلبت رملك هذا جماله المعبودا

كنت عرشي بالامس ياتلي الرملي والآن لم تعد غير تلّ

كان شدو الطيور رجع اناشيدي وكان النعيم يتبع ظلي

وقد كان ذلك التل عرشاً لنازك حقاً ، عرش الشعر والخيال ، فقد بدأت منذ عرفته تستغرق في الاحلام الجميلة . ولذلك ترك في نفسها اعمق الاثر وكان المظهر الاول من مظاهر شاعريتها.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:03 PM
وجدت الشاعرة الصغيرة في الرمل صديقاً يغني عن صداقة الاطفال المؤذية التي تُضرب من اجلها ، وكان هذا الصديق يمتعها كل الامتاع ويوسع امامها آفاق الأحلام . الا انها ذات يوم كرهته وتركته متضجرة . فقد حدث في ذلك اليوم ان جمعت "الفراشة"[1] الاطفال عند التل وراحت تقص عليهم قصة قبيحة نفرت منها مشاعر بطلتنا الطفلية البريئة . وكانت تتكلم بلغة ابناء الطرق فيضحك الاطفال ويصفقون دون ان يفقهوا اما نازك فقد احست بضجر خانق لم تعرف سببه. نهضت وتركت عرشها الصغير مكرهة وانطبعت صورة تلك الفراشة في ذهنها انطباعاً كلياً ، وهي ما زالت تتذكر شكلها حتى اليوم فهي " امرأة طويلة سمراء ضئيلة الوجه صغيرة العينين ترتدي السواد ابداً ولها سن من ذهب في الناحية اليمنى من فمها.. .." وعلى مرور الزمن اصبحت نازك تكره كل انسان في فمه اسنان من ذهب ، لان فكرة الشر والجهل التي تجسمت في تلك المرأة ، قد اقترنت بالسن الذهبي!

……….

وكان لبطلتنا في المدرسة صديق آخر غير تل الرمال ، وهو اللقلق الذي يتخذ عشه على المنارة القريبة.وكان هذا اللقلق يثير في نفسها مشاعر كثيرة وهو يصّوت بمنقاره ذلك التصويت الغامض وهي ما زالت تتذكر حتى الان نوع احساسها تجاهه ، بل ما زال صوته يستحيي في نفسها انطباعات مجهولة لعهد باهت من حياتها الاولى فكلما سمعت صوته انبثقت في ذهنها صورة مطموسة المعالم ليوم بعيد جداً كسفت فيه الشمس كسوفاً كلياً بعد الظهر فانقلبت المدرسة الى عويل صارخ من عشرات الاطفال ، ووقفت هي تبكي مع الباكين وتصغي الى صوت اللقلق الذي لم تعد تراه تحت الضباب والظلام .

وكانت تقضي فترات الظهر شاردة في الساحة الخلفية هاربة من اعين المعلمة المقاربة ، فقد كان النظام في المدرسة ان ينام الاطفال ساعةً ظهر كل يوم ، ثم تتابع الدروس فيما بعد ، وكانت هناك قاعات كبيرة مجهزة بكراسي مستطيلة من الكتان السميك معدة لنوم هذه المئات من الصغار ، وكانت بطلتنا تكره النوم نهاراً .. فتمضي تهيم في الساحة بذلك الشرود الغريب الذي كان يلازمها في طفولتها . وكانت في الغالب تصاد وتقاد الى القاعة الهادئة وتؤخذ الى سريرها الذي يحمل رقمها وهناك كانت المراقبة تطلب اليها ان تخلع حذاءها وتستلقي وتغمض عينيها حالاً : ولكن بطلتنا كانت تلتذ بمراقبة الاطفال الهاجعين ، فتتظاهر بالنوم حتى تبتعد المراقبة واذ ذاك تفتح عينيها وتروح ترقب ما حولها وتصغي الى صوت المراوح الكهربائية في المكان الهاجع ، وكثيراً ما كانت تقارن في ذهنها الصغير بين هذه المراوح ، والمروحة العملاقة المعلقة في سقف السرداب الكبير في البيت.

اما التمرد فقد كان طبيعة فيها منذ طفولتها .. كانت عنيدة متمسكة بآرائها الى حد يضايق معلماتها وابويها ، وكانت في نفسها مقدرة على الكتمان والصمت تندر في الاطفال ، وكان من مظاهر تمردها في المدرسة انها لا تكلم احداً ، ولا ترضى ان تنام ، وانها ابت اباء تاماً ان تمر بالصف الثاني "الاخضر" في الروضة . اما تفصيل هذا الحادث الاخير فهو ان سنوات المدرسة في الروضة كانت ثلاثاً ، الاولى منها يقضيها الطفل في الصف "الاحمر" ، والثانية في "الاخضر" والثالثة في "الازرق". وقد انتهت بطلتنا من الاحمر وفي السنة التالية اجتمع اطفال الصف الاخضر ومعهم هي ، ولكنها غافلت المعلمة وخرجت ببرود وبساطة الى الصف الازرق! وحين جاءت المعلمة وجدت طفلة تحمل شارة خضراء في الصف الازرق فاعادتها بلطف الى صفها ، ولكن الطفلة المتمردة ابت الرضوخ وعادت في اليوم التالي الى الصف الازرق ، وتكرر الحادث، ولم ينته الامر الا حين عثرت نازك على شارة زرقاء في الساحة فوضعتها على صدرها والقت بالخضراء في الرمل ، وبقيت في الصف الازرق!

ولم تفهم نازك هذا الحادث الغريب مطلقاً .. لم تفهم كيف تخرجت في سنتين بدلاً من ثلاث دون ان تعترض ادارة الروضة.

الفترة الثانية: 20 ايلول 1930 - 1934
انتهت الدراسة في الروضة ، وانتقلت نازك الى الصف الاول من الابتدائية المركزية للبنات وهنا نقف لحظة لنتحدث عن حياتها الجديدة .

نازك الملائكة في الصف الاول على عتبة الدراسة الحقيقية ، وهي اذ ذاك طفلة في السادسة من عمرها سمراء نحيلة الجسم ، سوداء الشعر والعينين لا تعني بهندامها وعبثاً تحاول والدتها ان ترغمها على المحافظة على ترتيب شعرها وملابسها. وفي اليوم الأول من السنة اصطفت التلميذات في صف طويل كانت هي في راسه وسرن الى الصف ، وهنا جاءت المعلمة الرقيقة "الانسة مديحة كامل" واجلست تلميذاتها الصغيرات فكان مكان نازك في اول الصف عند الباب على رحلة واحدة مع طفلتين سمراوتين صغيرتين.

نازك . كاملة . ماجدة .. هذه الاسماء الثلاثة قد كتب لها ان ترتبط سنة كاملة في صداقة طفولية جميلة كانت هي اول صداقة عرفتها خارج البيت. كانت ماجدة تجلس في الوسط بينها وكاملة وكانت بدينة شديدة السمرة ، لم تكن طباعها تنسجم كثيراً مع الاخرين فهي اجتماعية وقد تعتدي بالضرب على الطفلة التي لا تروقها ، اما كاملة فقد كانت اقرب الى نفسية نازك لانها صغيرة ، منزوية ، تعيش في نفسها اكثر مما تعيش مع الاخريات ، ومع ذلك فقد انتظمت الزميلات في عقد واحد واصبح ما للواحدة منهن للاخرين كذلك.

وقد حدث ذات يوم ان غضبت المعلمة على تلميذاتها فطلبت اليهن ان يجلسن خاشعات لا يتحركن . وقد حدث اذ ذاك ان مدت ماجدة يدها في جيبها فاخرجت مشطاً صغيراً وراحت تعدل به شعرها فصرخت بها المعلمة: "لماذا تحركت؟" سيكون عقابك ان تستمري في التمشيط الى آخر الدرس." وضحكت طفلة فوضعت رأسها على الرحلة فكان عقابها ان يبقى رأسها على الرحلة .

وكان من سوء حظ نازك اذ ذاك انها كانت ذاهلة مغرقة في النظر الى صورة معلقة على الجدار فلم تفطن الى العقوبات الغريبة التي نزلت بزميلاتها ، وقد حذث اذ ذاك ان سقط قلمها على الارض فدخلت بجسمها الصغير تحت الرحلة لتخرجه واذ ذاك ارتفع صوت المعلمة وقالت بحدة: "نازك! ابقي كما انت تحت الرحلة!"

وكانت ضربة مؤلمة..انفجرت لها الطفلة في بكاء صارخ ، لم يكن سبب بكائها انها لم تجن ذنباً فحسب وانما آلمها ان تاتيها العقوبة من هذه المعلمة الرقيقة التي طالما عاملتها بلطف ومدحتها امام اهلها وزميلاتها ! وكيف يجوز ان ترضى هذه المعلمة اللطيفة بمعاقبة نازك؟ كيف تسمح لنفسها ان تبقيها تحت الرحلة الى نهاية الدرس؟

ارتفع بكاء الطفلة حتى امتلأ به جو الفصل ، واذ ذاك انحنت المعلمة ورفعتها فاجلستها على الرحلة ، ولكنها كانت قد انتقلت الى مرحلة العصبية والثورة والعناد ، وكانت يداها ملتصقتين على القلم في قوة عنيفة واباء شديد وعبثاً حاولت المعلمة ان تجعلها تهدأ . فقد بقيت تبكي وان كانت بقية التلميذات المعاقبات يضحكن للعقوبة.

وهكذا كانت نازك جدية منذ طفولتها تكره المزاح ويؤذيها ان تعاقب مهما كان العقاب شاملاً لسواها ..ولذلك رجعت الى البيت في ذلك اليوم محمومة متعبة . ولم تعلم امها السر ، فان الطفلة قد صمتت صمتاً تاماً ، وقد بقي النبأ مكتوماً في نفسها حتى بلغت الرابعة والعشرين من عمرها.

وما مضت اشهر من ايام الدراسة حتى عقد في البيت اجتماع صغير تحدثت فيه امها الى ابيها وخالتها شاكية: "ان نازك لا تدرس مطلقاً ولا تعني بعير دروس الاستظهار والنشيد، ولا اذكر انني رايتها تقرأ يوماً واخوف ما اخافه ان ترسب هذا العام."

وفي الصباح التالي كانت البطلة تسير في ساحة المدرسة مع كاملة فجاءتها الفراشة ودعتها الى مقابلة المدرسة "م. ك" وفي باب الصف جمدت الطفلة ! فقد رأت معلمتها تقف وجهاً لوجه ازاء خالتها نظيمة التي كانت اذ ذاك تلميذة في المدرسة ، وسرعان ما وجدت نفسها محمولة بين ذراعي المعلمة التي سارت بها الى الصف واوقفتها على المنضدة واعطتها كتاب القراءة وقالت : "اقرأي هنا ياحبيبتي..هيا. لا تخافي." وراحت الطفلة تقرأ بصوتها الخجول المرتبك ولكن بلهجة فصيحة. وتبادلت الخالة والمعلمة مجموعة من النظرات ، وأنزلت الطفلة الى الارض . ثم قالت المعلمة: "ماذا تريدون ان افعل لابنتكم ان كانت لا تدرس؟ انها تقرأ جيداً كما ترين ، وتستطيع القراءة حقاً بينما سواها من الصغيرات يحفظن الكلمات غيباً. ولماذا تريدون منها ان تدرس في البيت؟ الا يكفي انها في الصف تفهم وتقرأ جيداً؟!" وعادت نازك الى البيت منتصرة في ذلك اليوم ، وقد تلقاها ابوها بقبلة وهدية صغيرة: كتاب مصور بالالوان ابتاعه لها خصيصاً.

واقبلت نهاية السنة وتلقت نازك درجاتها ، وحملتها فرحة خافقة القلب وركضت الى البيت . ومرة ثانية لقيتها القبلات ..

وكان ذلك اليوم آخر عهد بطلتنا بصديقتها الرقيقة كاملة ، فقد جرفها تيار الزمن الى حيث لا يعلم احد ، والذي بقي يعض في نفس نازك انها لا تعرف اسمها الكامل ، ولا تذكر منها الا شكلها واسمها الاول، وكم من مرة في حياتها ودت لو قابلتها او عرفت مصيرها ، كم من مرة سألت عمن يستطيع ان يتذكر اسم ابيها ولكن عبثاً . وقد تجمعت هذه العواطف كلها فكونت قصيدتها "ذكرى مولدي" التي اهدتها الى كاملة: "صديقة طفولتي البعيدة التي لا اعرف منها الان الا اسمها وحده." وقد تساءلت في القصيدة عن مصير صديقتها وخاطبتها في ابيات حزينة صورت لها فيها مصيرها وهي:

اين اصبحت يارفيقة أمسي ما الذي قد شهدت فوق الوجود؟

اترى تذكرين مثلي ايام صبانا وحلمنا المفقود؟

ام ترى قد نسيتني ونسيت الامس في فرحة الشباب الرغيد؟

ابداً لست لست انسى وان كنتِ قد تهاويت في الزمان البعيدِ.

…..

الكرادة الشرقية الابتدائية للبنات.

نازك في الصف الثالث .. .. وقد كتب لحياتها الان ان تتعرف الى شخصية هامة ستؤثر على نفسها ، وتقعدها في النهاية الى الانكماش والخجل وكراهية الوجود كله .. .. شخصية مديرة المدرسة السيدة "ق.." التي كانت تدرس الصف الثالث علم الحساب.

وكانت نازك تكره الارقام كراهية هائلة لازمتها طيلة حياتها .. وكانت تؤثر ان تشرد بفكرها في درس الحساب .. وفجأة تلتفت المعلمة فتسألها سؤالاً فلا تجيب..او تجيب اجابة مغلوطة.. فتغضب المدرسة وتعنفها .. .. وتكرر هذا .. واصبحت الطفلة تحس بأنها تكره المدرسة من اجل الحساب . انها تستطيع جيداً ان تفهم اللغة العربية والتاريخ والدين والجغرافية .. .. ولكنها لا تستطيع ان تصطلح مع الحساب ، وقد اصبحت كراهية معلمتها لها تزيدها بغضاً للمدرس ولم تعد تستطيع احتمال تذكر الحساب!

وجاء الامتحان السنوي ، وظهرت نتيجة الحساب واذا الطفلة قد اجابت على سؤال واحد من ستة اسئلة! وجاء دور امها وابيها في البيت .. لماذا رسبتِ؟! .. لماذا لا تدرسين؟ وفهم ابوها منها بعد استجواب دقيق انها تكره المدرّسة نفسياً ، وان المدّرسة لا تعاملها معاملة صحيحة!. وثار ابوها وشكا المدّرسة الى المسؤولين في الوزارة ، وترامى النبأ الى المدرّسة نفسها فازدادت كراهية للطفلة البريئة.

وبدأت نازك تتفلسف: فكانت تقضي ايام العطلة بعد حل تمارين الحساب في التفكير بتلك المدرّسة .. وما ذنبها هي ان كانت لا تملك موهبة في الحساب؟! ان بعض الناس يولدون موهوبين في الحساب وهي ليست منهم .. بل هي تشعر بأنها بليدة ، غبية وكراهية معلمتها لها اول دليل على ذلك .. والدليل الثاني انها في المدرسة منفردة ليست لها صديقة ، وقلماً تتكلم مع احد.

كانت الطفلة في الواقع تجتاز محنة في ذلك الصيف من سنة 1931 ولكنها اجتازتها وحدها ، دون معونة .. ، اجتازتها بعد ان طبعت حياتها بطابع من الكآبة والقلق وعدم الثقة بالنفس.

وجائت السنة الجديدة بتعديلات كثيرة .. فنقلت المديرة البغيضة الى مدرسة اخرى وجيء بمديرة جديدة كانت بالنسبة لنازك على عكس الأولى .. .. كانت تفهمها وتقدر شرودها واحاسيسها وجيء للحساب بمدرسة جديدة بدينة مشرقة الوجه تفيض حناناً وما علمت بأن نازك مكملة في الحساب حتى نادتها واجلستها في غرفة المعلمات واملت عليها سؤالاً واحداً بسيطاً جميلاً : "اشترى تاجر عشرين ذراعاً من المخمل بمائة دينار فما سعر الذراع الواحد؟" .. .. لكم كانت نازك سعيدة.. .. لكم احبت هذه المدرسة المحبوبة "ص…" .. .. سؤال واحد لا غير .. سؤال بسيط .. لا كسور عشرية.. ولا كسور اعتيادية.. اعداد صحيحة .. صحيحة والجواب واضح وضوح الشمس!. وخرجت الطفلة تركض فرحة .. تركض الى البيت فتدور بينها وبين امها محاورة..

- نازك .. امتُحنتِ ؟

- نعم .. ناجحة ..ناجحة!

- من قال؟! كيف عرفتِ..؟

وتقفز الطفلة متحمسة

- عرفت! .. اني متأكدة .. سألتني سؤالاً واحداً.

وقد كانت الطفلة في الواقع ناجحة.

……



سنة جديدة .. ونازك في الصف الرابع وقد بدأت مظاهر الرومانسية والخيال والشعر تبدو عليها بوضوح .. .. فهي منعزلة خجول تحب المطالعة ، وتحلم كثيراً ، ثم ان صحتها ضعيفة ، وهي دائماً مزكومة .. .. وقد بدأت بوادر التفوق في درس الانشاء والمحادثة تبهر مدرستها .

كانت في البيت خاملة لا تفعل شيئاً ، وقد اهداها ابوها بمناسبة نجاحها الى الصف الرابع مجلداً من مجلة كل شيء والدنيا ، وانكبت عليه في شغف غريب. فقرأت وهي في طفولتها القصص التي تكتبها هذه المجلة بعنوان "تاريخ ما اهمله التاريخ" وتأثرت تاثيراً عميقاً بقصة "لويس فيليب" ملك فرنسا النبيل .. وقصة ذلك الامير الذي احترقت عروسه الاميرة ليلة زفافهما لانها حاولت التدخين سراً ..! قصة سمير اميس ملكة بابل ، وكيف التقطها الراعي ورباها .. قصة كليوبترا وقيصر .. ..! قرأت قصة هيرا ولياندر" ووقفت ببصرها طويلاً عند صورة هيرا المنتظرة .. وقرأت الى جانب ذلك شعر الفضولي وكانت في الغالب لا تفهمه الا انها تضحك منه على كل حال.

وما مضى شهران حتى كانت الصغيرة قد عصرت المجلّد عصراً ولم تبق فيه شيئاً لم تقرأه مرات .. .. ما عدا المقالات التي لا تفهمها طبعاً .. وهنا بزغ في حياتها شيء جديد.

ذهبت ذات مساء الى دار جدها المجاور ، حيث اعمامها وعماتها وهناك وجدت عمتها الكبيرة عائشة منهمكة في تحضير دروسها ، فكانت مكبة على كتاب صغير الحجم تقرأ فيه مغنية رافعة صوتها :

ياليلَ قبرُكِ ربوة الخلد نفخ النعيمُ بها ثرى نجدِ

ولم تدر نازك لماذا تاثرت بهذا البيت وما بعده .. ولكنها بقيت تنظر وتصغي وتحلم .. .. ليلى.. قبر .. نجد .. ثم عمتها وهي ترنم الابيات بحرارة .. ومضت ساعة ونازك صامتة ، ونهضت العمة وتركت كتبها مفتوحة ، فمدت نازك يدها بحرص واخذت الكتاب ، ونظرت الى غلافه في افتتان وانبهار :

مجنون ليلى احمد شوقي…

وفي هذه اللحظة عادت العمة ، فلما شاهدت ابنة اخيها ممسكة بالكتاب قالت لها في برود : "اعجبتك الصورة؟ هذه صورة ليلى الجالسة في ضوء القمر .. .. والاعرابي الجاثي هو قيس!" وكان في ذهن نازك صورة باهتة لا حدود لها حول شيء يقال له "ليلى وقيس" ، قتمنت ان تقرأ الكتاب ، وفتحته فعلاً فلما وقع بصرها على ابيات غرامية .. خجلت ، فتسللت خارجة من بيت جدها وركضت الى بيتها !

اصبح الاختلاء بهذا الكتاب شغلها الشاغل الآن .. فهي لا تستطيع ابعاد صورة ليلى وهي متربعة على عرش القمر ، وقيس تحتها في الصخراء ، يتضرع اليها .. .. ولكنها كانت لا تجد الكتاب الا قرب عمتها .. ومضى اسبوع كامل وهي معذبة هكذا .. انها قد قرأت قصص الغرام مراراً ، ولكنها كانت دائماً تقرأها وحدها ولا أحد ينظر اليها ، لانها تبكي احياناً ، وتضحك احياناً وتتاثر الى حد الانبهار احياناً ، ومن ثم فليس من المناسب ان يراها احد.. ..

وفي ذات مساء مشرق .. وجدت نازك الكتاب ملقى في اهمال على كرسي في الشمس ، قتنفست الصعداء .. وكانت عمتها في المدرسة والبيت خال تقريباً الا من جدتها المريضة في غرفتها ..فأنكبت تقرأ القصة الشعرية بنهم هائل لا حدود له .. وبكت بكاء شديدً طويلاً لموت ليلى .. بكت حتى احمرت عيناها ، وعادت الى البيت مساءً وركضت الى سريرها ، ونامت لتكمل بكاءها الطفولي تحت اللحاف!.

كانت هذه الطفلة في الواقع رومانتيكية جداً .. .. حتى انها بقيت بعد قراءة الكتاب باسبوعين تبكي كل ليلة .. في الظلام .. تحت اللحاف من اجل ليلى ..! كيف ماتت ؟! كيف مات قيس ؟ كيف هبط الملائكة .. وكان البيت الاخير من الكتاب يرتسم امامها باحرف من نار دائماً :

نحن في الدنيا وان لم ترنا

لم تمت ليلى ولا المجنون مات

وفي ذات ليلة اكتشفت عمتها انها تبكي ، فالحت عليها في السؤال عن السبب .. هل آذاك احد ؟! امتالمة انت؟! مريضة؟ لماذا اذن تبكين؟!.. ولكن الطفلة لم تتكلم فموضوع "ليلى" عندها اكثر قداسة من ان تحدث عنه عمتها ! ولكنها انقطعت عن البكاء وألفت الموضوع اخيراً!

وبدأت آثار هذه المطالعات الغريزة تظهر على اسلوبها الكتابي في المدرسة فتفوقت في درس الانشاء بسرعة ، واصبحت في المقدمة دائماً ..


محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:04 PM
وانتهت السنة الرابعة.. ..

وجائت السنة الخامسة . وظهرت بطلتنا فجأة في الصف ، والمدرسة. وبدأت لفظة غربية تشيع عنها على السنة الصغيرات ، هي انها "شاعرة". هذه الطفلة البليدة المظهر ، الجامدة ، التي لا تكلم احداً ، المزكومة دائماً .. شاعرة..! أي نبأ غريب..!

وكانت هي تسمع احياناً الفاظاً ساخرة من شعريتها فتتألم وتقول لنفسها : "هل قلت انا انني شاعرة؟! وها انا احتمل السخرية وحدي وكيف اردها؟ اين شاعريتي المزعومة؟"

وفي ذات يوم دخلت بطلتي الصف فوجدته خالياً .. وكان هناك على اللوحة هذه الكلمات: "نزهة في زورق". ولم تدر هي لماذا امسكت "بالتباشير" وراحت تكتب .. ولم تدر الا انها كتبت بيتين وفجأة دخلت طفلة متحمسة ، هي "ف. ك" ، وما كادت تقرأ حتى صرحت فرحاً: "نازك! انت تكتبين قصيدة! ياللعظمة! ما اجملها…" وركضت الى الصف وجاءت بورقة وراحت تسجل فيها القصيدة. وتتذكر بطلتي انها كتبت ما يقرب من عشرة ابيات مدفوعة بتشجيع زميلتها المتحمسة هذه.

ولكن الذي ضايقها ان "ف. ك" اخذت القصيدة وركضت فجمعت حولها كثيراً من التلميذات وراحت تقرأها ملقية على نازك مديحاً هائلاً كبيراً. اما بطلتنا فأختبأت في آخر الصف محمرة ، ناقمة على زميلتها الثرثارة.

وحدثت في المدرسة ضجة ، وصفقت التميذات ، فخرجت المديرة ، متسائلة ، وفي اللحظة التالية كان القصيدة في يديها ، وقد اخذتها ودخلت غرفتها ….

ومضت أسابيع صامتة .. .. ..

ثم أقيمت في المدرسة حفلة كبيرة ، اشتركت فيها كثيرات من التلميذات ، وقد طلبت المديرة من نازك توزيع الحلوى على المدعوين . وقد كرهت هي هذه المهمة ، ولكنها لم تجرأ على رفض طلب مديرتها الكريمة التي غمرتها بلطفها .

وجائت اللحظة الحاسمة . وحملت بطلتي علبة الحلوى ، وسارت قاصدة ضيف الشرف . وكان الخجل قد بلغ بها مبلغه ، وانقلب ارتباكاً حاداً ، فسارت شاحبة ، مطرقة ، تكاد تتعثر بأرجل المدعوات ، ولم تكن تعلم من هي ضيفة الشرق ، ولا كان يعنيها ان تعلم ، فالذي يهمها انها تسير امام الناس ، وكلهم سواء ، كلهم يثيرون خجلها .. وكانت تدرك دون ان تحتاج الى النظر اين تجلس ضيفة الشرف ، فسارت قدماً ، وانحنت امامها وفي يدها العلبة.

وما كادت الضيفة تمد كفها حتى هتفت المديرة باسمة : "هذه نازك .. تلميذة في الصف الخامس.. وهي شاعرة المدرسة.." وكادت بطلتي تذوب خجلاً .. ودت اذ ذاك لو ابتلعتها الارض . وفجأة رن في اذنها صوت : "ضيفة الشرف " خشناً ، حاداً ، وهي تهتف : "نازك، اعرفها..!" واصفرت الصغيرة ورفعت وجهها مرتاعة . لقد كان هذا الصوت معروفاً لديها ، هذا الصوت الذي عكر احلامها سنة كاملة . صوت مدرّسة الحساب الممقوتة : "ق..". وحدقت فيها فرأتها هي هي تماماً.

وذهلت بطلتي ، ووقفت حائرة! اكان ضروريا ان تأتي هي نفسها لتقدم الحلوى ؟! ورأت المدرسة ارتباك نازك وجمودها فقالت لها باسمة بلطف : "تحركي ايتها الشاعرة الصغيرة الان ، وساستدعيك بعد دقائق لتقرأي علينا قصيدتك الجميلة." وكان هذا كافياً لان يرسل نازك متعثرة الى آخر صف من صفوف المدعوات ، وفي عينيها بداية دموع ..! انها لا تستطيع ان تقرأ قصيدة امام هذا الجمهور الكبير . وامام هذه السيدة خاصة فهي تمقتها ولا تحتمل رؤيتها.

ولكن المديرة لا تفهم هذا ، وهي تريد دائماً ان تخرج بالشاعرة الصغيرة عن جمودها وخجلها ، ولذلك الحت عليها بقراءة القصيدة ووقفت نازك جامدة لا تتكلم ولا تتحرك ، وطال جمودها وصمتها وكانت "ف.." صدفة قربها فانحنت عليها هامسة : "نازك ! عزيزتي.. باسم الصف كله أرجوا ان تلقي القصيدة! تصوري المجد الذي ينال الصف .! والفخر الذي ينالك انت !. لو كنت مكانك لطرت فرحاً بهذا الطلب الكريم من المديرة .. هذا التقدير لك .. .. وللصف… تلقين قصيدة في حفلة كبيرة كهذه…!"

ولكن نازك همست قائلة: "لن اقرأها..لا اريد..آه..اريد ان اذهب..اقرأيها انتِ..افعلوا ما شئتم وانما اتركوني اذهب بسلام…."

وانتهت المشكلة بأن قرأت "ف.." القصيدة بحماستها المألوفة وهربت نازك وهي لا تكاد تصدق بنجاتها.

وفي تلك السنة تقدمت نازك في دروسها تقدماً واضحاً لمسته مدرساتها وفي نهاية السنة كانت درجتها الثانية في صفها .

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:04 PM
الفترة الثالثة: 1935 – 1939

"سأكتب منذ اليوم بضمير المتكلم"


وماذا كنت اقرأ في عامي 1939 – 1940 ؟ .. في الواقع انني اتجهت اتجاهاً شديداً مبالغاً فيه الى دراسة الادب القديم ، وخاصة النحو ، فاعطاني ابي كتباً مثل شرح شواهد ابن عقيل للجرجاوي ، وفقه اللغة للثعالبي وخزانة الادب للبغداداي ، وعشرات من الكتب مثلها . وقد كتبت في يومياتي يوم 26 شباط 1940 اشكو من فداحة المجادلات بين الكوفيين والبصريين واقول : "على ايهم اعقد؟ اعلى سيبويه ام الكسائي. ثم هنالك ابن هشام وابو حيان والسيوطي والسهيلي وابن خروف والرجاج والاصمعي." ثم كتبت صفحات طويلة حول نقاط تفصيلية في معركة نحوية لم اعد الآن اطيق قرائتها وكنت في تلك الايام التهمها التهاماً . وقد قرأت من كتب النحو اذ ذاك "شذور الذهب" لابن هشام" و "حاشية الشيخ عبادة على شذور الذهب" قراءة ودراسة ، كما استظهرت جانباً كبيراً من شواهد ابن عقيل مع شروحها واعرابها اعتماداً على ابن عقيل والشيخ قطة العدوي ، وقد قفزت بي هذه الدراسة الى مستوى عالٍ جداً في النحو حتى برزت بروزاً مرموقاً في المدرسة.

وفي حقل الادب واللغة قرأت عمدة ابن رشيق ، والمثل السائر وادب الكاتب ، وخزانة الادب للبغدادي . ومما اذكر انني قرأت البيان والتبيين في ثمانية ايام ، كدت خلالها اوذي عيني ايذاءً شديداً. ولا اذكر الآن أي جنون هو الذي دفعني الى هذا ، الا اننني ارجح انها بداية عادتي المتأصلة في القراءة الكثيرة وقياس الحياة بها ، فمنذ تلك الفترة بدأت اشعر بالرعب كلما مر بي يوم لم اقرأ فيه ثماني ساعات . لم تكن قراءة البيان والتبيين في ثمانية ايام هينة ، بل كانت تلك الايام ايام محنة فظيعة انتهت بمرضٍ كان لابد منه اضطررت معه الى ترك المطالعة لالتهاب عيني.

ومما قرأت "رسالة الغفران" والضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر" للآلوسي وقد احببته حباً كبيراً ، و"شعراء النصرانية" للويس شيخو . وقد حفظت منه مئات من الابيات الجاهلية وحفظت اخبار حرب البسوس غيباً ، وكان اشد ما يمتعني ان احفظ الابيات التي من اجلها سمي التابغة وافنون التغلبي والمرقش وغيرهم باسمائهم ، والواقع اني بتّ بواسطة هذا الكتاب واسعة الاطلاع على الشعر الجاهليّ وكانت ثقافتي تعادل ثقافة المتخرجات من الكليات .. ومن بين ما قرأت كتاب " الساق على الساق في ما هو الفارياق" وكنت استمتع استمتاعاً كبيراً بلغته . وفي الشعر قرأت ديوان البحتري وابن زيدون والبهاء زهير وابن خفاجة وابن سهل مفصلاً وحفظت لهم كثيراً ، كما قرأت كتباً حديثة كثيرة بينها "عبقرية الشريف الرضي" لزكي مبارك و"تاريخ حياة معدة " لتوفيق الحكيم ، و"مع ابي العلاء في سجنه" لطه حسين ، و "اميرة الاندلس" و "عنترة" لشوقي .. و"بلوغ الارب" للالوسي .. ومن الدواوين الحديثة بعض الدواوين العراقية ، وديوان "ليالي الملاح التائه" لعلي محمود طه.

ويبدو من هذا ان ثقافتي في العام الدراسي الذي كنت خلاله استعد للبكالوريا الكبرى كانت واسعة الى درجة لم يسبق لها مثيل في حياتي ، ثم انها كانت كلها متجهة الى الاداب القديمة والنحو واللغة والبلاغة ، وكنت اجد لذة هائلة في الدراسة وحفظ الشواهد ومناقشة ابي ، ولابد لي ، وانا اذكر مصادر ثقافتي في هذه السنة ان اشير الى حبي الشديد للقاموس في تلك الايام وكنت اعتمد اعتماداً كلياً على قاموس "اقرب الموارد" للويس شيخ اليسوعي ، وهو قاموس مقبول لم ازل احبه.

ولنفخص الآن مكان حياتي المدرسية من هذه الدراسات كلها . واني لاعجب اليوم كيف كنت اوفق بين الدراستين الخارجية والمدرسية . كنت تلميذة في "فرع البنات" وهو فرع كان اذ ذاك يعني شيئاً بين العلمي والادبي وقد درسنا فيه الفيزياء والرياضيات العامة ، بالاضافة الى العربية والانجليزية والتاريخ وتربية الطفل والتدبير المنزلي والخياطة والتمريض والحق ان المنهج كان شاقاً ، عسيراً ، وكنت ابغض الرياضيات والفيزياء وعلم النبات ، ولا افتأ احلم بيوم الخلاص من الثانوية لادخل بعدها في الفرع الادبي في دار المعلمين العالية وانس كل ما تعلمته في العلوم والرياضيات.

ولكن دروس اللغة العربية كانت شديدة الامتاع لي ، وقد لقيتُ هذا العام اول مدرسة ادركت مواهبي ، وشدهت بثقافتي الواسعة التي لم يكن من الممكن مقارنتها بثقافة طالب الثانوية الذكي على الاطلاق . كانت المدرسة لبنانية ، عجوزاً غريبة الطباع ، واسعة الاطلاع ، اسمها "ماري عجمي"، وقد سبقتنا اليها شهرتها بانها اعظم مدرسة للغة العربية في الشرق كله . وانها مثقفة حقاً ، لا كسائر معلماتنا السابقات . الا انها حين قدمت الى المدرسة احدثت في انفس التلميذات رد فعل قبيح اكره ان اتذكره .

ترامت الينا الانباء من الصفوف المجاورة اولاً ، بانها انسانة فظيعة ، جافة ، خشنة الصوت ، قصيرة القامة ، تتكلم بالفصحى وتلتزمها التزاماً مضحكاً يجعل التلميذات يواجهنها بالسخرية واستعدت تلميذات الصف الاول لاستقبالها استقبالاً يناسب هذه الاشياء .. ولكن شيئاً واحداً بقى يصحب اخبار السخرية ، وهو ان ماري عجمي عميقة ، عظيمة ، فاهمة . وكان هذا يهمني لانني لم اكن اصدق ان هناك معلمة تفهم اللغة العربية كما يجب . فانا اعلم ماذا يعاني المرء ليصل الى مثل هذه الثقافة وادرك ان المرأة العربية ما زالت في المرحلة الاولى من ثقافتها ولذلك لا يمكن..

وقد ملأني هذا كله تحدياً وكنت اشعر بثقافتي شعوراً لا مفر منه. فانا على مقعدي في الصف الخامس ، احمل في رأسي الجرجاوي وابن هشام والبغداديّ وابن قتيبة والجاحظ وابن رشيق ، وعلماً زاخراً بالادباء والشعراء من الجاهلية حتى هذا اليوم واحفظ الافاً من ابيات الشعر . وقد دارت هذه الثقافة برأسي دوراناً خطراً وانا استقبل مدرستنا ماري عجمي اول مرة.

وقد دخلت ملتفة بشال غليظ النسج وبادرتنا بصوت هاديء فيه خشونة: "طاب صباحكن." ثم بدأت تتحدث عن ابن هائيء الاندلسيّ ، وتسألنا بين الحين والحين . واذكر انها راحت تشرح احدى قصائده ، فمرت بلفظٍ وشرحتهُ فنهضت وسألتها في لهجةٍ لم تخل من وقاحة ظاهرة ، الا ان قصدي كان بريئاً : "عفواً ، اذكر ان القاموس شرح معناها بكذا.." فقالت لي حالاً: "كلا .. ان معناها ما قلتُ كما يدل السياق ". فأعترضتُ وكنتُ مخطئة ، الا ان القاموس كان يسندني حقاً . ولم تكن ماري عجمي تعرف أي شيء عني طبعاً اذ ذاك ولذلك انهالت علي بكلام جارح معناه. "لقد غرك ان عندك قاموساً ياصغيرتي! وانا انصحك بألا تغتّري. فالمستوى في مدرستكم واطيء الى درجة لا يمكن ان تعرفيها، فلا داعي للغرور".. وقد كاد هذا الكلام يبكيني . انا مغرورة ؟ مستواي واطئ؟ آه لو عرفت! اتدري انني احفظ الجرجاوي كله؟

وجلست واجمة .. وقررت ان اتحداها ..وقد جاءت الفرصة في درس الادب وكانت المدّرسة تتحدث عن أحمد أمين وتثني عليه وكنت في تلك الايام اقرأ في الرسالة مقالات زكي مبارك المشهورة "جناية أحمد أمين على الادب العربي" ..فلاح على وجهي تحمس مكتوم ، وانفعال ورغبة في الكلام .. ولاحظتني هي وادركت انني اريد ان اتكلم فقالت بخشونتها الطبيعية التي لا تقصدها كما عرفنا فيما بعد : "انتِ .. يامن تناقشت حول كلمة جَيِد .. اتريدين ان تقولين شيئاً؟" وقد اثارتني باشارتها الى حادثة ابن هاني فنهضت وقلت لها: "انا لا اعد احمد امين عربياً ، ولا اديباً ، ولا لغوياً." وقد شدهها جوابي واتسعت عيناها وقالت: "انت جريئة جداً في احكامكِ! كيف توصلت الى هذا الحكم؟" وبعد ان سألتني بضعة اسئلة ، اخبرتها انني افضل "زكي مبارك" على "أحمد أمين" وفي هذه اللحظة رن صوت الجرس وخرجت المدرسة مغضبة مني ثانية.. والحق انني كنتُ الوح "وقحة" رغم برائة قصدي. واظن احد العوامل المساعدة ضخامة احكامي ، فانا كلما تحدثت ذكرت كتاباً او نحوياً ، او حكمت على اديب كبير لا يمكن ان اطاوله من فوق رحلتي الصغيرة ، وكان هذا يضفي على كلامي مسحة التطاول خاصة والمدرسة لا تدري ان ثقافتي حقيقية لا محض ادعائات ارتبها بعناية لاضايقها واحرجها امام التلميذات.

وانفجرت المدرسة في الصباح التالي فما كادت تدخل وتبدأ الدرس حتى نظرت الى فجأة دونما داع وقالت : "نازك!.. اليس هذا هو اسمكِ" انهضي..انهضي وقفي امام الصف كله …" ونهضت متثاقلة ، مستغربة ، فلما واجهت الصف قالت: "لقد قلت امس ان احمد امين ليس عربياً ولا اديباً ولا لغوياً ..فهل لك ان تشرحي لنا سر هذا الحكم العبقري لنحكم عليك؟" وكانت المدرسة العزيزة حانقة لانها تحسبني قصدتُ مجادلتها والتظاهر بثقافة لا أملكها .. ولذلك انفجرت تعنفني امام الصف كله ، وتتحدث عن الغرور والتظاهر ، وتطلب اليّ الا اعارضها حين تتكلم ، وهكذا. وكان الموقف مؤلماً ، وقد راحت الزميلات يتململن فهن يعرفنني منذ سنين .

ولم افه بحرف ، وانما سكت سكوتاً تاماً ، وعزمت على ان احاول تسوية الموقف مع المدرسة خارج الصف. فلابد من التفاهم ، وليس لطيفاً ان تمضي في فكرتها المغلوطة عني ، فهي بأختصار تراني تلميذة مشاغبة .

ومرت ايام هادئة لم تعد ماري عجمي خلالها توجه الي كلاماً . وسكت انا سكوتاً تاماً ، حتى حان موعد امتحان مفاجيء ذات يوم فقد دخلت المدرسة وقالت : "اوراق واقلام. اريد ان اقيس ثقافتكن الذاتية … اكتبن عن محمد عبدة .." وكان محمد عبدة مقرراً للمنهج هذا العام ، الا اننا لم نكن بعد قد استعددنا لامتحان فيه… وكنت انا اقرأ اذ ذاك مجلة "السياسة الاسبوعية" واملك اعداداً منها جمعها أبي وقد مررت فيها بعدد خاص عن محمد عبده وقرأته حديثاً ، فكتبت مقالاً مدهشاً في نصف ساعة بلغ طوله ست صفحات كان خطي فيها رديئاً لاستعجالي. فقد كانت المعلومات غزيرة في ذهني ، الى حد ضاق به الوقت . وكانت ماري عجمي تقف في اول الصف ترقب التلميذات وهن يائسات عن التذكر وقد اسلمن اوراقهن نصف فارغة بينما ابقيت انا ورقتي الى اللحظة الاخيرة .. وحملت المدرسة اوراقنا وخرجت وعندما دخلت في الصباح التالي حدث شيء مدهش.

دخلت وكانت منفعلة جداً فما كادت تحيينا حتى قالت : "نازك . اريد ان اعتذر اليك .. لقد ظلمتك حتى الان ولم اكن اعلم انني امام تلميذة موهوبة حقاً." ثم التفتت الى الصف وقالت:

" ان مستواها يدهشني. وقد ظننتها مدّعية في الاسبوع الماضي لضخامة احكامها ، وصعوبة المادة التي تستشهد بها … وهذه اول مرة آسف فيها على موقف اقفه من تلميذه متطاولة …" . وكان الصف كله مندهشاً ، صامتاً .

وقد اصيبت ماري عجمي بمرض عصبي فظيع قبيل امتحان نصف السنة ، ولزمت فراشها واصابها نوع من الهذيان المضطرب . وآلمني هذا ايلاماً شديداً فقد كنت احب هذه السيدة الكريمة النبيلة واحترمها احتراماً لا حد له ، واشعر تجاهها بالصغر والضآلة واود بأي اسلوب لو محوت ذكرى اسبوعي الاول معها يوم تحديتها وآذيتها. قررت ان ازورها في منزلنا بصحبة خمس صديقات لي ، وقد فعلنا جميعاً فاتجهنا الى مسكنها.

وما كدنا ندخل ، حتى تلقتني بحرارة وراحت تسالني عن سير قرائتي الا ان حديثها لم يخلُ من اضطراب ، فقد قالت لي انها تتنبأ لي بمستقبل ادبي رائع تثق فيه وتراني احمل بوادر عبقرية وان كنت لم اصنع بعد أي شيء. دعوت السماء ان تشفيها . وكأن دعواتي المختلفة قد استجيبت فبعد اسابيع حضرت ماري الى المدرسة لتودعنا ، والتقطت لنا صورة معها … كنا اربعاً وقد سألتها احدانا ان تتفضل بأخذ صورة تذكارية معنا فقالت : "اوافق." وما زلت احتفظ بهذه الصورة العزيزة حتى الان.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:05 PM
لمحات من سيرة حياتي وثقافتي

نازك الملائكة



ولدت في بغداد في 23 من شهر آب (أغسطس) سنة 1923 . وكنت كبرى اخوتي وهم: اربع بنات، وولدان.

وقد تدرجت في دراستي من الابتدائية الى المتوسطة فالثانوية، وتخرجت في الثانوية عام 1939 ، وكنت، منذ صغري، احب اللغة الانجليزية، والتاريخ، ودروس الموسيقى، كما كنت اجد لذة في دراسة العلوم، بخاصة علم الفلك،وقوانين الوراثة، والكيمياء، ولكني كنت امقت الرياضيات مقتاً شديداً، واعدالسنين يوماً يوماً لاصل الى انهاء المرحلة الثانوية، فاتخصص بدراسة الاداب. ثم دخلت دار المعلمين العالية، فرغ اللغة العربية، وخرجت منها بليسانس الاداب عام 1944 من مرتبة الامتياز. وهي اعلى مرتبة تمنح، وخلال سنوات دراستي فيها تعرفت الى موضوع القلسفة، واحببته حباً شديداً، فساعدني على تكوين ذهن منطقي، وكانت دراساتي الكثيرة للنحو العربي، في اصوله القديمة، قد هياتني له تهيئة واضحة. وقد بدأت نظم الشعر، وحبه منذ طفولتي الاولى، والواقع انني سمعت ابويّ وجدي يقولون عني انني "شاعرة" قبل ان افهم معنى هذه الكلمة، لانهم لاحظوا على التقفية، واذناً حساسة تميز النغم الشعري تمييزاً مبكراً. وبدأت بنظم الشعر العامي، قبل عمر سبع سنوات.

وفي سن العاشرة نظمت أول قصيدة فصيحة، وكانت في قافيتها غلطة نحوية، وعندما قرأها ابي رمى قصيدتي على الارض بقسوة، وقال لي ، في لهجة جافية مؤنبة: اذهبي اولاً، وتعلمي قواعد النحو.. ثم انظمي الشعر" كانت معلمة النحو في المدرسة لا تميز الفاعل عن المفعول، وسرعان ما اضطر ابي الى ان يتولى تعليمي قواعد النحو بنفسه حين دخلت المتوسطة، وفي ظرف شهر واحد تفوقت على الطالبات جميعاً، وصرت انال اعلى الدرجات.

ولاحظ ابواي انني موهوبة في الشعر، شديدة الولع بالمطالعة، فاعفياني من المسؤوليات المنزلية، والعائلية اعفاء تاماً، وساعدني ذلك على التفرغ، والتهيؤ لمستقبل ادبي، وفكري خالص.

وكانت والدتي، في سنوات الشعرية المبكرة، تنظم الشعر، وتنشره في المجلات والصحف العراقية، باسم السيدة " ام نزار الملائكة" وهو اسمها الادبي الذي عرفت به، اما ابي، فكان مدرس النحو في الثانويات العراقية، وكانت له دراسة واسعة في النحو، واللغة والادب، وقد ترك مؤلفات كثيرة اهمها موسوعة في عشرين مجلداً، عنوانها "دائرة معارف الناس" اشتغل فيها طيلة حياته، واعتمد في تاليفها على مئات المصادر، والمراجع، ول يكن ابي شاعراً، ولكنه كان ينظم الشعر، وله قصائد كثيرة، وارجوزة في اكثر من ثلاثة الاف بيت. وصف فيها رحلة قام بها الى ايران عام 1955 وكان ابي متواضعاً، ولم يرض يوماً ان يسمي نفسه شاعراً، مع سرعة بديهته، وقدرته على الارتجال، وظرفه.

وكان لابوي تاثير عميق في حياته الفكرية، والشعرية. اما ابي، فقد بقي استاذي في النحو حتى انهيت دراسة الليسانس، وكنت اهرع اليه، بكل مشكل نحوي يعرض لي، وانا اقرأ ابن هشام، والسيوطي، والاشموني، وسواهم، والحق أني كنت، ولم ازل، شديدة الولع بالنحو.

وقد فرش لي ابي طريقاً ممهداً رائعاً، حين وضع بين يدي مكتبته التي كانت تحتوي على متون النحو، وكتب الشواهد جميعاً، ولذلك كان من الطبيعي، تماماً، ان اكون الطالبة الوحيدة بين طلبة قسم اللغة العربية التي اختارت لمرحلة الليسانس في موضوع نحوي، هو (مدارس النحو) وكان المشرف عليها استاذي الكبير العلامة الدكتور مصطفى جواد الذي كان له في حياتي الفكرية اعمق الاثر، رحمه الله، وجزاه عنا نحن تلاميذه اجمل الجزاء، ولم تزل رسالتي هذه في مكتبة كلية التربية،وعليها تعليقات بالقلم الاحمر، كتبها الدكتور مصطفى جواد في حينه.

اما والدتي، فقد كان لها اثر واضح في حياتي واضح في حياتي الشعرية، لانني كنت اعرض عليها قصائدي الاولى، فتوجه اليها النفد، وتحاول ارشادي، ولكني كنت اناقشها مناقشة عنيدة، فقد لاح علي، منذ المرحلة الثانوية، التأثر بالشعر الحديث، شعر محمود حسن اسماعيل، وبدوي الجبل، وامجد الطرابلسي، وعمر ابو ريشة، وبشاره الخوري، وامثالهم، بينما كانت هي تعجب بشعراء اقدم مثل: الزهاوي خصوصاً. فقد كان شاعرها الاثير، وكان اهتمامها بالشعر القديم اكبر من اهتمامي، ولذلك كان تاثيره في شعرها ابرز، ولكن ذوق امي نفسها بدأ يتطور كما يلاحظ من يدرس شعرها الذي طبعت المنشور منه، بعد وفاتها، في ديوان سميته، "انشودة المجد" وقد بدأت امي تتجه نحو الشعر الحديث الى درجة ملحوظة، وكانت تعجب خصوصاً بشعر ابراهيم ناجي، وصالح جودت، ولكن اتجاهاتي الشعرية بقيت مختلفة عن اتجاهاتها، بسبب معرفتي للانجليزية والفرنسية وكثرة قراءتي لشعرائهما.

ورغم ذلك فقد بقينا، انا وهي ، صديقتان، فكانت تقرأ لي قصائدها، واقرء لها قصائدي، حتى وفاتها عام 1953 ، وهي في الثانية والاربعين من العمر. رحمها الله رحمة واسعة.

وخلال دراستي في دار المعلمين العالية، كنت اساهم في حفلات الكلية بالقاء قصائدي، وكانت الصحف العراقية تنشر تلك القصائد في حينها، غير اني اهملت ذلك الانتاج المبكر، ولم ادرج منه شيئاً في مجموعاتي الشعرية المطبوعة، لاني بقيت انظر اليه على انه شعر الصبا قبل مرحلة النضج، والواقع انني اقبلت على نظم الشعر اقبالاً شديداً منذ عام 1941 يوم كنت طالبة في الكلية. فقد دخلت في ذلك العام بداية نضجي الروحي والعاطفي والاجتماعي فضلاً عن انه العام الذي شهد ثورتنا القومية العظيمة التي هزت كياني هزاً عنيفاً وهي ثورة رشيد عالي الكيلاني، وكنت اتفجر حماسة لتلك الثورة ونظمت حولها القصائد المتحمسة التي لم انشر منها أي شيء: فسرعان ما انتصر الحكم البوليسي في العراق، ونصبت المشانق للاحرار، ولم يعد في العراق من يستطيع التنفس. ولكننا ، انا وامي، استمررنا ننظم القصائد الثائرة سراً، ونطويها في دفاترنا الحزينة.

وفي عام 1947 صدرت لي اول مجموعة شعرية ، وقد سميتها "عاشفة الليل" لان الليل كان يرمز عندي الى الشعر، والخيال، والاحلام المبهمة، وجمال النجوم، وروعة القمر، والتماع دجلة تحت الاضواء، وكنت في الليل اعزف على عودي في الحديقة الخلفية للبيت بين الشجر الكثيف، حيث كنت اغني ساعات كل مساء، وقد كان الغناء سعادتي الكبرى منذ طفولتي، وكنت احبس انفاسي ادا ما سمعت صوت عبد الوهاب، او ام كلثوم يحمله الي جهاز حاك (غرامفون) يدور في بيت الجيران. وكنت سريعة الحفظ لاي اغنية اسمعها، وكانت امي لا تفتأ تندهش دهشة كبيرة عندما تسمعني اغني، وما زلت اذكر صونها في صغري وهي تتلفت، وتقول: يا الهي! من اين حفظت ابنتي كل هذا الاغاني؟ ومتى سمعتها؟ وكيف؟ ولم تدرانني كنت حين اسمع حاكياً يدور باغنية اقف مسمرة في مكاني حتى لو كنت في الشارع. وفي تلك الايام البعيدة لم يكن المذياع فد دخل الحياة في العراق طبعاً، فكان الاستماع الى الاغاني لا يتم الا عن طريق الاسطوانات، ولم تبدأ اذاعة بغداد بالبث الا في سنة 1953، كما اتذكر ، يوم ان بلغت الثانية عشرة من العمر.

وبعد صدور (عاشفة الليل) باشهر قليلة عام 947 م انتشر وباء الكوليرا في مصر الشقيقة، وبدأنا نسمع الاذاعة تذكر اعداد الموتى يومياً، وخين بلغ العدد ثلاثمائة في اليوم انفعلت انفعالاً شعرياً، وجلست انظم قصيدة استعلمت لها شكل الشطرين المعتاد، مغيرة القافية بعد كل اربعة ابيات او نحو ذلك، وبعد ان انتهيت من القصيدة، قرأتها فأحسست انها لم تعبر عما في نفسي، وان عواطفي ما زالت متاججة. واهملت القصيدة وقررت ان اعتبرها من شعري الخائب (الفاشل) وبعد ايام قليلة ارتفع عدد الموتى بالكوليرا الى ستمائة في اليوم، فجلست ، ونظمت قصيدة شطرين ثانية اعبر فيها عن احساسي، واخترت لها وزناً غير القصيدة الاولى، وغبرت اسلوب تقفيتها ظانة انها ستروي ظمأ التعبير عن حزني، ولكني حين انتهيت منها شعرت انها لم ترسم صورة احساسي المتأجج، وقررت ان القصيدة قد خابت كالاولى، واحسست انني احتاج الى اسلوب آخر اعبر به عن احساسي، وجلست حزينة حائرة لا ادري كيف استطيع التعبير عن مأساة الكوليرا التي تلتهم المثات من الناس كل يوم.

وفي يوم الجمعة 27 – 10 – 1947 افقت من النوم، وتكاسلت في الفراش استمع الى المذيع وهو يذكر ان عدد الموتى بلغ الفاً، فاستولى علي حزن بالغ، وانفعال شديد، فقفزت من الفراش، وحملت دفتراً، وغادرت منزلنا الذي يموج بالحركة، والضجيج يوم الجمعة، وكان الى جوارنا بيت شاهق يبنى، وقد وصل البناؤون الى سطح طابقه الثانية، وكان خالياً لانه يوم عطلة العمل، فجلست على سياج واطيء ، وبدأت انظم قصيدتي المعروفة الآن " الكوليرا" وكنت قد سمعت في الاذاعة ان جثث الموتى كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات تجرها الخيل، فرحت اكتب وانا اتحسس صوت اقدام الخيل:

سكن الليل
اصغ، الى وقع صدى الانات
في عمق الظلمة،تحت الصمت ، على الاموات

ولاحظت في سعادة بالغة انني اعبر عن احساسي اروع تعبير بهذه الاشطر غير المتساوية الطول، بعد ان ثبت لي عجز الشطرين عن التعبير عن مأساة الكوليرا، ووجدتني اروي ظمأ النطق في كياني، وانا اهتف:

الموت ، الموت ، الموت
تشكوا البشرية تشكو ما يرتكب الموت

وفي نحو ساعة واحدة انتهيت من القصيدة بشكلها الاخير، ونزلت ركضاً الى البيت، وصحت باختي "احسان" "انظري لقد نظمت قصيدة عجيبة الشكل اظنها ستثير ضجة فظيعة، وما كادت احسان تقرأ القصيدة – وهي اول من قرأها – حتى تحمست لها تحمساً فظيعاً، وركضت بها الى امي فتلقتها ببرودة، وقالت لي: ما هذا الوزن الغريب؟ ان الاشطر غير متساوية، وموسيقاها ضعيفة يا بنتي، ثم قرأها ابي، وقامت الثورة الجامحة في البيت فقد استنكر ابي القصيدة، وسخر منها واستهزأ بها على مختلف الاشكال، وتنبأ لها بالفشل الكامل، ثم صاح بي ساخراً، "وما هذا الموت الموت الموت؟"

لكل جديد لذة غيرانني
وجدت جديد الموت غير لذيذِ

وراح اخوتي يضحكون وصحت انا بابي: قل ما تشاء، اني واثقة ان قصيدتي هذه ستغير خريطة الشعر العربي" وكنت مندفعة اشد الاندفاع في عبارتي هذه، وفي امثال لها كثيرة قلتها رداً على التحدي بالتحدي، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يسبغ على رحمته في تلك اللحظات الحرجة من حياتي الشعرية، فكتب لقصيدتي ان يكون لها شأن كما تمنيت وحلمت، في ذلك الصباح العجيب في بيتنا.

ومنذ ذلك التاريخ انطلقت في نظم الشعر الحر، وان كنت لم اتطرف الى درجة نبذ شعر الشطرين نبذاً تاماً، كما فعل كثير من الزملاء المندفعين الذين احبوا الشعر الحر،واستعملوه بعد جيلنا.

وفي عام1949، صدرت ببغذاد مجموعتي الشعرية الثانية (شظايا ورماد وقد صدرتها بمقدمة ادبية ضافية عرضت فيها عرضاً موجزاً لنظرية عروضية لشعري الجديد الذي نشرت منه في المجموعة عشر قصائد، وما كاد الكتاب يظهر حتى اشعل ناراً في الصحف، والاندية الادبية، وقامت حوله ضجة عنيفة، وكتبت حوله مقالات كثيرة متلاحقة، كان غير قليل منها يرفض الشكل الجديد الذي دعوت اليه، ويأباه للشعر، عير ان الدعوة لقيت اروع القبول في الاوساط الشعرية الشابة، فما كاد يمضي عام حتى كان صدى الدعوة قد تخطى العراق الى خارجه، وبدأت أقرأ في المجلات الادبية في مصر، ولبنان ، وسوريا، وسواها قصائد من الشعر الحر، كان غير قليل منها يحمل لافتات اهداء نثري: "الى الشاعرة نازك الملائكة. "

في عام 1942 بلغ نشاطي الشعري واللغوي، والفني، والادبي اوجه، فاندفعت اطلب الثقافة، والعلم في نهم لا يرتوي، وحرارة لا نتظفئ ، ففي السنة نفسها سجلت نفسي طالبة في فرع العود بمعهد الفنون الجميلة، ودخلت طالبة في فرع التمثيل، وانتميت الى صف لدراسة اللغة اللاتينية، وكنت اذ ذاك – فوق هذا كله – طالبة في السنة الثانية من دار المعلمين العالية، وقد وهبت نفسي، في حرارة لا مثيل لها، الى هذه الدراسات كلها، وكنت احبها اشد الحب.

اما العزف على العود فقد كان امنيتي منذ صغري، وحين راى أبي حرقة تشوقي الى هذه الدراسة، وافق بعد تردد طويل على ان ادخل معهد الفنون الجميلة لادرس على الفنان الكبير الموسيقار الاستاذ محيي الدين حيدر الذي كان اسمه الفني في المعهد : "الشريف". ولهذا الفنان طريقة فريدة في العزف، وله في العراق اليوم تلاميذ معروفون من الموسيقيين، من مثل الاستاذ سلمان شكر، والاستاذ جميل بشير، وسواهما. وكانت مدة الدراسة ست سنوات، والمنهج يقوم على تدريسنا المقامات الشرقية على بشارف وسماعيات، وسواها، وكان الطالب يتدرج حتى يصل الى قمة المهارة الفنية في عزف مقطوعات الشريف محيي الدين التصويرية الرائعة مثل "تأمل" و "ليت لي جناحاً" و "كابريس" وكان للشريف، يرحمه الله، فكان يغير، ويعدل في البشارف، والسماعيات التي الفها كبار الموسيقيين، من مثل: طانيوس افندي، وجميل بك، وعزيز دده، ويوسف باشا، وكانت هذه التعديلات تجمل الاصل اروع تجميل، وتخرجه اخراجاً حياً وكنت انا اجلس في صف العود مسحورة، وكأني استمع الى صلاة، وكان الشريف يكرر على ان لي سمعاً موسيقياً حساساً، وموهبة ظاهرة، ولكنه كان خائفاً ان يجرفني حبي للشعر وبيعدني عن الموسيقى على أي شكل من الاشكال، ورغم انني ما زلت حتى اليوم اعزف لنفسي لكي يصحبني العود، ونا اغني الحان عبد الوهاب، وام كلثوم، وفيروز، وعبد الحليم حافظ، ونجاة. وهو انصراف محدود، غير ما كان استاذي يتوقع مني، ولعله كان ينتظر ان اكون عازفة مشهورة في الاذاعات ومؤلفة الحان.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:06 PM
واما دراستي للتمثيل، فالحق انه كان لي فيها دافعان اثنان:

اولهما ان اتعلم فن الالقاء.. فقد كنت ارتقي المسرح لالقي قصائدي فاقرأها قراءة رتيبة دون ان اعرف كيف الون صوتي بالانفعال وارفعه وانغمه مع معاني قصيدتي وقد خطر لي ان دراسة التمثيل ستساعدني في هذا المجال. والدافع الثاني انني اطلعت على منهج الدراسة في هذا الفرع فبهرني. كان منه دراسة مفصلة مسهبة للميثولوجيا الاغريقية، بكل تفاصيلها الدقيقة، ومداخلها، ومخارجها. وكان موضوع "تاريخ المسرح والأدب المسرحي" للسنة الثانية يشكل دراسة اسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيديس، واريستوفان، وكنت اعلم مدى غنى الأدب اليوناني، ومدى ضرورته للممثل، والدارس، فاندفعت في حرارة أسأل ابي ان يأذن لي بدخول فرع التمثيل، وقد رفض ابي اولاً، ولكن الله سبحانه شاءان يشملني برعايته، فاذا ابي يكلف بتدريس اللغة العربية في فرع التمثيل، وعندما وجد انني سأكون تلميذة له اخذني معه الى الاستاذ حقي الشبلي المسؤول عن الفرع، وسجلني طالبة، واكتملت سعادتي.

واما اللغة اللاتينية، فان قصة دراستي لها كانت أغرب، فقد كنت طالبة في قسم اللغة العربية، وكنا ندرس اللغة الانجليزية، وصادف ان استاذنا اشار في الصف، مراراً، الى ضرورة معرفة اللغة اللاتينية لمن يريد التخصص في الادب الانجليزي، فشوقني ذلك الى دراستها، وبقيت هذه الرغبة عابرة في نفسي حتى سمعت في آخر العام الدراسي 1941 – 1942 ان ادارة الكلية قررت اضافة مادة اللغة اللاتينية الى منهج طلبة السنة الاولى، فرع اللغة الانجليزية، وهنا بدات لهفتي، اردت ان انتمي الى هذا الصف لاتعلم اللغة اللاتينية، وراجعت استاذ المادة فاعتذر عن قبولي في الصف، وسألني مندهشاً: " ولكنك طالبة في فسم اللغة العربية، فماذا تنفعك اللاتينية؟" ولم يوهن هذا عزيمتي، وراجعت عميد الكلية،ورجوته ان يأذن لي بالدراسة مع طلبة الانجليزية، عندما رأى العميد لهفتي سمع لي، وانتميت الى صف اللغة اللاتينية، وبدأت احفظ ، بحماسة، تلك القوائم التي لا تنتهي من حالات الاسماء وفصائلها، وتصريفات الافعال، وسواها مما يعتبر من اصعب ما يعرفه طالب اللغات.

وقد بقي حب اللغة اللاتينية في دمي حتى اليوم. وما زلت اقتني كتب الشعر اللاتيني، واحاول ان اقرأها كلما وجدت فراغاً. واتذكر انني، بعد شهرين من بدئي لدراسة هذه اللغة، أصبحت اكتب مذكراتي بها، كما نظمت نشيداً لاتينياً على نغمة الاغنية المشهورة (At the Ballalika) وكان من الطبيعي ان يكون النشيد بدائياً ساذج الصياغة، فقد كنت لم أزل طالبة مبتدئة، ولقد واصلت دراسة اللغة اللاتينية سنوات كثيرة وحدي من دون أستاذ بمساعدة القواميس، ثم دخلت صفاً فيها في جامعة برنستون بالولايات المتحدة درسنا فيه نصوصاً للخطيب الروماني شيشرون. وقد اعجبت اشد الاعجاب بشعر الشاعر اللاتيني "كوتولوس" وحفظت مجموعة من القصائد له، وما زلت اترنم بها أحياناً في وحدتي، فاجد سعادة بالغة في ترديدها. والواقع اني اجد في اللغة اللاتينية نفسها سحراً يجتذب كياني كله، ولست اعرف سر هذا الافتتان بلغة يكرهها الطلبة عادة وينفرون منها اشد النفور.

وفي عام 1949 بدأت بدراسة اللغة الفرنسية، في البيت، مع أخي الذي يصغرني، نزار. وكان اذ ذاك طالباً في قسم اللغة الانجليزية بدار المعلمين العالية، وكان له ولع شديد بالأدب، واللغات، وهو شاعر ايضأ، وان كان مقلاً. وكانت تربطني بع صداقة عميقة، وكنا نشترك انا هو في غرفة واحدة تنتشر فيها الكتب على سريرينا، وطالما قام الجدل بيننا في موضوعات الادب والحياة.

بدأنا اذن، انا، ونزار، ندرس الفرنسية من دون مدرس، وذلك اعتماداً على كتاب انجليزي يعلم هذه اللغة، اهدانا اياه عمي، وقد سعدنا سعادة بالغة بتعلم هذه اللغة الجميلة، وواصلنا تعلمها حتى اصبحنا نقرأ فيها كتب الشعر، والنقد ، والفلسفة. وفي عام 1953، دخلت دورة في المعهد العراقي، قرأنا فيها نصوصاً من الادب الفرنسي، من مثل قصص: الفونس دوديه، وموباسان، ومسرحيات موليير، ولكن نطقي بهذه اللغة بقي رديئاً حتى اليوم، لانني تعلمتها من دون استاذ يلفظ امامي الكلمات، ولم تتح لي فرصة للسفر الى فرنسا، والحياة فيها فترة، وهذا ما يحزنني دائماً حين اجدني اقرأ ، وافهم، ومع ذلك لا احسن الكلام، ولا النطق الصحيح.

اما الادب الانجليزي فقد بدأت عنايتي به وانا طالبة في معهد الفنون العالية يوم كنا نقرأ شعر شكسبير ومسرحية "حلم منتصف ليلة صيف." وقد ترجمت الى الشعر العربي احدى سونيتات شكسبير، اذ ذاك. واقبلت بعد ذلك على قراءة شعر بايرون، وشيللي. وفي عام 1950 ، دخلت دورة في المعهد الثقافي البريطاني لدراسة الشعر الانجليزي، والدراما الحديثة، استعداداً لاداء امتحان تقيمه جامعة كامبردج وتمنح بعده شهادة ال (proficiency) وكان مستوى هذه الدراسة اعلى من ليسانس اللغة الانجليزية، لان طالبة متقوقة في السنة الرابعة من فرع اللغة الانجليزية دخلت معي هذه الدورة، فكانت النتيجة انها رسبت، ونجحت. وكان سر نجاحي انني انهمكت طيلة العام في قراءة عشرات من كتب الشعر، والدراما ، في حماسة ، ونهم. والواقع ان اغلب الذين اشتركوا في الامتحان معنا قد رسبوا، ولم ينجح سواي وسوى طالب واحد خارجي لم يشترك معنا في الدراسة بالمعهد البريطاني. وكان لهذا الامتحان امتحان ثاني اعلى منه تقيمه جامعة كمبرج نفسها، ولكني لم اقدمه، وانما سافرت الى الولايات المتحدة لدراسة النقد الادبي.

وكانت هذه المرحلة تمتد عاماً، وقد اوفدتني اليها مؤسسة روكفلر الامريكية، واختارت لي ان ادرس النقد الادبي في جامعة برنستن في نبو جيرسي بالولايات المتحدة، وهي جامعة رجالية ليس في تقاليدها دخول الطالبات فيها، ولذلك كنت الطالبة الوحيدة، وكان ذلك يثير دهشة المسؤولين في الجامعة كلما التقى بي احدهم في اروقة المكتبة، او الكليات، وقد اتيحت لي في هذه الفترة الدراسة على اساطين النقد الادبي في الولايات المتحدة مثل ديتشر بالكمور، وآلن دوانر، وآلن تيت، ودونالد ستاوفر، وديلمور شوارتز، وكلهم اساتذة لهم مؤلفات معروفة في النقد الادبي، كما عرفوا بابحاثهم في مجلات الجامعات الامريكية، وسائر الصحف الادبية.

بعد عودتي الى العراق عام 1951 بدأت اتجه الى كتابة النثر بخاصة ي النقد الادبي وفي عام 1953 القيت محاضرة في نادي الاتحاد النسائي ببغذاد كان عنوانها (المرأة بين طرفين: السلبية والاخلاق) انتقدت فيها اوضاع المرأة الحاضرة. وعقم المجتمع العربي ، ودعوت الى تحرير المرأة من الجمود والسلبية وقد اثارت هذه المحاضرة ضجة في بغداد، وتحدثت عنها الصحافة طويلاً بخاصة وان اذاعة بغذاد نقلتها كاملة، واذاعتها على الجمهور. وسرعان ما نشرتها مجلة (الآداب ) البيروتية التي كانت تصدرها اذ ذاك دار العلم للملايين.

وواصلت خلال ذلك نظم الشعر ونشره، ونشر مقالات النقد الادبي في مجلتي (الاديب) و(الاداب) ببيروت.

وفي عام 1953 حدث لي حادث هز حياتي الى اعماقها، فقد مرضت والدي مرضاً مفاجئاً شديداً، وقرر الاطباء ضرورة اجراء عملية جراحية لها في لندن فوراً، ولم يكن في بيتنا من يستطيع السفر معها الى انجلترا سواي ، بسبب معرفتي للندن، وحياتي فيها فترة، وبسبب اتقاني للغة الانجليزية – وكان نزار قد سافر الى الولايات المتحدة للدراسة. كل هذا اضطرني الى ان اصطحب امي المريضة اشد المرض الى لندن على عجل، والرعب مستول علي، فقد كنت خائفة في اعماقي من شيء رهيب سيقع لي لم اشخصه، وقبل سفري باسبوع حلمت اني اسير في شوارع لندن واحاول شراء تابوت ملون، وابحث، وابحث، وابحث في لهفة، ورعب، فلا اجد من يبيعني تابوتاً، ولم اقص حلمي هذا على احد في البيت، وسافرت بها، وتم ادخالها الى غرفة العمليات، وخرجب منها محمولة على نقالة حيث اودعوها في عنبر الموتى بالمستشفى ريثما تتم اجراءات الدفن المعقدة، وقد رايتها، وهي تحتضر، في مشهد رهيب هز حياتي الى اعماقها، وكان علي ان احضر مشاهد الجنازة والدفن وانهض باعبائها، وهي اعمال لم اعتد القيام بمثلها، وعدت الى العراق بعد اسبوعين ذابلة حزينة مهزوزة النفس. فقد كنت احب امي حباً شديداً لا مثيل له. وما كدت ارى اخوتي، واقاربي يلبسون السواد وهم يستقبلوني في مطار بغداد حتى بدأت أبكي، وأبكي بكاء لا ينقطع ليلاً، ولا نهاراً، وسرعان ما لاح لي بوضوح انني مريضة، فبادرت الى مراجعة طبيب عالجني بالحبوب المهدئة، فتوقفت دموعي، وان بقي الحزن يحفر في حياتي حتى اليوم بعد خمسة واربعين سنة من وفاة والدتي يرحمها الله، وكانت حصيلتي الشعرية المباشرة، بعد وفاة امي، قصيدة سميتها "ثلاث مراث لامي" استعملت فيها اسلوباً جديداً في الرثاء لم يسبقني اليه احد، وسرعان ما ذاعت قصيدتي هذه، واستقبلها الشعراء بحرارة واعجاب بالغين.

وقد كان من حسن حظي – وانا في احزاني التي هدمتني بعد وفاة امي – ان انتخبتني مديرية البعثات العراقية لدراسة الادب المقارن في الولايات المتحدة، وقد قبلت في جامعة وسكنسن، احدى اول عشر جامعات في الولايات المتحدة، فسافرت متحمسة للدراسة اشد الحماسة، واتاح لي موضوع الادب المقارن ان استفيد من اللغات الاجنبية التي اعرفها، بخاصة الانجليزية، والفرنسية. وخلال هذه الدراسة اكتسبت ثقافة غنية رائعة اخصبت ذهني وملاتني سعادة. وقد كنت اقضي اغلب الوقت في مكتبة الجامعة الغربية التي كان لها اعمق الاثر في حياتي في تلك الفترة كما اغتنت حياتي بافكار عذبة كثيرة منوعة، واكتسبت من التجارب اضعاف ما كسبته في حياتي السابقة كلها. وتغيرت مفاهيمي، ومثلي، ومقاييسي، وتبدلت شخصيتي كلها.

وقد كان النظام في هذه الجامعة رائعاً، لانه لا يتطلب كتابة اطروحة كبيرة، بل يكلف الطالب باعداد مجموعة كبيرة من الابحاث في موضوعات ادبية منوعة. فكنت اجد متعة عظيمة في كتابة هذه المقالات التي مرنت قابليتي في النقد الادبي، وما زالت الابحاث المكتوبة بالانجليزية تنتظر ان اترجمها الى العربية وانشرها. وسبب اعراضي عنها حتى الان يرجع الى انها كلها تتناول الآداب الاوربية، فلا يتخللها اسم عربي، وقد الفت ان اشعر ان كتابة الادبي العربي مقالات تغص بالاعلام الاجنبية نوع من التكلف، واقحام لثقافة اجنبية على القاريء العربي البسيط. ولذلك انوي ان اوسع الجانب المقارن في ابحاثي هذه بحيث يشمل اعلاماً عربية الى جانب الاوربية، واذا ذاك ساستريح الى نشرها، وارجو ان يتاح لي يوماً ان افعل هذا.

وكان سفري الى وسكنسن عام 1954، واستغراق اعداد الماجستير في الادب المقارن سنتين كتبت خلالهما مذكرات ادبية كثيرة سجلت فيها ملاحظاتي على الكتب التي قراتها، والاشخاص الذين تعرفت اليهم، وعشت بينهم في تلك الفترة، كما احتوت على آرائي المفصلة المركزة في المرأة الامريكية، ومع هذا كله، كنت في مذكراتي اغوص غوصاً نفسياً عميقاً في تحليل نفسي، وقد اكتشفت اني كنت لا اعبر عن ذهني، وعواطفي كما يفعل كل انسان حولي، وانما الوذ بالانطواء والخجل، واتخذت قراراً حاسماً ان اخرج على هذا الطبع السلبي، وشهدت مذكراتي صراعاً عظيماً مع نفسي من اجل تحقيق هذا الهدف، فكنت اذا تقدمت خطوة تراجعت عشر خطوات بحيث اقتضاني التغير الكامل سنوات كثيرة طويلة.

وانا اليوم ادرك ان تغيير العادات النفسية من اصعب الامور، ولذلك اعتبر كفاحي المتواصل لتعديل اعماقي النفسية، ومسلكي الاجتماعي كفاحاً بطولياً لم يساعدني عليه الا الله تعالى برحمته السابغة، ورعايته الدائمة، مهما يكن فان في نيتي ان افرغ يوماً لانتخاب مختارات من مذكراتي في مادسن – وسكنسن للنشر وقد اعطيت حلقة منها الى جريدة الاهرام صيف سنة 1966، فنشرتها في عددها الصادر يوم 5 – 8 – 1966.

وعندما رجعت من الولايات المتحدة مررت في طريق العودة بايطاليا، وجنوب فرنسا، ثم عرجت على دمشق حيث مؤتمر الادباء العربي الثاني في بلودان، وكانوا قد وجهوا الي دعوة وانا في الولايات المتحدة. وكنت يومها احس بنوع من الازمة اعانية، فقد كان التعبير بالعربية لا يطاوعني تماماً بعد سنتين لم اتكلم خلالهما الا بالانجليزية، وكنت احس بذلك احساساً قاسياً بخاصة خلال وجودي في مؤتمر الادباء الذي افتتحت به عودتي الى الوطن العربي الحبيب، ولم يزايلني هذا الاحساس الا بعد مرور اشهر في العراق استعدت خلالها طلاقة التعبير بالعربية.

وفي عام 1957 صدرت في بيروت مجموعتي الشعرية الثالثة (قرارة الموجة) وقد احتوت على منتخبات من شعري بعد (شظايا ورماد) ونشرتها دار الآداب ببيروت.

وفي عام 1958 قامت في العراق ثورة 14 تموز، واثرت في حياتي اعنف تاثير حتى استغرقت كل لحظة من عمري ذلك العام. وقد استقبلتها بقصيدة ساخنة بدأتها:

فرح الايتام بضمة حب ابوية
فرحة عطشان ذاق الماء
فرحة تموز بلمس نسائم ثلجية
فرح الظلمات بنبع ضياء
فرحتنا بالجمهورية.

وكانت القصيدة تعبيراً بسيطاً عن الفرح العميق الغامر، وتحذيراً من مؤمرآت امريكا، والصهيونية العالمية:

السوق صحا يا ورد حذار
من نقمته الصهيونية
ومخالبه الامريكية

ولكن عند الكريم قاسم سرعان ما انحرف، واستهوته شهوة الحكم، وسمح للشعوبية ان تمس جمال الثورة، وتقضي على مبادئها القومية التي احبها أشد الحب، وقد اضطرني عسف الحكم، وتهديده المستمر الى ترك العراق، والسكن ببيروت عاماً كاملاً (1959 – 1960) وخلال ذلك ، واصلت نشر انتاجي القومي في مجلة الآداب.

في عام 1957 عينت مدرسة معيدة في كلية التربية ببغداد ادرس النقد الادبي، العروض، وبعد عودتي من بيروت عام 1960 تعرفت الى زميل جديد في قسم اللغة العربية هو الدكتور عبد الهادي محبوبة، خريج جامعة القاهرة ، وفي متنصف عام 1961 تزوجنا، فكان لي نعم الصديق والرفيق والزميل.

وفي عام 1962 صدر لي اول كتاب في النقد الادبي هو (قضايا الشعر المعاصر) . وقد درست فيه الشعر الحر دراسة خاصة مفصلة، ووضعت له عروضاً كاملاً اعتماداً على معرفتي للعروض، وعلى قوة سمعي الشعري، وعلى كثرة قراءتي لشعر الزملاء من الشعراء، وقد اهديت الكتاب الى الرئيس العربي جمال عبد الناصر، متحدية عبد الكريم قاسم الذي كان تمقته اشد المقت.

وفي عام 1964 سافرنا، انا وزوجي، للعمل في تاسيس جامعة في البصرة حيث كان الدكتور عبد الهادي رئيساً للجامعة، وكنت اعمل في التدريس بقسم اللغة العربية. ثم انتخبت رئيساً للقسم واستمر عملنا هناك اربع سنوات. وغادرنا البصرة الى بغداد اواخر عام 1968 حيث عدنا الى التدريس في كلية التربية سنة واحدة، غادرنا بعدها الى الكويت للتدريس في جامعتها.

وفي عام 1964 دعاني معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة الى القاء محاضرات حول الشعر في موضوع اختاره، فعكفت على كتابة كتاب عن الشاعر المبدع علي محمود طه الذي كنت تاثرت بشعره خلال فترة الصبا، يوم كنت طالبة في فرع التمثيل بمعهد الفنون الجميلة، وقد طبع هذا الكتاب (شعر علي محمود طه) في القاهرة عام 1965. وكان عنوان طبعته الثانية ( الصومعة والشرفة الحمراء) وقد طبعته دار العلم للملايين.

وفي اول سنة 1978 صدرت لي مجموعة شعرية رابعة عنوانها (شجرة القمر) تطور فيها شعري تطوراً واضحاً عما كان عليه في المرحلة السابقة، مرحلة (قرارة الموجة) التي كنت خلالها اميل الى الفلسفة، والفكر في شعري، ونثري جميعاً.

وفي عام 1970 صدرت مطولتي الشعرية (مأساة الحياة وأغنية للانسان) عن دار العودة ببيروت.

وبعد ، فهذه خطوات مركزة مختصرة من سيرة حياتي كتبتها تلبية لطلبات كثيرة ترد علي من الباحثين، وطلبة الجامعات الذين يكتبون رسائل ماجستير ودكتوراه. اما سيرة حياتي المفصلة، ففيها كثير من الغرائب الممتعة، وارجوا ان يتاح لي ان افرغ لكتابتها يوماً قبل الموت.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:07 PM
دراسات عن الشاعرة..

معارك ثياب النساء في القرن العشرين

من النقاب الى الكعب العالي

كيف ادى سفور سارة الى قتل الوالي..

من أطرف قصص الحب المأساوية في اوائل القرن العشرين قصة سارة، وحاكم بغداد العثماني، ناظم باشا، المعروف بانجازاته: اذ اعاد الامن للمدينة، وانشأ السد المعروف باسمه لحماية بغداد من الفيضان، وبنى مستشفى وحديقة عامة ورص بعض الشوارع، بل وعنى باصلاح السجون، وغيرها مما يحسب له خلال بضعة اعوام. ثم حدث ان السيد ناظم شاهد فتاة جميلة في ميعة الصبا في حفلة خيرية – كانت اول الحفلات المختلطة في بغداد ذلك الزمان – عام 1910. وقد حاول تزويج الفتاة لاحد معاونيه، فرفضت. وانتهى الامر بان يطلب يدها، فرفضت ثانية. حاول الضغط عليها فارسل الحراس لمراقبتها. وسرعان ما استغلت بريطانيا حادثة تعلق الحاكم المصلح بالفتاة، وشنعت به. وانتشرت الاقاويل في بغداد وشاعت حتى وصلت الى الباب العالي، ففصل الرجل من وظيفته. ورحل الى بومبي، حيث هربت بريطانيا سارة. ذهب لزيارتها في النزل الذي تسكن فيه. ولكنها تجنبته. فترك لها رسالة حب. ورحل الى تركيا، وقُتل هناك. وقد شيعه الشاعر العراقي – جميل الزهاوي – بقصيدة ساخرة قاسية قال فيها:

رام هتكاً لما تصون فتاة كسبت في امر العفاف اشتهارا
ايها المصلح الكبير هذا ما يسميه بعضهم اعمارا
سر بعيداً الى سلافيك عنا ان فيها كواعباً وابكارا


قسوة الابيات تعكس شدة محافظة البيئة البغدادية في ذلك العصر. فالوالي العثماني كان اصلاحياً، فعل لبغداد الكثير. ومع ذلك، فتعلقه بفتاة هو كل ما يبقى في ذاكرة الشاعر عنه.

يبدو لي ان هذه القصة المأساوية تشير الى عدم تعود الرجل الشرقي حينذاك على الاختلاط بالسافرات في الحفلات العامة. فها هو حاكم بغداد يتعلق بفتاة لا يعرفها حين شاهدها سافرة. واشتدت العاطفة حتى صارت حديثاً للعامة، فاستغلتها القوى المعادية، وخسر الرجل المنصب والحياة.

توضح هذه القصة ان النقاب صُنع اساساً لحماية الرجل الشرقي من فتنة النساء. بل ان الحفلة الخيرية التي التقى فيها – ناظم باشا – بسارة كانت الاولى من نوعها. فالفتيات لم يظهرن سافرات في الحفلات العامة. وسفورهن في هذه الحفلة ادى لان تنشر جريدة الرقيب اكثر من مقالة ناقدة – عنوان احدها: "اجعل للسفاهة حداً."

وقد دارت على صفحات الجرائد العربية الكثير من الحوارات الممتعة بشأن النقاب خلال النصف الاول من القرن العشرين. وقد يتوهم قاريء هذه الحوارات في عصرنا ان سيدات ذلك العصر كن جميعاً محجبات، مبرقعات. الا ان الواقع كان مخالفاً لهذه الصورة. فغالبية الفتيات عملن حينذاك مع اقاربهن في الحقول، او التجارة في المدن. ولم ترتدي أي فتاة عاملة البرقع. كما يلاحظ د. محمد حسين هيكل في روايته المعروفة، زينب، مناظر واخلاق ريفية، التي ظهرت طبعتها الاولى في عام 1914، الواقع هو ان فتيات الطبقة الارستقراطية والوسيطة فحسب غطين وجوههن:

لنا في العاملات السافرات لنعم العوض عن القصيات المتحجبات.. اليس في بنت الطبيعة العذبة المفتولة الجسم القوية ما يغنينا عن هاتيك المصونات في خدورهن.

من الواضح ان د. هيكل هنا يقارن بين الفتاة السافرة العاملة والمبرقعة، ويسخر من بطالة الاخيرة اذ يصفها ب"المصونة في خدرها" – وهو وصف ينطبق على اميرات عصور مضت.

وقد كان اول من طالب بالتخلص من النقاب في الشرق السيد قاسم امين. وهو يتحدث عنه في سياق النهضة بشئون المرأة عن طريق التعليم والعمل. ومن الممكن - ومما اشيع في ذلك الحين – ان الشيخ محمد عبده – مفتى الديار المصرية – كان مصدر مقولة قاسم امين المعروفة ان الاسلام لا يوجب النقاب. في كتاب "تحرير المرأة" يطالب امين "بالامر الوسط والحجاب الشرعي .. كشف المرأة وجهها وكفيها لا اكثر." ولكن نشر الكتاب خلق الكثير من المتاعب لمؤلفه، مما ادى لوفاته الباكرة غماً وقهراً.

وهكذا كان قاسم امين ضحية اخرى لقضية السفور، مثل السيد ناظم، حاكم بغداد.

واذاً، فمن الواضح ان غالبية النسوة العربيات لم يرتدن النقاب، بل وانه ليس من المتطلبات الشرعية. مما يطرح التساؤل بشأن الاسباب الحقيقية لهذا الحوار الذي سنتابعه في الصفحات القادمة.. بدءاً من معارك النقاب بين ملك حفني ناصف ومخالفيها في العشرينات، حتى مرحلة انتقاد د. نازك الملائكة ود. نوال السعداوي لظاهرة التبرج في الستينات والسبعينات.

ومن الواضح ان لقضية ثياب المرأة رمزية خاصة. فالرجال انتقلوا بسهولة ويسر من الطربوش التركي الى القبعة الافرنجية ، ومن الثياب الشرقية الى البنطال الغربي، بدون ان يثير الموضوع أي نقاش على صفحات الجرائد. اقترح ان الحوار بشأن الحجاب يجحب حقيقته لانه يتعلق بشؤون اخرى، مثل البحث عن الهوية، والحفاظ على الشرقية في عالم يتحكم به، بل ويستعمره، الغرب. النقاب كذلك يشير الى الصراعات الطبقية التي قامت بين الثري والفقير، في منطقة كان اغلبية اهلها منم الفقراء.

حوار رجالي بشأن نقاب النساء..

في الفترة ما بين 24 فبراير حتى 27 مايو، اكتظت صفحات الاهرام برسائل قراء يدلون بآرائهم بشأن قضايا الحجاب.. واستمرت الرسائل حتى اضطرت الاهرام لاقفال "باب المباحثة بين السفوريين والحجابيين في المرأة المصرية بعدما سرد كل فريق ما عنده من الحجج والبراهين." وقد نشرت الجريدة ما لا يقل عن 30 مقالاً لهؤلاء واولئك، وبقي لديها حوالي 100 رسالة اخرى لم تنشر. اما ميزة هذا الحوار الاساسية، فقد وصفتها السيدة ملك حفني ناصف – باحثة البادية – حين قالت:

يعجبني اهتمام الرجال بامرنا وامر امتهم، ولكني اعلم اننا لا نكاد نشعر بحاجاتهم ولا نتنبأ بما بين اضلعهم، فكيف بهم يبتون في مسائلنا الخاصة بت من شعر بالداء وعرف الدواء؟

وهذه ملاحظة مهمة للغاية: فما تقوله باحثة البادية هنا هو ان الرجال في الواقع هم من تحدث بشأن النقاب. وما هو أهم، تتسائل الكاتبة: بما ان النساء لا تقدرن على التنبؤ بما يحس به الرجل، فباي حق يبت الرجل في "مسائلنا الخاصة" وكأنه شخص الداء وعرف الدواء؟ باختصار، صارت ثياب النساء في حوارات الرجال رمزاً لاشياء اخرى ("امور امتهم") تتعلق بطموحات وطنية، وافكار قومية، واوضاع اقتصادية.

وقد لاحظت السيدة اقبال بركة ان صراع الشرق والغرب تجسد في اوائل القرن العشرين في اتجاهين هما "الافرنكة" و"الاتاتورك." وقد شمل هذا الصراع المرأة. فوجد بين الرجال من طالب الفتاة بالثورة على الحجاب التركي والتحرر، واعتبر السفور خطوة على طريق التحضر. بل ان القنصل الانجليزي – اللورد كرومر – الف كتاباً بعنوان "مصر الحديثة" عام 1908 حمل فيه بشدة على المصريين، واعلن ان مصير مصر يعتمد على وضع المرأة المصرية: فان لم تتحسن اوضاعها، سيبقى المجتمع غير قادر على التطور. ومن المؤكد انه رسم في كتابه صورة اكثر قتامة لوضع المرأة مما هي عليه. فالفتاة المصرية كانت قد كونت نوادي تختص بامورها، واصدرت مجلات تعني بشئونها، كما كانت ستشترك في المظاهرات عام 1918. اما الاتجاه الاخر، الذي لاحظ وخشى بوادر التحرر التي تجاهلها كرومر، فاكد على ضرورة الحفاظ على اخلاقيات الحضارة الشرقية، واهمية الحجاب. والمفكر المحافظ في الواقع توهم ان المرأة ستسقط في الرذيلة لو تركت الغشاء الرقيق الشفاف الذي غطت به وجهها. تتسائل باحثة البادية بهذا الشأن: فاي الطريقين نسلك، ومن نتبع؟ اننا معشر النساء اصبحنا لا رأي لنا في انفسنا." وكأن صياغة الخلاف بهذه الطريقة تسرق من المرأة حقها الشخصي في اختيار النقاب، او السفور.

اعتبر دعاة النقاب المحافظة عليه حفاظاً على القيم والمباديء العظيمة الموروثة. احد القراء ويدعى محمد رضا كتب في عدد الأهرام الصادر في يوم 2 ابريل ان:

العادات القديمة المتأصلة لا يتخلى عنها بمجرد دعوة او نصيحة او مقالة. وقد قال علماء الاجتماع ان من اراد حمل أمة على ترك عادة قديمة متأصلة بسرعة فقد رام محالاً.

القضية هنا اكبر من النقاب لانها تتعلق ب "عادات قديمة متأصلة" يتمسك بها الفرد في مواجهة مع غرب يقدم اساليب حياتية مغايرة. وقد لاحظ احد مناصري النقاب اسمه – محمد طاهر المخزنجي – في عدد الاهرام ذاته ان الحجاب "يمثل الحد الفاصل بين الفضيلة والرذيلة"، مع انه يعرف ان غطاء الوجه لم يكن ابداً من متطلبات الشريعة الاسلامية. الفكرة الاساسية هي ان الفتاة الشرقية يجب ان تجسد الفضيلة. وهذا يفصل بينها وبين الفتاة الغربية، التي تتهم بضعف الاخلاق.

ومن الضروري ملاحظة ان النقاب كان، في تلك المرحلة، احد انواع الرفاهية الباهظة التي لا تقدر على تكاليفها غالبية الفتيات اللواتي عملن في الزراعة والتجارة. فجل المنقبات كن من الطبقات الثرية، التي لا تحتاج بناتها للعمل. وقد بالغ احد معادي فكرة النقاب – وهو حسين الرحال في العراق – اذ قال :

الحجاب عادة دور الاقطاعيات وعادة الطبقة الارستقراطية. والنساء المتحجبات منسوبات اسر من انقاض الدور الاقطاعي والمتشبهات بهن. اما بنات الشعب الصميمات فلسن بمتحجبات ولا يمكن ان يتحجبن .. ان الحرم والحجاب ليس لهما وجود في طبقة الشعب وسيزولان عندما تسود طبقة الشعب.

من الواضح ان المفكر هنا يقترب من الفكر الشيوعي. اذ يرى في النقاب رمزاً للثراء والبطالة – ويعتبره من "انقاض الدور الاقطاعي" ويؤكد انه سينتهي مع "سيادة طبقة الشعب"، وكأن الفتاة المنقبة لا تنتمي للشعب ذاته. وقد لاحظ احد المتحاورين في الاهرام المصرية – ويدعى حسن الشريف – ان فتيات الريف افضل اخلاقياً من بنات المدن ، مع انهن غير متحجبات : "لا اظن ان هناك من يدعي ان الفساد منتشر في القرى ونساؤها سافرات انتشاره في المدن ونساؤها مقنعات محجبات."

وقد ادعت احدى المساهمات في هذا الحوار في الاهرام، وهي خنساء الريف (13 مايو) ان النقاب يمنع التقدم الاجتماعي: "كما هوجم الباستيل وكُسرت ابوابه في القرن الثامن عشر وخرج منه معتقلوا السياسة والصحافة والادب، يحب ان يُفتح الباب للمرأة." ومن المؤكد ان غالبية المنقبات كن سيدهشن من فكرة ان الحجاب الرقيق الشفاف الذي يرتدينه انما هو بوابةحديدة لابد من كسرها لتحريرهن. ولكن فكرة خنساء الريف الاساسية هي ان فرنسا تطورت بعد تحرر شعبها من سجن الباستيل، وان مصر ستتقدم لو تحررت المرأة. وقد رد احد لمحافظين من العراق، وهو السيد توفيق الفكيكي ، بان الامم – مثل امبراطورية الرومان – لم تتقدم، بل انهارت "بسبب الحرية المطلقة النسائية." وان الدولة العباسية "لم يقرضها من خارطة الوجود الا ترف ملوكها بالجواري والحور الحسان من النساء " وقد تسائلت السيدة باحثة البادية بشأن ربط التطور او عدمه بالسفور اذ قالت:

قد يكون حجابنا مؤخراً لنا بعض الشيء، ولكن لا يصح نسبة كل تأخر له، والا فان الامم الغربية كلها نساؤها سافرات ولماذا تجد احداهن راقية جداً والاخرى منحطة الى الدرك الاسفل؟

وهي هنا تذكر مرة اخرى ان السفور والنقاب قضية شخصية، وان التقدم يتعلق باتاحة التعليم للجنسين.

وقد لاحظ د. يونان لبيب رزق في تحليله القيم لحوارات النقاب والسفور في مصر خلال العشرينات ان من دعوا للسفور كتبوا باسماء مستعارة، بينما لم يخشى دعاة التحجب كتابة اسمائهم الحقيقة. "وهذا يدل على ان المناخ العام لم يكن مناصراً للسفوريين." والواقع هو ان بعض دعاة السفور واجهوا معارضة قاسية من المجتمع المحافظ الذي عاشوا فيه، مما اصابهم باذى حقيقي..

وقد كان من اوائل من كتبوا اسمائهم الحقيقية من دعاة السفور الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي حيث نشر في جريدة المؤيد المصرية عدد 6138 عام 1910 مقالة قال فيها: اجاز المسلمون ان يقسو الرجل فيطلق المرأة ويستبدلها بغيرها كسقط المتاع راداً الى حضنها اطفالها الذي هم نتائج شهوته." ومن الواضح ان الزهاوي هنا انتقل بسرعة من النقاب الى مناقشة قضايا في صلب الدين. وهكذا، رد عليه الشيخ محمد النقشبندي بمقالة غاضبة عنوانها: "السيف البارق في عنق المارق." وطافت ببغداد المظاهرات الغاضبة مطالبة بطرد الزهاوي من وظيفته. ووافق والي بغداد، ناظم باشا، الذي ذكرناه في بداية هذه الدراسة، على الاقالة. وسائت الامور اكثر. اذ ادعى بعض الائمة ان ما قاله الزهاوي في الرسالة مروق على الدين. فخشى على حياته. وانكر انه كتب المقالة، مدعياً انها دست عليه. وطالب الدولة بتعليم الناس "لئلا تمتد ايديهم في المستقبل الى منكود آخر مثلي قد تمنى في كل كتاباته اصلاحاً للأمة."

تمسك المجتمع بالنقاب لهذه الدرجة يوضح مرة اخرى انه كان، لغالبية الناس، رمزاً للتراث الشرقي الذي عاشوا فيه لاجيال. وقد حدثت منازلة شعرية بين الشاعر العراقي – معروف الرصافي – والحاج عبد الحسين الازري – عام 1922 اوضحت ارتباط النقاب بقضايا وطنية. قال معروف الرصافي:

لقد غمطوا حق النساء فشددوا عليهن الا خرجت بغطاء
الم ترهم امسوا عبيداً لأنهم على الذل شبوا في حجور اماء
أقول لأهل الشرق قول مؤنب وان كان قولي مسخط السفهاء
الا ان داء الشرق من كبريائه فبعداً لهم في الشرق من كبراء
وأقبح جهل في بني الشرق أنهم يسمون أهل الجهل بالعلماء

اما الحاج عبد الحسين الازري فيقول في قصيدته:

اكريمة الزوراء لا يذهب بك النهج المخالف بيئة الزوراء
حصروا علاجك بالسفور وما دروا ان الذي حصروه عين الداء
اسفينة الوطن العزيز تبصري بالقعر لا يغررك سطح الماء
وحديقة الثمر الجني ترصدي عبث اللصوص بليلة ليلاء

وهاتين القصيدتين توضحان ان قضية النقاب تتعلق بقضايا وطنية وقومية. فالشاعر الكبير الرصافي يقول ان الطفل يصير اقرب للعبيد ان كانت والدته من الاماء. وهو يعرف انه سيتعرض للانتقاد لما يقوله بشأن الحجاب، ويتهم سلفاً من سيهاجموه بالجهل. اما السيد الازري فيشبه البنت بالوطن، ويحذر من عبث اللصوص بالحديقة في "ليلة ليلاء." وهو ايضاً يقول ان السفور هو عين الداء، لا الدواء.. هو هنا باختصار يتحدث عن الاستعمار، حتى ان لم يدرك ذلك

ومن الجدير بالذكر هنا ان البعض اتهم دعاة السفور بانهم يسعون وراء اللذة والشهوات. محمد رشيد من العراق اتهمهم بانهم: "يحبون التمتع والتلذذ بمحاسن النساء وكلما زاد السفور والتبرج زاد استلذاذهم وحصل مقصدهم." وربما كان ذلك ايضاً مما يلمح له الحاج عبد الحسين الازري في قصيدته حين يتحدث عن عبث اللصوص.

وان كان الشعر يلمح، فقد اوضح السيد جميل المدرس بصراحة في جريدة المفيد عدد 239 ، عام 1924، انه يعتبر الانحطاط الاخلاقي الذي يراه في عصره من نتاج الاستعمار. "انظر قليلاً الى الاخلاق والعفة التي كانت موجودة عند البنت العراقية قبل الاحتلال وبعده." وهو هنا يشتكي ان النقاب صار "ارق من هواء النسيم"، وان النساء صرن يرتدين عباءة واحدة فحسب في الشارع!! المرأة فقدت اخلاقها الطيبة بعد الاستعمار ، وبسببه. الحفاظ على النقاب صار تعويضاً بشكل ما في الحوار الرجولي عن فقدان الوطن والاستقلال. النقاب هو كل ما يبقى من عصر افضل، كان الوطن فيه حراً، والفتاة منقبة.

لاحظنا اذاً ان حوارات النقاب كانت في الغالب افكار رجولية عن المرأة في الثلاثين عاماً الاولى من القرن العشرين. للنقاب قيم رمزية في هذه الحوارات، أي انه اكثر من مجرد غشاء يغطي الوجه. فهو يدل على تراث قديم عريق. وهذا الاسقاط ادى بالكثير من الافراد للدفاع عن النقاب حين بدا واضحاً ان قلة من فتيات الاسر الثرية فقط ارتدينه. ربما، من اجل معرفة الصورة بشكل مغاير، بعيد عن الرمزية التي تميز الفكر الرجولي، لابد من الاطلاع على ما قالته النساء العربيات بشأن النقاب. سندرس في القسم التالي من هذه الدراسة ما كتبته بعض المفكرات – مثل ملك حفني ناصف، نازك الملائكة، ود. نوال السعداوي، عن النقاب، وثياب المرأة عموماً، في النصف الثاني من القرن العشرين.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:08 PM
ما قالته بعض اديبات القرن العشرين عن ثياب المرأة.

برغم قوة الفرق المحافظة، ومحاولتها لزج الدين والاخلاق والسياسة في موضوع النقاب، الا ان المعركة بائت بفشل ذريع. فقد شجعت الدول العربية فكرة تعلم البنت، وعملها. ولم يكن من السهولة بمكان ان تعمل الفتاة، بدون اظهار وجهها.

ولكن تاثيرات ذلك الحوار الثقافي يبقى حتى الستينات والسبعينات. فقد تاثرت كاتبات القرن العشرين بما قران في اوائله، وبالجو الفكري العام الذي عارض السفور. بل ومن الملاحظ ان النساء كن اميل للمحافظة من بعض الرجال ودعاة التفرنج. وكل كاتبة تناولت الموضوع ادركت بشكل ما انتمائها للشرق، وحاولت ان تجسد ثياب المرأة الشرقية هذا الانتماء.

نلاحظ في اقوال السيدة ملك حفني ناصف ادراكها الباكر ان النقاب، والثياب عموماً، اكثر من خيار شخصي. الثوب حل وسيط بين شخصية الفرد وعقائده، والقيم الاجتماعية السائدة. السيدة ملك تحاول مثلاً توضيح فكرة ان السفور في عصرها يمثل محاكاة للنمط الغربي. هي في الفقرة التالية توضح ادراكها لما نسميه اليوم "التبعية الثقافية" للغرب، وتحاول حث المتحاورين البحث عن ثياب تحفظ خصوصية الشرق الثقافية:

فاننا لو سلمنا بما يقترحه الكتاب من ضرورة تقليد الغربيين في أمور معاشنا وزي بلادنا مما قد لا يوافق روح الشرق فاننا نندمج فيهم ونفقد قوميتنا بمرور الزمن، وهذا هو ناموس الكون اذ يفنى الضعيف في القوي. وانه لمن العار ان نترك هذا الأمر يجري مجراه. فأدعوا الكتاب والباحثين للتفكير فيه وفي ايجاد مدنية خاصة بالشرق تلائم عرائزه وطبائع بلاده، ولا تعوقنا عن جني ثمار التمدين الحديث.

تنبه السيدة ملك هنا ان الضعيف اذ يخضع للقوى ياخذ ثقافته ايضاً. وان استعارة الثياب قد تؤدي لاستعارة ثقافة تامة مخالفة لثقافة الشعب.

وقد اوضحت السيدة ملك في فقرات مثل هذه ان قضية الحجاب اكثر من خيار شخصي.. وهي تقول عدة مرات ان الحجاب سيذهب حين تتحسن الاوضاع الثقافية والاجتماعية للمجتمع الشرقي.

مسالة الحجاب لن تنضج الا متى تربى جمهور النساء وصار على درجة من العلم مرضية.. نحن نعلم ان هذا الحجاب لن يدوم ولكن ليس هذا اوان السفور، لاننا غير مستعدات له، ونفوسنا ركب فيها ان تتنقب ونفوسكم لا تصلح الان لاستقبال هذا السفور بالرضاء.

وهي هنا توضح ان قضية النقاب ترتبط بالواقع النفسي للمجتمع. فان كانت نسوة الطبقة الوسيطة والثرية غير مستعدات للتخلص منه، فذلك يعني ان الرجال كذلك لن يتقبلوا السفور بسهولة. وقد اثبت التاريخ صحة رؤية السيدة ملك هنا: فاول من سعين للسفور واجهن الكثير من المصاعب. وقد اشتكت السيدة هدى الشعراوي مما حدث حين قررت مع بعض رفيقاتها الخروج سافرات: اذ تعرضن للانتقاد في الجرائد والمجلات. كما ضايقهم الرجال في الشارع : "كلما خرجنا سافرات الى الطريق اشار الينا الناس وتهامسوا حولنا. وضحك بعضهم هازئاً وشتم البعض الاخر." يبدو واضحاً هنا ان المجتمع لم يكن مستعداً لتقبل السفور. وان الحوار الرجولي بشأن الدعوة للتخلص من الحجاب لم يكن معبراً عن رأي الغالبية العظمى من الناس.

والواقع ان غالبية من كتبن بشأن ثياب المرأة بعد ذلك تاثرن كثيراً بافكار ملك.. وكانت افكارهن اقرب للمحافظة ايضاً من افكارها. وربما يكون السبب الاساسي هو ان التعلم صار متاحاً لاعداد اكبر من النساء، وانتهى بسرعة موضوع النقاب بحيث صار الحديث الاساسي الان عن الخوف من المبالغة في التبرج. حتى صار الحوار النسائي في هذه المرحلة قريباً جداً من الحوار الرجالي المحافظ في اوائل القرن.

ومن الضروري تذكر ان المدافعات عن قضايا المرأة في الغرب كذلك طالبن في مرحلة تاريخية معينة بان تبتعد المرأة عن الاعتناء المظهر، وان تحاول، بدلاً من ذلك، الاهتمام بالتعلم. ولعل اول كاتبة بريطانية تحدثت عن قضايا المرأة – وهي ماري ولستنكرافت، في عام 1790، توضح في كتابها دفاعاً عن حقوق المرأة، هذه النزعة التي لا تزال موجودة بين بعض المفكرات حتى الساعة:

يقول روسو: "علموا المرأة كالرجل، وكلما صارت مثلنا، قلت سطوتها علينا." وهذا هو ما اريده. فانا لا اريد لهن السيطرة على الرجال، بل على نفوسهن.

ما هذه السطوة الا قوة غير شرعية يمتلكنها عن طريق امتهان النفس، واذا لم يتحررن من قوة الجمال – التي تمضي سريعاً – سيصبحن مع مرور الاجيال بالفعل اقل عقلاً من الرجل.

ما تقوله ولستنكرافت، وهي بالمناسبة والدة ماري شيلي، مؤلفة رواية فرانكنشتاين المعروفة، هو ان الجمال لن يقدم للمرأة مستقبلاً مأموناً. القوة التي يقدمها جمال المظهر "غير شرعية"، وتمضي بسرعة. والواقع ان افكار ولستنكرافت هذه تبقى حيوية ومؤثرة على فكر مجموعة لا يستهان بها من دعاة تحرر المرأة. وان هذه الفكرة من أسس الفكر الداعي لتحرر المرأة العربية في القرن العشرين، كما بقت مؤثرة في الفكر الغربي حتى الثمانينات من القرن العشرين.

وقد القت د. نازك الملائكة عام 1968 محاضرة عامة في جامعة البصرة بعنوان "مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية." وهي تحاول في هذه المحاضرة سبر المعاني الفلسفية لاهتمام المرأة الشرقية بالمظهر. في البداية، تؤكد ان التراث الشرقي دوماً اهتم بمظهر الفتاة اكثر من فكرها:

لقد تركت الشخصيات النسوية في كتاب (الف ليلة وليلة) نموذجاً سيئاً للمرأة العربية، هو نموذج الجارية التي لا يهمها الا ثيابها ولا ترى في نفسها اكثر من متعة للرجل. تعيش بغرائزها وعليها ان تكون جميلة وان تسلى الرجل تسلية سطحية عابرة وتطهو له الطعام السائغ.


ونازك تلاحظ هنا ان الفتاة العربية – بالرغم من تعلمها ودخولها ميادين العمل المختلفة - بقت تعني بمظهرها اكثر من الاوربية. وهي هنا تحلل بعض مجلات المرأة، وتلاحظ بمرارة شدة اهتمام هذه المجلات بالثياب، الاحذية والحقائب. وهي تشتكي ان فتاة جيل الستينات لم تنمي "افكارها بالعلم والمعرفة" بقدر ما لجئت الى "التبرج والتغنج والملابس القصيرة الضيقة التي تبرز اعضاء الجسم كما تبرز اجسام الجواري في سوق النخاسين." (495) ونازك تشعر ان الاهتمام بالمظهر، اولاً، يكلف الفتاة الكثير من الوقت، الذي كان يجدر بها قضاؤه في شئون اخرى، مثل القراءة والكتابة، او معاونة اسرتها، وغيرها. وهي ايضاً تلاحظ ان بعض مستلزمات الجمال المصنوعة، مثل الكعب العالي، قد لا تكون صحية.

ومن اهم افكار المحاضرة المقارنة بين الجمال والاناقة. فالجمال "ملك للوردة والفراشة"، وهو بالمثل ملك لكل "فتاة دون ان تضيع وقتها في اسواق الملابس. " (495) اما الاناقة، فتتطلب انفاق الكثير من المال. وقد تدل على شعور بالنقص. تقول نازك:

التأنق يقوم بدءاً على الاقرار بان المرأة لا تملك جمالاً وانما هي ناقصة وعليها ان تصنع الجمال صنعاً لتجذب عيون الرجل. التأنق نقص والجمال فيض. (496)

تلاحظ الكاتبة هنا ان التأنق اقرب للطبقية من الجمال. فهو يتطلب الكثير من المال الذي يمكن انفاقه على اشياء اخرى. ومن المتوقع ان تفضل فتاة انفاق ما لديها من مال قليل على المساحيق والثياب، بدلاً من ان تشتري كتاباً، خصوصاً وان مجلات المرأة تدفعها في هذا السبيل. ولكن الرجل ايضاً "مسؤول عن ذلك كله." فالرجل الشرقي لا يزال يريد الفتاة "الضعيفة الذهن المثقلة بالزينة المصطنعة." (507)

وقد تحدثت نازك اخيراً عن البعد القومي للموضوع. فغالبية الثياب الانيقة ومستلزمات الجمال من جلود الاحذية الى المساحيق كانت تستورد من الخارج. مما يكلف اقتصاد الدول العربية الكثير. هذه الثياب تتغير حسب معايير المودة مما سيؤدي لشراء المزيد منها كل عام. ونازك هنا تقدم مثال المرأة الهندية التي ترتدي الساري الذي يحفظ كرامتها القومية وتطالب باحياء وتطوير "ملابس جداتنا الطويلة الجميلة التي تحفظ الجسم من الحر والبرد اجمل حفظ." (505)

وهذه الافكار اعتبرت رجعية في التسعينات لدرجة ان جمعية الاخوان المسلمين في سورية اعادت طباعة المحاضرة في كتيب خاص. اما دعاة التحرر النسائي المعاصرات، فاتهمن نازك بان آرائها هذه "ردة الى الوراء، ودعوة صريحة للمرأة بالعودة الى عصر الرقيق." والواقع ان لغة نازك في هذه المحاضرة كانت الاكثر قسوة. كلمات مثل "اذلال" "ازدراء النفس" "هوان" "جارية" تتكرر كثيراً ، ربما لانها شعرت ان ذلك قد يخفف من نزعة التبرج التي استشرت في المجتمع حينذاك. والمحاضرة كذلك تتجاهل الجانب التأريخي: فالمرأة العربية بقت متبرقعة لزمن طويل، وكبت مئات السنوات قد يؤدي بالفتاة الى التطرف في التأنق. من الضروري تذكر ان نازك تقدمت عن افكار الجيل السابق لها. اذ انها لم تدع البتة للتنقب او الحجاب. ولكنها طالبت بالتخلص من التبرج الذي لم يجد في الفكر النسائي العربي في القرن العشرين من يدافع عنه.

حتى د. نوال السعداوي، التي تعتبر اكثر مفكرات القرن العشرين تحرراً، تنتقد الاهتمام بالمظهر، بل وتضعه في اطار المرض النفسي، وهو ما لمحت نازك الملائكة له حين اكدت ان التزوق يدل على شعور بالنقص. د. نوال تقارن في كتاب المرأة والصراع النفسي، بين سيدتين، الاولى واسمها خيرية، اهتمت طوال اعوام شبابها بالاناقة، ولكنها تعاني من الاكتئاب بعد ان قاربت الاربعين. تقول د. نوال:

هذه المرأة التي تظن ان الجمال هو اخفاء حقيقتها تحت المساحيق والظهور الدائم بملامح الساذجات الغريرات لا تعيش العصر الحديث، وانما عصر الجواري، حينما لم يكن مطلوباً من امرأة ان تكون انساناً له ملامح تعبر عن دماغ يفكر ويشع مختلف المعاني ، وانما ان تكون كتلة لحم …

د. نوال تؤكد ان ما يسمى باكتئاب سن الاربعين للمرأة ينتج عن الاهتمام المبالغ به بالمنظر. فآثار الاعوام تظهر على الجسد برغم استخدام المساحيق، ولا ينجو من الاكتئاب الا من عرفت ان انجازاتها في الدنيا ستفوق الاعتناء بالمنظر.

الفتاة الثانية التي تتعامل معها د. نوال ، سميحة، شابة في اوائل العشرينات تعاني من اكتئاب نفسي شديد. اشتكت اسرتها لانها "تكره الفساتين وادوات الزينة ولا تعتني بجمالها كما تفعل كل البنات في سنها." (665) ود. نوال تساعد هذه الفتاة حتى تتحسن اوضاعها النفسية. وهي تشاهدها بعد بضع شهور في معرض الكتاب. وتلاحظ بسعادة ان اصابعها "قصيرة الاظافر بلا طلاء" ، قدماها "ثابتتان فوق كعب سميك منخفض" . ثم تقول: "كم يبدو الفرق كبيراً بين العينين النظيفتين الذكيتين من خلف النظارة البيضاء وبين العينين الغبيتين الغارقتين في سواد الكحل والظلال الخضراء." (667) وهي اخيراً تقارن بين الفتاة المصرية القديمة، التي استثمرت مالها في الفساتين، والفتاة الجديدة التي قد تفضل انفاق مالها القليل على الكتب التي تستمع بقرائتها.

موقف د. نوال في مصر اواسط السبعينات اذاً لا يختلف كثيراً عن موقف د. نازك في عراق اواخر الستينات. هن يتفقن على اعتبار التبرج دلالة على شعور بالنقص. ويؤكدن على اضراره النفسية. وهن سوياً يبقين سائرات على الخط الذي بدأته ملك حفني ناصف في اوائل القرن العشرين، الذي يؤكد على ان التعلم اهم للبنت من الاعتناء بالمظهر.

وما الذي يمكن ان نستخلصه من حوارات مظهر الفتاة خلال القرن العشرين؟ من الواضح ان الحوارات التي تناولت النقاب في اوائل القرن العشرين كانت في غالبها حوارات رجولية، وهكذا غلبت عليها نزعة اعتبرت النقاب رمزاً لتراث لم يرغب الرجال في ان يموت. اما الرجل اليساري، فاعتبر النقاب رمزاً لنزعة اقطاعية، وود لو تخلصت الفتاة منه على هذا الاساس. لم يتحدث احد البتة عن امكانية ان تختار الفتاة النقاب، او تتخلى عنه، وان هذا الموضوع يجب ان يكون خياراً شخصياً، باستثناء السيدة ملك حفني ناصف. اما في النصف الثاني من القرن العشرين، فتركز الحوار على الزي الاكثر ملائمة لطبيعة حياة الفتاة العاملة، واوضاعها النفسية. لاحظنا ان كاتبات مثل د. نازك الملائكة في العراق، ود. نوال السعداوي في مصر، انتقدن بقسوة التبرج والاناقة المبالغة بها في بنات ذلك العصر. د. نازك تتهم فتاة العصر بانها تعاني من اعراض الشعور بالنقص، وانها صارت مثل جاريات الف ليلة، بينما اعتبرت د. نوال التبرج دليلاً على الضعف، وعلى امكانيات الاصابة بالمرض النفسي مستقبلاً.

من المعروف ان هناك في الغرب حالياً من يتحدث عن التبرج كلغة، او اسلوب بلاغي، كلمات تتجسد في الجسد النسائي.. ولكن ، لا نتوقع ممن قدن الحركات النسائية العربية حين كن تقريباً بلا حقوق في اوائل القرن العشرين حتى درجة لا بأس بها من التحرر في اواخره ان يبلغن الفتيات بان احوالهن الان ممتازة. القائدة الجيدة تقول لمن يسمعونها الكلمات الصعبة التي قد تدفع باوضاعهن للمزيد من التحسن، حتى ان لم يرغبن بالاستماع لان اقوالها اكثر قسوة مما هو ضروري.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:09 PM
ينتقد البعض نازك لميلها الى المحافظة في الثياب. للدفاع عنها لنقرأ ما قاله الغير عن قضايا الثياب خلال القرن العشرين.

مختارات من كتاب تانيث القصيدة للسيد د. عبد الله محمد الغذامي

لا أظننا قد تبينا المعنى العميق لكون الفتح الشعري الحديث قد تم على يد امرأة.
ففي عام 1947 وقعت الكوليرا في مصر، وهناك في بغداد وقعت كوليرا أخرى.
إحداهما مرض قاتل وموت، والأخرى انتفاضة ومشروع إحياء.
هذه مسألة معروفة في تاريخها وتاريخ ما أعقبها من نقاشات ومجادلات ملأن صفحات ديوان العرب الحديث.
والكل يعرف حكاية قصيدة الكوليرا لنازك الملائكة وعلاقتها بوباء الكوليرا الذي أصاب مصر عام 1947 ثم ما جرى من جدل طويل حول انطلاقة الشعر الحر وبدايته وريادته، مما هو معروف القول والبحث.

ولكن موضوعنا هنا هو في طرح الأسئلة حول هذه الحادثة الثقافية وارتباطها ارتباطاً مركزياً بنازك الملائكة.

أقصد نازك المرأة الأنثى التي حطمت أهم رموز الفحولة وأبرز علامات الذكورة وهو عمود الشعر.

هذا هو السؤال الذي لم نتنبه إليه ولم نقف عنده ولم نطرحه على أنفسنا.

فكيف حدث هذا من أنثى، والأنثى في المعتاد الثقافي مجرد كائن تابع وضعيف وعاجز؟

ثم ماذا جرى بعد هذا الاغتصاب والانتهاك الجريء ضد عمود الفحولة؟

2-

الشعر شيطان ذكر – كما يقول أبو النجم العجلي – وهو جمل بازل – كما يقول الفرزدق – والجمل البازل هو الفحل المكتمل، وبما أنه كذلك فهو طعام الفحول. والفحول طبقات وأعلى هذه الطبقات هي مقام الرجال الأوائل أهل الكمال والتمام. وكل من جاء بعدهم فهو أقل منهم وتتقلص المنزلة جيلاً بعد جيل حتى ذلك اليوم الذي لا يبقى فيه للاحقين أي ميزة أو فضل على سابقيهم، لأن الأول ما ترك للآخر شيئاً منذ أن أكل الفحول الجمل البازل وراح الشعر كله والمعنى كله في بطن الشاعر الأول، فحل الفحول.

وليس للأنثى بوصفها كائناً ناقصا أي نصيب من لحم الجمل أو من همسات شيطان الشعر فالجمل ذكر منحاز إلى جنسه من الذكور والشيطان لا يجالس إلا الفحول لأنه ذكر وليس أنثى. ولذا صارت العبقرية الإبداعية تسمى "فحولة" وليس في الإبداع (أنوثة)، وإذا ما ظهرت امرأة واحدة نادرة وقالت بعض شعر فلابد لها أن تستفحل ويشهد لها أحد الفحول مؤكداً فحوليتها وعدم أنوثيتها لكي تدخل على طرف صفحات ديوان العرب وتتوارى تحت عمود الفحولة، هذا ما جرى للخنساء وهو مثال واحد يتيم لم يتكرر في ثقافة الشعر على مدى لا يقل عن خمسة عشر قرناً.

هذا هو المشهد الثقافي الذي يطغى على ذاكرة الثقافة قبل ظهور نازك الملائكة في عام 1947.

ومن هنا فإن ظهور هذه المرأة في هذا الوقت ليس بالشيء العادي وليس بالشيء الطبيعي – إذا فسرنا مفهوم الطبيعي بناء على المعطي الثقافي وليس المعطى الفطري.

والوقائع تؤكد ان الحدث لم يكن عاديا. وهذا أمر نستطيع استكشافه من خلال ردود الفعل على مشروع نازك الملائكة . وقد جاءت الردود بوصفها بعض أدوات الفحولة في الدفاع عن ثقافة الفحول وأخذت بالتسلسل التالي:

أ‌) كان أول رد فعل مضاد وأبرزه هو إنكار الأولية على نازك، وقد كتبت بحوث كثيرة ودراسات متعددة، كتبها رجال فحول ينكرون عليها الأولية وينفون عنها الريادة ويؤكدون ان قصيدة الكوليرا لم تكن القصيدة الأولى في اختراق نظام عمود الشعر وعروضه المذكر، وينسبون ذلك إلى رجال سابقين عليها أو معاصرين لها.

المهم عندهم هو منع هذه الأنثى من شرف الريادة، بمعنى ان الفحولة لا يكسرها إلا فحل، أما الأنثى فليس لها إلا أن تكون تابعة لا رائدة ولا عاجزة ولا قادرة وتظل الأنثى أنثى وليس لها مكان في فنون الفحول.

ب‌) كانت هذه واحدة من أدوات الفحولة في مكافحة تلك الآفة المؤنثة، ولعل الثقافة بحسها المذكر لم تكن على ثقة تامة من نجاح خطتها الأولى في إنكار أولية هذه المرأة المدعوة بنازك الملائكة فأتبعت الثقافة متمثلة برجالها الفحول هجومها على هذه الأنثى بحيلة أخرى، وجرى القول بأن قصيدة الكوليرا ليست قصيدة حرة، وأنها – فحسب – نوع من أنواع الموشحات.

وهذه حيلة خبيثة قال بها أحد المستشرقين مانحاً خدماته للدفاع عن فحولة الضاد.

ولو نجحت هذه الحيلة فستكون الريادة حينئذ من نصيب أحد الفحول وتحديداً بدر شاكر السياب وسيجري طرد المرأة عن هذا الرف المذكور.

ج) وتأتي الحيلة الثالثة في الدعوى التي تقول أن قصيدة نازك الكوليرا ليست سوى تغيير عروضي، وهذا أمر لا يعبأ به، والأهم هو التغيير الفني، وهذا في زعمهم لم يحدث إلا بعد سنة من الكوليرا أي في عام 1948 في قصائد مثل "في السوق القديم" للسياب، و"الخيط المشدود لشجرة السرو" و"الافعوان" لنازك.

وهذا مسعى يهدف الى زحزحة الحدث وتحييد مفعوله ونقله من فعل التكسير الحسي لعمود الشعر المتمثل بقصيدة الكوليرا إلى التغيير الفني الذي يغفل مسألة التكسير ورمزيتها.

إنها محاولة لمداراة المعنى العميق لحادثة كسر عمود الفحولة على يد أنثى، وبالتالي فهو حفاظ على ماء وجه الفحولة وتستر على حادثة الانتهاك، وإلغاء هذه الواقعة من الذاكرة بواسطة تهوين أمرها وسلب المعنى الدال منها. وبذا لن تكون المرأة سوى واحدة من آخرين أسمهموا في تغيير مضامين الشعر، وكلهم رجال يفعلون فعل الرجال وهي تفعل فعلهم كشان جدتها الخنساء مع فحول زمانها.

د) ثم أخيراً يأتينا فحل آخر أحس ان الدفاعات الأولى كلها لم تكن كافية لحماية الفحولة والثقافة الذكورية فلعب لعبة متمادية في دهائها، فراح يعطي نازك الملائكة الحق في الشاعرية ولكنه ينكر عليها تجرؤها على التنظير للحركة الشعرية، ويروح يسخر من أفكارها النقدية ومن رؤاها الفكرية ويقرعها تقريعاً لاذعاً على كل رأي رأته أو قول قالت به أو قاعدة أسندت إليها أو قانون اكتشفته، وكأنه يقول لها مالك ومال شغل الرجاجيل؟

وأن تكون المرأة شاعرة فهذا أهون على الفحولة من أن تكن منظرة وناقدة وصاحبة رأي وفكرة ونظرية.

هذه دفاعات أربعة لا يعجزنا أن نلاحظ النبية العسكرية فيها، فهي تماثل الخطوط العسكرية من خط دفاع أول ثم ثان إلى رابع، وكل خط يكون أكثر تحصيناً وأقوى احتياطا من سابقه، والفكر العسكري بوصفه أبلغ أنواع الفحولة وأشدها ذكورية هو ما يدير دائرة الحوار الذي هو علمي في ظاهره ولكنه في جوهره ليس سوى خطاب فحولي استنهض ذاته وحكحك أدواته وأسنة أقلامه لمكافحة هذه الأنثى المتجرئة على سلطان الفحولة وعمودها الراسخ.

3-

ماذا فعلت نازك بعمود الفحولة؟

في ظاهر الأمر لم تكن المسألة سوى تغيير عروضي تجريبي، هذا ما يبدو على سطح قصيدة الكوليرا المنشورة في أواخر عام 1947.

ولقد تعامل الدارسون مع هذا المستوى السطحي التجريبي وانطلقت الدراسات تحوم حول هذا الأساس العروضي والفني الخاص، وكأن المسألة مسألة تجديد أدبي شعري لا أكثر. ولقد أسهمت نازك الملائكة نفسها بتغذية هذا المنطلق الفني الصرف، ربما لأنها لم تكن تعي أبعاد فعلتها وخطورة ما أقدمت عليه، بسبب هيمنة النسق الثقافي، الذي هو نسق ذكوري، عليها، وتطبعها بشروط هذا النسق المذكر وخضوعها لذهنيته.

ولربما أنها كانت تعي أبعاد فعلتها فتظاهرت بعكس ذلك وأوحت للفحول أنها ليست سوى شاعرة حديثة تسعى إلى تجديد ديوان العرب ومد يد مؤنثة تعاضد الفحول في مسعاهم التطويري. وهذه لعبة – لا شك – ان المرأة المثقفة لجأت إليها دائماً، لتحتمي بها وهذا ما تكشف عنه إحدى رسائل مي زيادة إلى باحثة البادية حيث نقرأ قولها: أسيادنا الرجال.. أقول "أسيادنا" مراعاة بل تحفظاً من أن ينقل حديثنا إليهم فيظنوا أن النساء يتآمرن عليهم. فكلمة "أسيادنا تخمد نار غضبهم. إني رأيتهم يطربون لتصريحنا بأنهم ظلمة مستبدون. "

هذا قناع ثقافي وقائي تستعمله المرأة لكي تعبر ذلك الطريق الطويل الشائك وسط إمبراطورية الفحولة. ويبدو ان نازك الملائكة قد تدرعت بهذا الوقاء لكي تتمكن من حماية مشروعها من غضبة فحولية مدمرة.

لكن ما أقدمت عله نازك لم يكن مجرد تغيير فني، ولو كان كذلك لتساوى عملها مع أعمال كثيرة جاء بها تاريخ الأدب وسجلت أدوارها التغييرية في حدود الشرط الفني لا أكثر.

إن عمل نازك كان مشروعاً أنثوياً من أجل تأنيث القصيدة. وهذا لم يكن ليتم لو لم تعمد – أولاً – إلى تهشيم العمود الشعري، وهو عمود مذكر، عمود الفحولة.

ولقد أقدمت على ذلك ببصيرة تعي حدودها وتعرف حقوقها فأخذت نصف بحور الشعر.. والنصف دائماً هو نصيب الأنثى. ولذا فإن نازك لم تطمع بما هو ليس حقاً لها.

أخذت ثمانية بحور هي الرجز والكامل والرمل والمتقارب والمتدارك والهزج، ومعها السريع والوافر. وتركت الثمانية الأخرى.

وفي هذا الأخذ والترك علامات واضحة على مشروع التأنيث، فالمأخوذ هو النصف، والنصف هو نصيب الأنثى.

كما أن البحور الثمانية المختارة تحمل سمات الأنوثة. من حيث كونها قابلة للتمدد والتقلص كشأن الجسد المؤنث الذي هو جسد مرن يزداد وينقص حسب الشرط الحيوي في تولد الحياة فيه وتمددها من داخله وانبثاقها منه، ثم يعود فيتقلص وتستمر فيه سمة قبوله للزيادة والنقص وقدرته على النزف دون أن يفقد حياته. وهذه الصفة تتوفر في البحور الثمانية المختارة، فهي بحور تقبل الزيادة والنقصان والتمدد والتقلص والتكرر عبر التصرف بالتفعيلة الواحدة زيادة ونقصاً. هي واحدة متكررة كحالة الجسد المؤنث إذ تنبثق منه أجساد وأجساد تتكرر.

كما أن هذه البحور الثمانية هي بحور شعبية متواضعة وقريبة، فهي من الناس وللناس، فيها البساطة والليونة والخفة.

أما البحور الأخرى كالطويل والمديد والمنسرح وغيرها، فهي بحور الفحول، فيها سمات الفحولة وجهوريتها وصلابتها، وفيها من الجسد المذكر كونه لا يقبل التمدد والتقلص وكونه عموداً صلباً راسخاً لا ينزف ولا ينتفخ.

ولقد حاول الشعراء الرجال إدخال البحور المذكرة إلى القصيدة الحديثة فلم يفلحوا في ذلك، فالقصيدة الحديثة تأبى التذكر وهي في صدد التأنث

وممن حاولوا ذلك السياب وأودونيس وقبلهما أبو حديد وطه حسين.

ولقد أكثرت نازك من الحديث عن هذه القسمة، وتكلمت بشغف واضح عن البحور الصافية، أي البحور المؤنثة. في مقابل الأوزان الشمبة بالتسلط والرسمية والعمودية، تلك التي يقوم عليها عمود الفحولة والنظام الأبوي الصارم.

إن نازك الملائكة في عملها هذا تتصدى لتكسير العمود والنسق الذهني المذكر الذي يقوم عليه الشعر، وتفعل هذا مستعينة بالنصف المؤنث من بحور العروض. وبواسطة هذا النصف الضعيف تواجه النصف القوي وتتصدى له وتقاومه. وتنجح اخيراً في ترسيخ البحور المؤنثة، نصف العروض، وتسكر العمود الكامل الذي فقد نصفه المذكر. وفتحت بذلك باباً عريضاً سيتسنى للقصيدة الحديثة أن تدخل عبره وتشرع في التأنيث بعد أن أنعتقت من عمود الفحولة الصارم.

لهذا واجهت نازك الملائكة كل أصناف المعارضات والاعتراضات من ممثلي الفحولة الثقافية، لأنها امرأة تصدت للعمود وتولت تكسيره عمداً وعن سابق إصرار. لم تكتف بكتابة الشعر وتجريب أوزان العروض، بل أشبعت ذلك بالتنظير والتخطيط والتفكير والتدبير، ومارست الأمر والنهى والجهر بالرأي والجرأة في المواجهة. وهذه كلها صفات لم تكن معروفة عن الأنثى في ذاكرة ثقافة الرجاجيل.

.......

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:10 PM
مختارات من مقالة السيد فاروق شوشة: نازك الملائكة واعمالها الكاملة

في إجماع الشعراء والدارسين، نازك الملائكة هي اكبر شاعرة عربية في القرن العشرين. وهو حكم لم يجيء من فراغ. تتمثل حيثياته في هذه الطاقة الشعرية الجبارة التي تمتلكها نازك، وهذا الواقع الريادي المتميز في حركة الشعر الجديد أو الشعر الحر أو شعر التفعيلة، بحسب التسمية التي يرتضيها الناس. وهذا الإنتاج الشعري الغزير الذي يضم تسعة دواوين شعرية هي: أغنية الإنسان، عاشقة الليل، شظايا ورماد، قرارة الموجة، شجرة القمر، للصلاة والثورة، يغير ألوانه البحر، الوردة الحمراء، بالإضافة الى وعيها النقدي، وقدرتها على التنظير للشعر، وكتاباتها الأدبية التي تتمثل في كتبها الأربعة: قضايا الشعر المعاصر، سيكولوجية الشعر، الصومعة والشرفة الحمراء، (وهو كتابها الجميل عن شاعرنا المصري علي محمود طه وكانت طبعته الأولى التي صدرت في القاهرة عام 1965 جامعة لمحاضراتها عنه في معهد الدراسات العربية قد حملت عنوان: شعر علي محمود طه) والتجزيئية في المجتمع العربي، والشمس التي وراء القمة.

صحيح هناك عدداً من الشاعرات المصريات والعربيات التمعت أسماؤهن.. إلا ان المسافة بين شعرهن وشعر نازك تظل محفوظة، بعد ان وجد الشعر العربي، على مدار تاريخه الطويل، شاعرة كبيرة مبدعة يمكن ان تضاف بقوة وحسم الى الاختراق الذي أحدثته الشاعرة المخضرمة، اي التي أدركت الجاهلية والإسلام، الخنساء، والتي ظلت، على تتابع القرون، تتصدر وحدها المشهد الشعري العربي، نموذجاً فريداً للمرأة الشاعرة، فجاءت نازك – بكل حجمها ووزنها الشعري- مؤكدة الحضور اللافت للمرأة الشاعرة في القرن العشرين، مضيفة ومتجاوزة.

ونازك مصرية الهوى والذوق الشعري. فقد استهواها، وهي بعد في مرحلة الدراسة الثانوية، شاعران مصريان من أهم شعراء جماعة أبولو – التي حملت مشعل التجديد العربي الرومانسي في السنوات الأولى من ثلاثينيات القرن العشرين وظل تأثيرها الكاسح حتى بزوغ النماذج الأولى لحركة الشعر الجديد – في مصر والعالم العربي – مع نهاية الأربعينيات وأوائل الخمسينيات.. هذان الشاعران المصريان هما: محمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه. أما أمها فقد كان اهتمامها الأكبر بالشاعر إبراهيم ناجي، ومن غير العراقيين، بالإضافة إلى شاعرها العراقي الأثير: الزهاوي.

وحب نازك لعلي محمود طه هو الذي جعلها تختاره موضوعاً لمحاضراتها عندما دعيت إلى معهد الدراسات العربية في القاهرة أستاذة محاضرة . وهو الشاعر الذي تقول عنه: "أعجبت به في أوائل حياتي الشعرية، وكنت قد عشت مع شعره سنوات كثيرة من صباي، فأنا أعرفه معرفة موسعة، ولي حوله آراء مفصلة، فمن الغبن أن أحرم نفسي فرصة تأليف كتاب عنه أريق فيه على الورق كل ما يحتشد به ذهني من آراء وأفكار وانطباعات، وهكذا عكفت خمسة أشهر، خريف سنة 1964، وألفت هذا الكتاب. "

ونازك مصرية الهوى والمزاج الفني والوجدان المولع بالموسيقى والغناء وهي تقول في سيرة حياتها المركزة بعنوان "لمحات من سيرة حياتي وثقافتي" والتي جعلتها طبعة المجلس الأعلى للثقافة، وحسناً فعلت، مدخلاً يقضي إلى أبهاء عالمها الشعري. "في عام 1947، صدرت لي أول مجموعة شعرية، وقد سميتها عاشقة الليل لأن الليل كان يرمز عندي إلى الشعر والخيال والأحلام والمبهجة، وجمال النجوم وروعة القمر، والتماع دجلة تحت الأضواء، وكنت في الليل اعزف على عودي في الحديقة الخلفية للبيت بين الشجر الكثيف، حيث كنت أغني ساعات كل مساء. وقد كان الغناء سعادتي الكبرى منذ طفولتي.. وكنت أحبس أنفاسي إذا ما سمعت صوت عبد الوهاب وأم كلثوم يحمله إلى جهاز الحاكي "الجرامافون" الذي يدور في بيت الجيران وكنت سريعة الحفظ لأية أغنية أسمعها، وكانت أمي لا تفتأ تندهش دهشة كبيرة عندما تسمعني أغني، وما زلت أذكر صوتها في صغري وهي تتلفت وتقول: "يا إلهي! من أين حفظت ابنتي كل هذه الأغاني! ومتى سمعتها؟ وكيف؟ ولم تدر أنني كنت حين أسمع حاكياً يدور بأغنية أقف مسمرة في مكاني حتى لو كنت في الشارع.

وفي تلك الأيام البعيدة لم يكن المذياع قد دخل الحياة في العراق طبعاً. فكان الاستماع إلى الأغاني لا يتم إلا عن طريق الاسطوانات ولم تبدأ إذاعة بغداد البث إلا في سنة 1935. كما أتذكر، يوم ان بلغت الثانية عشر من العمر."

ونازك مصرية الهوى عندما تقص علينا تفاصيل كتابتها لأول قصيدة من الشعر الحر، وكيف كان انفعالها بكارثة وباء الكوليرا في مصر، وهي تذكر بالتحديد اليوم: الجمعة 27 أكتوبر عام 1947 عندما أفاقت من النوم وتكاسلت في الفراش تستمع إلى المذياع وهو يذكر ان عدد الموتى بلغ ألفاً، "فاستولى علي حزن بالغ وانفعال شديد، فقفزت من الفراش، وحملت دفتراً وقلماً، وغادرت منزلنا الذي يموج بالحركة والضجيج يوم الجمعة، وكان إلى جوارنا بيت شاهق يبنى، وقد وصل البناءون إلى سطح طابقه الثاني، وكان خالياً لأنه يوم عطلة العمل، فجلست على سياج واطئ، وبدأت أنظم قصيدتي المعروفة الآن، "الكوليرا" وكنت قد سمعت في الإذاعة ان جثث الموتى كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات فجرها الخيل، فرحت أكتب وأنا أتحسس صوت أقدام الليل:

سكن الليل
أصغ الى وقع صدى الأنات
في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الأموات.

ولاحظت في سعادة بالغة أنني أعبر عن إحساسي أروع تعبير بهذه الأشطر غير المتساوية الطول، بعد ان ثبت لي عجز الشطرين عن التعبير عن مأساة الكوليرا، ووجدتني أروي ظمأ النطق في كياني، وأنا أهتف:

الموت الموت الموت
تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت

وعندما وجدت الشاعرة نفوراً شديداً من أمها وأبيها بالنسبة لهذا الوزن الغريب والأشطر غير المتساوية والموسيقى الضعيفة، ممتزجاً بصيحات الاستنكار صاحت بأبيها في انفعال: "قل ما تشاء، إني واثقة أن قصيدتي هذه ستغير خريطة الشعر العربي.." "كنت مندفعة أشد الانفعال في عبارتي هذه وفي أمثال لها كثيرة قلتها رداً على التحدي بالتحدي، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يسبغ علي رحمته في تلك اللحظات الحرجة من حياتي الشعرية فكتب لقصيدتي ان يكون لها شأن كما تمنيت وحلمت في ذلك الصباح العجيب في بيتنا، ومنذ ذلك التاريخ انطلقت في نظم الشعر، وان كنت لم أتطرف إلى درجة نبذ الشطرين نبذاً تاماً كما فعل كثير من الزملاء المندفعين، الذين احبوا الشعر الحر، واستعملوه بعد جيلنا."

...وليست نازك وحيدة في هواها المصري..

ليس هذا الكلام من قبيل التعصب أو الشوفونية البغيضة وأنما هو تقرير لواقع، وتسجيل لسياق، يؤكده ما أفضت به نازك الملائكة في حواري معها، عام 1960 ، لبرنامج مع النقاد من إذاعة البرنامج الثاني، الثقافي الآن، وكانت في إحدى زياراتها لمصر، وقد نشر الحوار كاملاً مع غيره من الحوارات المماثلة في مجلة الآداب البيروتية ما أفضت به عن الدور المصري الثقافي والشعري في تكوينها هي وشعراء الطليعة في العراق، الذين اصبحوا يشاركونها ريادة حركة الشعر الجديد ويزاحمونها فيها. كانت نازك الموسوسة تجيب على أسئلة الحوار في إيجاز شديد وكلمات قليلة مرتجفة ثم تعود فتطلب مسح الإجابة من الشريط لتدلي بإجابة اكثر أحكاماً، وبلغ بها الانفعال أقصاه، لأنها كما تقول غير مدربة على الحوار أمام الميكروفون، طالبة التأجيل لموعد آخر بعد أن شارف البرنامج على الانتهاء، وأفطن لحيلتها ورغبتها في التخلص او التملص من الموقف كله مصراً على استبقائها في الاستديو حتى تهدأ وتتماسك لتكمل ما بدأناه. وهي في جسمها النحيل وحجمها القليل حركة لا تهدأ واشتعال لا يسكن، كشفا لي عن حقيقتها الشعرية، وكيف أنها تعيش شعرها في واقعها اليومي ولا تنفصل عنه، ليست هناك حدود أو مسافات بين الإنسانة والشاعرة، إنها قصيدة قلقة متحركة وعاصفة متمردة جامحة، وعقل فوار بالشكوك والهواجس والتساؤلات، وقوام ينوء تحت عبء وجدان مثقل مشتعل.

تقول نازك في قصيدتها ويبقى لنا البحر:

عن اللون والبحر تسألني يا حبيبي
وأنت شراعي
وألوان بحري
وغيبوبة الحلم في مقلتي
وأنت ضباب دروبي
وأنت قلوعي
وأنت ذرى موجتي
ووردة حزني، وعطر شحوبي
عن اللون والبحر تسألني يا حبيبي
وأنت بحاري
ومرجانتي ومحاري
ووجهك داري
فخذ زورقي فوق موجة شوق مغلفة خافية
إلى شاطئ مبهم مستحيل
فلا فيه سهل ولا رابية
إلى غسق قمري المدار
وليس له في الظهيرة لون.
وليس له في الكثافة غصن
ولا فيه هول، ولا فيه أمن.

2- خنساء العصر

أتيح لي أن أتعرف على الشاعرتين نازك الملائكة وفدوى طوقان في وقت واحد، كنت في السادسة عشرة من العمر في مستهل مرحلة الدراسة الجامعية. وكان لزملائنا في العمر في مستهل مرحلة الدراسة الجامعية، وكان لزملائنا في الجامعة من الأشقاء العرب الفضل في إتاحة الفرصة لقراءة الديوان الأول لفدوى طوقان "وحدي مع الأيام" الذي صدر لها في القاهرة في أواخر الأربعينيات برعاية خاصة من صديقها الأثير الناقد الكبير "انور المعداوي" والديوان الأول لنازك الملائكة، "عاشقة الليل" الذي صدر لها في وقت مقارب لديوان فدوى عام 1947. وسرعان ما بدأت مجلة "الآداب" البيروتية في الظهور عام 1953، وأصبح لقاؤنا بشعر نازك وفدوى على صفحاتها، ثم من خلال منشورات دار الآداب، دائماً وموصولاً.

في ذلك الوقت، منذ النصف قرن، كان شعر "فدوى" بصفائه ونقائه وبساطته، وما يمثله من انطلاق وشفافية، أقرب إلى نفسي ونفوس من حولي، بينما كنا نجد في شعر نازك درجة أعمق من التكثيف والمعاناة والامتلاء بالصور الشعرية التي فجرتها الكآبة والعتمة، كانت الشاعرتان تتفقان في محاولة كسر الحاجز، واقتحام منطقة البوح والإفضاء، والاقتراب من منطقة المشاعر الذاتية، وتختلفان في نوعية البوح ودرجة المكاشفة ومواجهة الأثقال والأستار الكثيفة التي تعوق تدفق الإبداع وانهمار الشعر، كان معجم فدوى يشرق بأقباس من لوحات الطبيعة الفلسطينية التي نجحت الشاعرة في تجسيدها وإكسابها حياة ناطقة، بل والحلول فيها حلولاً شبه صوفي، حتى صرت مديناً لتلك القراءة المبكرة لشعر فدوى بمعرفتي المتخيلة لنابلس وعيبال وجرزيم ورفيديا، وغيرها من المعالم الفلسطينية الساكنة في أعماقي. وكان حزن فدوى حزناً غير مغلق، تتفتح فيه كوى كثيرة يتسلل إليها قليل من ضوء الحياة والنفس والوجود، ليجعل منه حزناً ظافراً، جميلاً، نبيلاً، يمنح المواساة ويستدر خيوط المشاركة. أما حزن نازك، ومعجمها الشعري وسمتها الإبداعي، فكان حزنا، ضاغطاً، ثقيلاً، كما يقول صلاح عبد الصبور، الحزن الذي يجثم على الصدور والأنفاس فلا يتركنا إلا شيه مختنقين. كنا نحس أن لغة فدوى أكثر خفة ورشاقة، أما لغة نازك فأكثر استقراراً وإحكاماً، وأمعن في النفاذ إلى أغوار سحيقة من النفس والعقل.

وانهمرت الأيام والأحداث والتجارب، وتناثرت الكوكبة الطلابية التي كانت تظن أنها قادرة على تغير العالم بعد التخرج من الجامعة. تناثرت شرقاً وغرباً وشمالا وجنوباً، وإن بقيت في أصداء هذا الاكتشاف القديم، منذ نصف قرن، لشعر نازك وفدوى، فإذا بنا نعيد النظر في كل مسلماتنا وأحكامنا السابقة، ونستطيع في ضوء كثير من التمرس والنضج والخبرة والمتابعة والتحليل، رؤية الأفق العالي الذي يحلق فيه شعر نازك، والنجوم الشاسعة التي تضم أبهاء هذا العالم الشعري الثري، وهذه الطاقة الشعرية الجبارة، وهذه القدرة الفذة على الغوص وراء المعاني والأفكار والصور، حفراً في العمق، وتحليقاً في الآفاق، ورفرفة في الأعالي. لقد اتسعت المسافة بين الشاعرتين عطاء ونفاذاً وتأثيرا، وبخاصة حين برز وجه المفكرة والناقدة والباحثة عند نازك، وأصبح، بالإضافة الى وجهها الشعري الأصيل، حقيقتها الواحدة المكتملة، رائدة أولى في حركة الشعر الحديث، ومنظرة لقصيدة التفعيلة، ودارسة متفتحة للعروض والموسيقى الشعرية، ومواجهة للمسار الشعري في العراق وخارجه، بعد أن تتابعت موجات الشعر الجديد أو الشعر الحر، ولم تتردد في رفع صوتها بالتحذير والتنبيه حين رأت مسيرة الشعر الحر قد أصبحت مشوبة بالكثير من الشوائب، مشيرة في تقديمها "للصلاة والثورة" الذي ظهرت طبعته الأولى عام 1978 إلى الظروف التي تعرقل هذه المسيرة، نتيجة لاستهانة بعض شعرائه بالعروض واحتقارهم له، مع ازدرائهم للعربية وقواعدها، وتحقيرهم العامد للتراث، ومحاولة الأغراب وإثارة الدهشة على حساب العقل الإنساني. تقول نازك: "ومن أبرز هذه الظروف المعرقلة ما أسميه بالتعميه، ولا أقول الغموض، لأن الغموض ستار جميل فني يشف ولا يحجب، في حين ان التعميه مأخذ فني وعيب ينتقص القيمة الجمالية للقصيدة، وكل هذه المعايب لا تنبع من شكل الشعر الحر وليست ملازمة له.

ذلك أنها كلها يمكن ان ترتكب في شعر الشطرين أيضاً، ولذلك فإن حملات المتزمتين على كثير من الشعر الحر تلقي الوزر على شكل هذا الشعر، في حين أن الضعف كامن لدى بعض شعرائه لا في الشكل نفسه. إن الشعر الحر شكل جميل مكتمل وهو غير مسئول عن ضعف طائفة من شعرائه وجهلهم وإغرابهم. تماماً كما ان شكل الشطرين جميل في ذاته وهو غير مسئول عن تقليدية الذين ينظمونه. ولذلك أؤمل ان يكون رأيي هذا دعوة فعلية إلى الفصل بين الشكل المجرد وعيوب الشعر الذي ينظم في إطار هذا الشكل."

ثم تقول نازك: "إن الشكل – بصفته المطلقة – صيغة جمالية مبرأة من العيوب، سواء أكان حراُ او خليلياً وإنما تأتي العيوب منا نحن الشعراء. هذا مع الاتفاق على أن لكل عصر لفتة مزاجية قد تجعله يؤثر شكلاً من الأشكال على سواه. وهذه اللفتة ترتبط بسمة العصر الحضارية وليست مجرد نزوة طارئة في نفوس الشعراء كما قد يظن ذوو النظرة العجلى السطحية من النقاد."

قبل هذا التحذير والتنبيه الذي سجلته نازك عام 1978، كان هناك رأي لها حول الشعر جدير بالتنويه، في تقديمها لديوانها "شجرة القمر" في عام 1967، وهي تقول: "يلاحظ أن في هذا الديوان سبع قصائد من الشعر الحر، وقد يعجب بعض القراء من قلة هذا العدد بالنسبة لقصائد الديوان، لأنهم ألفوا أن يروا طائفة من الشعراء وقد تركوا الأوزان الشطرية العربية تركاً قاطعاً، كأنهم أعداء لها، وراحوا يقتصرون على نظم الشعر الحر وحده في تعصب وعناد، وأحب أن أذكر القارئ في هذه التقدمة أنني لم أدع يوماً إلى الاقتصار على الشعر الحر، وأبرز دليل على هذا ديواناي السابقان. أما "شظايا ورماد" الصادر سنة 1949 ، وهو الذي دعوت في مقدمته إلى الشعر الحر دعوة متحمسة فلم تكن فيه إلا عشر قصائد حرة، بينما كانت القصائد الأخرى جميعاً تنتمي إلى الأوزان الشطرية، وأما "قرارة الموجة" ديواني الصادر سنة 1957 فقد اقتصر على تسع قصائد من الشعر الحر، ولا أذكر قط أنني اقتصرت على الشعر الحر في أية فترة من حياتي، وسبب هذا أنني أولاً أحب الشعر العربي ولا أطيق أن يبتعد عصرنا عن أوزانه العذبة الجميلة، ثم ان الشعر العربي كما بينت في كتابي "قضايا الشعر المعاصر" يملك عيوباً واضحة أبرزها الرتابة والتدفق والمدى المحدود، وقد ظهرت هذه العيوب في أغلب شعراء هذا اللون، وهذا حاصل أيضاً في الشطرين، فإن له مزاياه وله أيضاً عيوبه.

وإني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها، وليس معنى هذا أن الشعر الحر سيموت، وأنما سيبقى قائماً يستعمله الشاعر لبعض أغراضه ومقاصده دون ان يتعصب له ويترك الأوزان الشعرية الجميلة.

..ومما أحب أعلن أسفي له أنني في شعري الحر لم أعن عناية أكبر بالقافية، فكنت أغير القافية سريعاً وأتناول غيرها. وهذا يضعف من الشعر الحر، لأنه يقوم على أبيات تتفاوت أطوال أشطرها وبذلك ينقص رنينها وموسيقاها. فلو زاد الشاعر القافية غنى ولم يغيرها سريعاً لأضفى على الوزن موسيقى تمسكه وتمنعه من الانفلات، ولهذا بت أدعوا إلى ان يرتكز الشعر الحر على نوع من القافية الموحدة، ولو توحيداً جزئياً، فذلك يزيده موسيقى وجمالا، ويحميه من ضعف الرنين وانفلات الشكل.

هذه المراجعة للنفس، وهذه القدرة على التوجيه والتنبيه والتحذير، فتحت على نازك بوابات الجحيم، وأنصاف الموهوبين من النقاد والدارسين والشعراء ويتهمونها بالتراجع عن موقفها المؤيد للشعر الحر، باعتبارها في طليعة رواده، وبأنها تنكرت لثوريتها الشعرية، وعدلت عن أفكارها التجديدية، وهو أسلوب يلجأ إليه دائماً الخطافون – أي الذين يخطفون الكلام دون تأمل أو روية، كما وصفهم طه حسين، ويسقطون عليه ما في نفوسهم من غرض ومرض. والواضح أن هذه التقديمات التي كتبتها نازك لدواوينها بالإضافة إلى كتابها الرائد والطليعي في مجاله "قضايا الشعر المعاصر" وثيقة لها قيمتها النقدية والتاريخية، ولا يزال الكثير من أفكارها حياً، مثيراً للجدل والحوار والتأمل، لم يفارقه ماء الجدة ولا عمق التناول والاستقصاء، والمتابع لكثير من قصائد الشعر الحر عند عدد من مبدعيه الكبار اليوم سوف يتأكد من صحة نبوءة نازك، وتوجهها الموسيقي، وهي تشير إلى نوع من القافية الموحدة والمترددة في سياق النصوص الشعرية، تزيدها إحكاماً وجمالاً وموسيقية، وتحميها – كما قالت نازك بحق – من الضعف والانفلات.
..........

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:11 PM
مقالة تتناول مجموعة نازك القصصية في سياق التراث العربي النسائي

نازك الملائكة قصاصة:

الأدب النسائي،

ومجموعة الشمس التي وراء القمة..

صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة عام 1999 المجموعة القصصية الأولى للشاعرة الرائدة نازك الملائكة، بعنوان الشمس التي وراء القمة. والكتاب يحتوي على سبع قصص تتناول موضوعات منوعة عُرف اهتمام الشاعرة بها، مثل القضايا الوطنية والقومية في "منحدر التل" و "قرابين لمندلي المقتولة" ، الحياة النفسية للمرأة في "الشمس التي وراء القمة" وعالم الأطفال وتجارب النضوج في "ظفائر السمراء عالية" ، وتجربة الاغتراب في الوطن في "ياسمين"، بالإضافة الى رؤية خاصة لعنيزة وامرؤ القيس في "رحلة في الابعاد." وهذا التنوع لا يأتي على حساب العمق في تناول الشخصيات وطرح الموضوع، ولا على حساب الأسلوب الشعري السهل الممتنع الذي عُرفت به الشاعرة. وبالرغم من ان كل من هذه القصص تستطيع الوقوف بمفردها مستقلة عن الأخريات، الا ان هاجساً مشتركاً يجمع بين العديد منها، وهو كيفية رسم صورة للشخصية النسائية العربية في عمل أدبي، بكل ما تطرحهُ هذه القضية من أبعاد وتعقيدات.

في مقدمة المجموعة التي اشترك في كتابتها زوج الشاعرة، د. عبد الهادي ، وابنها، يذكران ان هذه القصص قد كُتبت ما بين عامي 1958 – 1980 ، وان اثنتين منهما: "ياسمين"، و " قرابين لمندلي المقتولة" قد نُشرتا في مجلة الآداب البيروتية. وهنا يظهر سؤال نقدي يفرضه الفرق الواضح بين زمن كتابة القصص، وتوقيت نشرها: فهل يجدر بنا قراءة المجموعة في ضوء الأحداث ووسائل التفسير (الوجودية) الشائعة أثناء كتابتها، ام ان نتبع وسائل القراءة السائدة في وقت نشرها؟ ومن الواضح ان المشهد الأدبي تغير كثيراً خلال الأعوام الثلاثين الماضية، بل وقد ظهر أدب نسائي يعبر عن وجهات نظر الكاتبات الخاصة، وباتت له صفات تميزه تفرض نفسها على الساحة الأدبية حالياً. الرأي الذي أقدمه هو ان هذه المجموعة القصصية للشاعرة ترتبط أولا بالتراث العربي الشعري النسائي، ولكنها كذلك تحاول الخروج على بعض تقاليده عن طريق استخدام الأساليب التي تميز مرحلة الحداثة وما بعدها: مثل السعي لمراجعة التراث الأدبي وإعادة تقييمه من وجهة نظر نسائية معاصرة، واستخدام أسلوب تداعي الخواطر للتعبير عن المسكوت عنه، والسعي لكتابة تجارب الجسد النسائي من اجل رسم صورة إيجابية تستنبط قيماً أخلاقية اكثر أنصافا.

وليس كل هذا بغريب على الشاعرة نازك الملائكة. فهي قد تكون أول من تنباً بظهور أدب عربي نسائي خاص حين قالت في محاضرة ألقتها في بغداد عام 1953: "فنحن اذا سلمنا بالفوارق الجنسية بين الرجل والمرأة، لابد لنا ان ننتظر اختلافاً نوعياً بين مواهب الجنسين. ولاشك في ان التفكير النسوي سيكون وجهة نظر جديدة بالنسبة الى التفكير الإنساني."[1] ومما لا شك فيه انها كتبت مجموعتها القصصية هذه وهي تسعى للتعبير عن بعض جوانب وجهة النظر الجديدة التي تنبأت بها.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:12 PM
تجربة الاغتراب في الأدب النسائي:

مظاهر الاغتراب في الأدب النسائي كثيرة. فلم يتح المجتمع تقليدياً للمرأة الحرية التي أعطاها للرجل. ولنازك الملائكة رأي خاص في قضية المرأة والاغتراب نشرته في كتابها التجزيئية في المجتمع العربي حيث لاحظت ان وضع المرأة في الخمسينات من هذا القرن يجعل من الصعب تقييمها حسب المعايير الأخلاقية السائدة. فالتقييم الأخلاقي يتطلب حرية الاختيار بين خيارات متاحة يختار المرء بينها. والشاعرة تؤكد ان هذا القدر من الحرية لم يكن متاحاً للنساء في المجتمعات العربية:

بقيت المرأة طيلة هذه العصور في حالة من السلبية الكاملة التي تجعل كل حكم أخلاقي عليها غير ممكن. فقد انتهى بها القسر والإلزام الى ان تكون حياتها سلسلة طويلة من الامتناعات عن السلوك فلم تتصف بأية أخلاق إيجابية. وقد ادى بها احتفاظها بطاقاتها النفسية الخصبة في أعماق نفسها الى ان تستعيض عن السلوك بقناع خارجي، المقصود فيه ان يكون درعاً واقياً يحمي هذه الأعماق المشلولة من ان تلوح كسيرة سلبية لا كيان لها. وعلى هذا القناع انصبت الأحكام الخلقية.[2]

نرى في هذه الفقرة نقيضين: الأول، الأخلاق الإيجابية، وهي مبنية على حرية الاختيار التي كثيراً ما حرمت المرأة منها. اما الأخلاق السلبية، فهي تصرفات سليمة من وجهة نظر أخلاقية، ولكنها في الواقع"امتناعات" مبنية على القسر، ولذلك لا تدل على وجود صفات نفسية مميزة. وفكرة "القناع الخارجي" ، أي التصرف حسب ما يتوقع الآخرين من الفرد ان يتصرف، وتقبله لهذا النمط السلوكي عبر التعود، تُعرف ظاهرة الاغتراب في الأدب النسائي وتوضح مغزاها. فحتى لو بدت لنا تصرفات بطلة قصة او رواية سليمة، فهذه البطلة ستكون غير سعيدة، او غير ناضجة، لانها اقُسرت على هذه التصرفات، بدون ترو او تفكير. الاغتراب هنا ينتج عن عدم إتاحة الخيار الأخلاقي للإنسان.

ربما تعبر اشهر أبيات الأدب النسائي قاطبة عن هذا الوضع. الشاعرة هي ميسون بنت بحدل الكلبية. وقد كانت زوجة الخليفة الأموي معاوية، وام ابنه يزيد. ولكنها لم تكن سعيدة في القصر الملكي. وهكذا اشتكت من عدم تاقلمها مع الحياة في المدينة، وذكرت رغبتها بالسفر، فأجابها الزوج غاضباً ساخراً، "أنت في ملك عظيم ما تدركين قدره، وكنت قبل اليوم في العباءة." فرددت الأبيات التي عُرفت بها.

لبيت تخفق الأرواح فيه / احب الي من قصرٍ منيف

ولبس عباءةٍ وتقر عيني / احب علي من لبس الشفوف

وأصوات الريح بكل فج / احب الي من من نقر الدفوف.[3]

تعتمد هذه الأبيات على منطق المقارنة التفضيلية، وهو الأسلوب السليم للتعبير عن تعفف الشاعرة من حياة الملوك. ولكن ما يميز القصيدة هو تأكيد ميسون على رفض ما اختاره زوجها لنفسه ولها عبر تكرار "احب الي" في كل بيت، مما يعني ان القيم الأساسية التي تؤمن بها وطموحاتها تختلف عن قيمه وطموحه. وهذا هو الاغتراب الذي تعبر عنه الصور الحسية: فالشاعرة لا تستمتع بأصوات الطبول في الحفلات الملكية، ولا ترى أي قيمة للقصر المنيف الذي فعل زوجها ما يعرفه الناس عنه في سبيل الوصول له والإقامة فيه هو وذريته.

وموضوع الاغتراب يشكل الخلفية التي تتحرك أمامها بطلات الشمس التي وراء القمة. هناك مثلاً الشعور بعدم القدرة على الانتماء للتراث الأدبي والأخلاقي الذي خلفته أجيال سابقة في قصة "ظفائر السمراء عالية." هنا تقوم بطلة القصة ندى مع أخواتها بالبحث عن كنز مفقود منذ عشرات السنين في المنزل العتيق الذي يسكنون فيه. وهذا المنزل، الذي شُيد منذ حوالي مائة وخمسين عاماً قبل وقوع الأحداث عام 1932، يحتوي على غرف مغلقة منذ أجيال ترقد فيها بقايا الأثاث القديم وأدوات الطبخ وغيرها مما استخدمه الأجداد وتركوه ورحلوا. ففيه مرات خفية، وأقبية تحت الأرض، بل ويسكنه ملاك صالح. بسبب ارتباط هذا المنزل الواضح بالماضي في القصة، يمكن القول انه يرمز للتراث. تتوارد الخواطر التالية في نفس البطلة وهي تفكر فيه:

أننا نسكنه منذ ولدنا ومع ذلك لا نعرف عنه الا القليل. هناك غرف كثيرة وكبشانات مغلقة منذ زمن بعيد، وكأنها الغرفة رقم أربعين في تلك القصة من ألف ليلة حيث يعلقون البنات الجميلات من أهداب عيونهن. وهناك سرداب السن الرهيب الذي لا نعرف عنه الا انه شديد العمق تحت الأرض وقد مات فيه زوج العمة مريم من الرعب، وكلما مررنا به زلزلنا الخوف، وأحيانا نطل من الكوة الصغيرة التي نصبوها في أعلاه، فلا نرى الا الظلمات المخيفة ولا شيء غيرها. [4]

لا توجد دلالة على رمزية مساحة هذا المنزل خير من الاستشهاد بقصص ألف ليلة وليلة التي تبقى في لب التراث الأدبي الشرقي. ومن الواضح ان مشاعر البطلة تجاهه هي مزيج من الحب والرهبة. فهي تدرك انها لا تستطيع الخروج من الماضي الثقافي الذي يمثله منزلها كلية. بل انها تسكن فيه. ولكنها كذلك تخشى دخول جميع غرفه، وتذكرنا بأن الكثير من الفتيات حبسن في بعضها وما استطعن منها فراراً. هناك أيضا رجال ممن دخلوا لاستكشاف أروقة هذا التراث، وماتوا هناك. ولكن القصة أيضا تؤكد إمكانية وجود كنز مخفي في أحد هذه الأروقة. أي ان هناك فوائد كثيرة لدراسة تراثنا ومعرفته، ولكن على شرط الا يقيد هذا التراث الإنسان ويحد من إمكانياته المستقبلية.

"قرابين لمندلي المقتولة – قصة للعطاشى" تعبر أيضا بشكل رمزي عن الاغتراب ولكن هذه المرة بسبب الظروف السياسية. فلأحداث القصة تاريخ حزين: كانت مندلي قرية عراقية قُطع عنها الماء نتيجة لإنشاء دولة مجاورة لسد في الأربعينات. والقاصة، التي تخلد هذا الحدث المأساوي - القابل للتكرار في عصرنا – تخلق شخصيات خيالية ترفض هذا الوضع وتثور عليه وتحاول تغييره. أما موضوع القصة ، وهو العطش، فقد تناولته الشاعرة في مقال لها بعنوان: "العطش والتعطش في الأغاني العراقية" ، تدرس فيه الشعر النسائي الشعبي المغنى في العراق. وهي في بداية هذا المقال تذكرنا بأن الريف العراقي يعتمد على الزراعة، ولذلك ترتبط ظواهر الحياة الاجتماعية المختلفة السائدة فيه – ومنها بعض الرموز الشعرية الشائعة – بالماء بشكل او بآخر. وعن المغزى الأساسي الذي تعبر عنه هذه الأغاني الشعبية وما تدله على نفسية كاتباتها، تقول الشاعرة ما يلي:

فلو التفتنا الى أغانينا الشعبية لوجدنا في معانيها معنى عاماً يتكرر على صور كثيرة ويفاجئنا مختبئاً في الأبيات والمقاطع هنا وهناك. ذلك هو معنى الإحساس بما لا يتحقق، بأستحالة الوصول الى الغاية وبعدم القدرة على تحقيق ما يبدو قريب المنال.[5]

.

سكان الريف، خاصة النساء منهم، سيكن لدرجة كبيرة بسبب ظروفهن الاجتماعية أقل قدرة من الآخرين على تحقيق غاياتهن وما يطمحن اليه. ولذلك يعبرن عن أوضاعهن عبر رمز يتكرر كثيراً في قصائدهن وهو العطش الذي لا يمكن ان يرتوي. وقصة "قرابين لمندلي المقتولة" حين تتحدث عن انقطاع الماء، تعني أيضا نهاية الشعر ورموزه، والحياة الريفية الجميلة، وكل الظواهر الاجتماعية الأخرى التي ترتبط بالماء بشكل او بآخر. ولذلك تسمي الشاعرة مرثيتها لمندلي: "قصة للعطاشى" حيث يرمز العطش هنا لنهاية كل طموحات سكان القرية. وقد تكون هذه القصة الأولى من نوعها لا لأنها تتناول موضوع التصارع على موارد المياه المحدودة الذي نحس به الآن، والمتوقع ان يتفاقم في المستقبل، فحسب، بل لأنها توضح تأثير هذا الصراع على أفراد عاديين ترسم صوراً لهم.

ينتج عن عدم القدرة على الانتماء للقيم السائدة في هاتين القصتين وغيرهما خواص نفسية مميزة تقوم الشاعرة القاصة بتحليلها في "ياسمين". فبطلة هذه القصة، وداد، تعاني من عدم القدرة على التأقلم مع أفراد أسرتها بعد عودتها من رحلة استغرقت أربع سنوات الى الولايات المتحدة للدراسة. وهي تصف مشاعرها في الفقرة التالية:

ماذا يصنع البعد بنا؟ في أمريكا حسبت انه يقوم بعملية محو بطيء لما حملناه معنا من عالمنا القديم. انهم يحسبون اننا نكتسب كثيراً من حياتنا في الخارج بدون ان يتخيلوا الثمن الذي ندفعه. ان حياة البعد المنفصلة هذه ليست كلها مباهج، وتكاليفها الشعورية في الغالب باهظة، بعضنا يدفعها في الخارج، وبعضنا يدفعها فيما بعد. اننا نعود الى الوطن وقد تغيرنا وتراكمت في أنفسنا طبقات جديدة أجنبية الطبيعة تترسب في خلاياها وجوه غير مألوفة، وأصداء عبارات من مجالس مجهولة، ورؤى أماكن بعيدة، ودروب تتلوى في مزارع تختلف عن مزارعنا، وغرف في بنايات لا تشبه بناياتنا. [6]

اغتراب المرء عن قيم المجتمع الذي يعيش في وسطه يعني تمزق الوعي الى اكثر من جزء منفصلة عن بعضها البعض. هناك أولا عملية محو بطيء للقيم والصفات القديمة التي امتلكها الفرد وآمن بها في زمن ما، ثم تكون صفات جديدة مخالفة. الجديد والقديم يسكنان سوياً في حال صراع دائم، والشاعرة تعتمد على استعارات من علم طبقات الأرض للتعبير عن هذه الحقيقة: فالطبقات القديمة "تترسب في خلاياها" أفكار وصور جديدة معادية.

هناك الكثير من الرؤى الروحية، والكوابيس الليلية، في هذه المجموعة القصصية، وهي جميعاً تعبر عن عدم القدرة على الانتماء. فالنفس الممزقة لا يمكن جمع شملها بيسر. الكوابيس تنبع من تمزق الذات، وتعبر عن هذا التمزق. تصف بطلة "ياسمين" أحد كوابيسها في الفقرة التالية:

كان المكان كبيراً شاسعاً اشبه بمحطة قطار. وكانت معي حقائب ثقيلة، كثيرة. ثم اقبل إنسان لم أميزه في الحلم ووقف يكلمني لدقائق. وحين ذهب والتفت لم أجد حقائبي. كان مكانها فارغاً حين نظرت ولسبب ما أخافني هذا الفراغ، ولاح معارضاً للمكان الذي كانت تملاه حقائبي العديدة. ورحت ابحث في المحطة عن حقائبي، واصعد سلالم واهبط أخرى، سلالم تجري في دوائر كابوسية الطبيعة. وكنت ارى حقائبي كل مرة من بعيد فاثق من انني سأصلها بمجرد ان أدور حول التوائة السلم. ولكن الدرجات كانت تنتهي فجأة بجدار يبزغ من الفراغ وينتصب أمامي. او يسلمني السلم الى انحناءة لولبية هابطة تجعل حقائبي ابعد مما ظننت. ثم راحت الجدران تضيق وتتعاكس، والممرات تتعقد وتطول والسلالم تشتبك وانا لا اصل لاي مكان قط. ثم دوى صوت هائل وكان قطارين قد اصطدما واستفقت.[7]

حرفياً، تصف هذه الفقرة عدم قدرة المرء على الوصول لما يبتغيه. ولكن المعنى الأعمق هو ان النفس قد تمزقت، وان مساعي البطلة لرئب الصدع لن تجدي. فالحقائب ترمز لجزء من الذات تحاول البطلة الوصول اليه بلا جدوى. اما المساحة، فهي تجسد الذات البشرية، التي تتكون من سلالم " تجري في دوائر كابوسية الطبيعة." وجدران تنبثق من الفراغ فجأة وتحيل المرء عن تحقيق أحلامه. والتصادم الأخير بين القطارين يوضح ان أجزاء الذات المختلفة في حال تصارع دائم.

وقد كتب فرويد مقالاً مشهوراً عن الغرابة في الأدب "The Uncanny" حيث تحدث عن الطبيعة الكابوسية لاماكن بعينها، نراها لاول مرة، فتبدو وكأننا قد شاهدناها سابقاً، ولا نستطيع ان نتذكر متى. ولهذا السبب تشدنا هذه المساحات، ولا نستطيع منها فكاكاً. وفرويد يعتقد بوجود خلط بين المساحة والذات في هذه الأحوال، أي ان ما يشدنا لهذه الأماكن هو تعبيرها عن لحظات تكون الذات لاول مرة، حين ابتدأت النفس تدرك بعدها عن المساحة التي تحيط بها، وان المكان ليس جزءاً منها. وفي اغرب فقرات هذه المقال يقدم فرويد تجربة شخصية مر بها كمثال عما يتحدث بشأنه، والتجربة تشبه كثيراً الكابوس الذي ذكرناه أعلاه:

ذات صباح بينما كنت أتجول في الشوارع الفارغة لمدينة ريفية وجدت نفسي في منطقة حيث لاحظت النسوة ملونات الوجوه مطلات من الشبابيك. فهربت من الشارع. ولكن بعد تجواب طويل وجدت نفسي قد رجعت لذات الموقع حيث ابتدأ الناس يلاحظونني. حاولت الخروج من الشارع مرة اخرى، وتهت في حوار ضيقة كل منها يقودني لاخر حتى وجدت نفسي اعود لذات الموقع. وهنا أصابتني حال من الفزع، وقررت مسائلة أحدهم عن اقرب الطرق الى الفندق. [8]

يلاحظ فرويد ان تكرار عودته لذات الموقع، وفقدانه للسيطرة على المساحة، يمثلان نفسياً تراجعاً الى اللحظات الأولى لتكون الذات عبر عقدة أوديب، ولشعور الوعي لاول مرة بان الإنسان ليس جزءاً من جسد الام، وغيرها . فالعودة لذات الموقع، والتكرار، تعني بشكل رمزي ان الإنسان لم ينجح كلية في كبت هذه التجارب الأولية، مع ما فيها من شقاء وبؤس، ولذات ومتعة ينساها عبر عوامل الكبت. وفرويد يعتقد ان بعض اللذة التي يشعر بها الفرد أثناء قراءة الأدب تنتج عن نجاح الأديب في تذكيرنا، ولو جزئياً، بما نسيناه، أي كيفية تكون الذات عن طريق الانفصال عن الام والارتباط شيئاً فشيء بعالم الأب. الأعمال الأدبية حسب هذه الرؤية النفسية تنجح في التأثير على نفوس القراء لأنها تذكرهم بالأم التي يتم مسح صورتها من قبل الحضارة الإنسانية حتى تحتل مكانها صورة الأب والقيم والمبادئ التي يمثلها.

ومجموعة نازك الملائكة القصصية تتميز بصفة خاصة تفصل بينها وبين الكثير من أعمال الأدب النسائي المعاصر: فهي لا تحتوي على شخصيات أبوية قاسية تتحكم في البطلات – باستثناء الشخصيات السياسية المتسلطة على أرزاق العباد ورقابهم في قصة "قرابين لمندلي المقتولة." أما الآباء فهم موجودون ولكن في الخلفية، بينما تظهر خصال الأم الطيبة وحنانها واضحة جلية في غالبية القصص. وأعتقد ان الكابوس الذي ذكرناه أعلاه تنطبق عليه هذه القاعدة. فهو – مثل المثال المشابه له الذي يذكره فرويد – يرمز للأم، وللدور الأمومي الذي ترغب وداد، بطلة القصة، بأن تلعبه مع أختها الصغيرة ياسمين.

وللشاعرة نازك تجربة مأساوية مع والدتها قد تفيدنا في فهم أسباب احتلال الأم موقع الصدارة في هذه المجموعة القصصية: فقد كانت والدتها – أم نزار الملائكة – شاعرة كتبت أكثر قصائدها في موضوع القضية الفلسطينية ونشرت بعضها في الأربعينات لتحذر العرب من الخطر المحدق بهم، قبل قيام الدولة الإسرائيلية، وبعدها. وفي عام 1953، اكتشفت أسرة الملائكة ان أمهم مصابة بسرطان الدماغ، وكان أفضل الأطباء المتخصصين بالدماغ في العراق آنذاك من اليهود. وقد قرر الطبيب في بغداد تحويلها الى طبيب آخر يهودي أيضاً لأجراء العملية في لندن. وبالرغم من خوف الأم، وابلاغها لابنتها بأن هؤلاء الأطباء قد يؤذونها كعقوبة لها على ما نظمت من شعر، قررت الأسرة ان تسافر السيدة نازك مع والدتها الى لندن لأجراء العملية. ماتت الأم هناك. وقد كتبت الشاعرة آنذاك لوالدها رسالة طويلة للتعزية ذكرت فيها أن أمها كانت سعيدة في لندن، وأنها ماتت مبتسمة، وقالت كل ما يجدر بها قوله في هذا الوضع الحزين، ولكنها في ختام الرسالة عبرت عن مشاعرها قائلة: "ان من حسن الحظ أنكم لم تروها في أيامها الأخيرة، ويكفي أن أحمل هذا الألم الأبدي في قلبي. الألم الأكال العاصف. يا ألهي، يجب ان تساعدوني يا أبي على النسيان." وقد عاشت نازك في واقع الأمر أياما حزينة مريرة في لندن حتى تمت مراسم الدفن في مقبرة إسلامية هناك. والشاعرة، التي سعت لأحياء ذكرى أمها عن طريق جمع شعرها ونشره في ديوان باسم أنشودة المجد بعد سنوات، تأثرت كثيراً بهذه التجربة الحزينة، خصوصاً بتنبؤ أمها أن يقتلها الأطباء بسبب المواضيع التي تتناولها في قصائدها. وهي تعلق على هذا في المقدمة التي كتبتها لديوان والدتها اذ تقول: "قضيت أربعة أيام رهيبة في لندن لا أقوى على النوم. وكنت أتعذب بفكرة عنبر الموتى الذي ترقد فيه أمي الحبيبة. وكانت كلماتها لا تفتأ ترن في سمعي: انهم سيقتلونني." [9]

ومن المؤكد ان الدافع القومي قد اشتد قوة في نفس الشاعرة بسبب هذه المأساة الشخصية. ونتج عنه ان القضية الفلسطينية كان لها دور كبير في الكثير من دواوينها، وكتبها النثرية.

وهذه الرؤية النفسية لاغتراب المرأة، كعدم القدرة على الانتماء لعالم الأب، ومحاولتها لاسترجاع صورة الأم ومتابعة طريقها وتقبل قيمها، قد تكون مفيدة، لا في تحليل المجموعة القصصية التي نتناولها فحسب، بل لفهم الأدب النسائي عموماً. فعدم القدرة على الانتماء في كتابات النساء، كثيراً ما تنتج عن تمزق الذات الى قسمين من الصراع بينهما تنبع الكتابة والإبداع. القسم الأول، ينتمي لعالم الأب، ويطابق الكلام لمقتضيات الحال، ويخشى مغبة الصراحة الجارحة. انه القناع والدرع الواقي الذي تتحدث عنه الشاعرة في مقالتها التي استشهدنا بها أعلاه. اما القسم الثاني، المسكوت عنه عادة، والذي يمثل الأم، فيسعى للتعبير عن نفسه بعدة وسائل في العمل الأدبي، منها الكوابيس، وتوارد الخواطر، وكتابة الجسد، وغيرها. وعن استخدامات الشاعرة لبعض هذه الأساليب للتعبير عن قيم أمومية سنتحدث في بقية هذه الدراسة.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:12 PM
البحث عن قيم الأم عن طريق كتابة الجسد..

قد تكون كتابة الجسد محاولة للتفوق على تحكم الوعي الذي كونه المجتمع الذكوري، أي على الشعور بالاغتراب عن طريق السماح لتجارب جسدية مميزة لم يتم الحديث عنها من قبل بالظهور في العمل الأدبي. الجسد النسائي كثيراً ما ارتبط بالعار، او الضعف، او الخطيئة، والمرأة قد تشعر بانها غير قادرة على التعامل معه، بل وقد تحتاج لبدائل كثيرة حتى تتقبله.[10] والكتابة عن الجسد بطريقة اكثر إيجابية، والتأكيد على ان "انا" الكاتبة ترتبط بشكل ما بهذا الجسد، بدلاً من ان تنفر عنه، قد تكون مفيدة في التخفيف من حدة الاغتراب، مثلاً عن طريق خلق قيم جديدة ناتجة عن التجارب الجسدية، لم يتم تناولها في أعمال أدبية سابقاً. للجسد النسائي مثلاً القدرة على الإنجاب (أي خلق الحياة البشرية) ورعاية الطفل (عبر عملية الرضاعة). والتساؤل هنا هو: هل يمكن لهذه الخواص الجسدية ، والمزايا النفسية الموازية لها، ان تساهم في إنتاج عمل أدبي يقدم وجهات نظر مختلفة عما كتبه الرجال؟

كاتبات عربيات ينتمين للجيل التالي لنازك طرحن هذه الأسئلة، واختلفت إجاباتهن بشأنها. الأديبة المبدعة د. غادة السمان ترى في عملية الحمل والإنجاب خطراً على الكاتبة. فهي تقول في مقابلة مشهورة:

منذ الأيام الأولى (للحمل) شعرت اني مستعمرة. هناك كائن غامض في أحشائي يعطل كل طاقاتي الفكرية، شعرت اني أتآمر على الفنانة في أعماقي لصالح هذا الكائن الغريب. لم تكن علاقتنا ودية، فانا دوماً أثور ضد ما يحول دوني ودون تحقيق ذاتي ككاتبة، وقد ثرت على ذلك الكائن الطفيلي الذي يحتلني وينصب راياته في حواسي كلها. ثرت عليه ثورة من نوع غريب. ثورة سكونية. ثورة مستسلمة. فقدت القدرة على التفكير وفقدت القدرة على الكتابة.[11]

ترى غادة اذاً ان المرأة الحامل كائن ضعيف، غير قادر حتى على التفكير، ناهيك عن الخلق والإبداع. بل ان الجنين عبارة عن "كائن طفيلي" مثل أي جرثومة تصيب الإنسان بالمرض. وهذه الرؤية حسب تصوري الشخصي مثال جيد على اغتراب الجسد المؤنث في مجتمع رجولي القيم.

تقدم د. نوال السعداوي رؤية معاكسة اكثر تعقيداً عن علاقة الإنجاب بالكتابة. وهذا يحدث في قصة طويلة قديمة تُدعى الخيط، نشرتها الروائية المعروفة عام 1972. وأسلوب هذه القصة الغامضة يعتمد على تداعي خواطر البطلة التي يقترب حديثها من الهلوسة. في الفقرة التالية يبدو واضحاً ان البطلة تعقد مقارنة بين النجاح في عملية الكتابة الإبداعية، وعملية الإنجاب، وترى بينهما تشابهات كثيرة:

كالسحر، كالسر الخفي، يكمن في الكلمات القديمة حين أضعها الكلمة وراء الكلمة، فتصبح فوق السطر كلمات جديدة لم اسمعها ولم أقراها من قبل. لها نبض كنبض القلب. وامتدت يدي تتحسس قلبي فاذا بأصابعي تلتف حول جسم صغير، له رأس مستدير شعره ناعم، وله عينان واسعتان يشف سوادهما من تحته لوناً ازرق يترقرق كسطح بحيرة.[12]

بطلة نوال ترى في عملية الكتابة خلقاً للحياة بشكل ما. فللعمل الأدبي الجيد استقلاليته عن الكاتبة حتى يبدو كأن أبطاله قد قطعوا حبل السري وباتوا مستقلين عنها بالفعل. ولكن العلاقة بين العمليتين في قصة "الخيط" لغوية: فالمرأة تكتب رسالة لطبيبتها الغائبة وتتوقع أجابتها كما تشعر بنشاط جنينها داخل جسدها وتحادثه بينما هو لا يزال غير قادر على الرد عليها. هي تحيي الآخر عبر محادثتها له. وتجلب طبيبتها الغائبة للحضور عبر كتابة الرسالة، أي قصة الخيط لها وعنها.

في دراسة حديثة تقدح الشاعرة نازك الملائكة نُشرت في مجلة الرافد، انتقد د. بشرى موسى صالح استخدام الشاعرة لاسلوب محادثة الغائب، مدعياً ان هذا الأسلوب : "يبتلع صوت الآخر ويستبطنه في لعبة الأسئلة والأجوبة (الذاتية) وعلى نحو أدق افتعال الأسئلة وافتراض وجودها ووضع مصائرها في إجابات أحادية جازمة". والناقد يشتط غضباً من "الشكل الاسلوبي القائم على طغيان ضمير الأنا وتحولاته المرآتية اللسانية، اذ تغلب بنية الاستفهام والنداء والمناجاة والأسئلة التجريدية التي تبتلع أجوبتها في فضاء عدمي واضح تكون الذات فيه محوراً موضوعاً وخطاباً صارخاً."[13] والواقع ان عيون الشعر النسائي العربي، قديمه وحديثه، كتابات ليلى الأخيلية والخنساء، ونازك الملائكة، وغيرهن من الشاعرات ، تعتمد على أسلوب محادثة الغائب، والتعبير عن الشجن الذاتي لغيابه، نظراً لقدرة هذا الأسلوب على التعبير عن الحنين.. فأدب الرثاء الذي كتبت المرأة العربية اجمل أشعارها فيه، عبارة عن حديث عمن رحلوا، او معهم. وللمرأة قدرة اكثر من الرجل على الرثاء . فالطبيعة وهبتها شرف أنجاب الأطفال بمعاناتها. ومن يشعر بهذا القدر من الخصوصية بكيفية تكون الحياة، يقدرها حق قدرها، ويحزنه فقدانها. ومن أشهر من كتبن شعر الرثاء ليلى الاخيلية التي تحادث حبيبها توبة بعد وفاته في معركة معروفة، بالأبيات التالية:

فلا يبعدنك الله يا توبُ هالكاً أخا حرب ان دارت عليك الدوائر

فآليت الا أنفك أبكيك ما دعت على فنن ورقاء أو طار طائر .[14].

ومن المؤكد ان د. بشرى سيشتط غضباً من أسلوب هذا الشعر، الذي يتميز بالذاتية المفرطة.. (وان كان في الواقع يعبر عن الحزن لغياب الآخر.. أي على مشاعر معاكسة للذاتية المزعومة). وهذا شيء طبيعي في أحوال الشعر النسائي الذي يعبر عن عاطفة الحزن تجاه الموت لاسباب ذكرناها أعلاه.

ولكن د. بشرى يستمر في قدحه، اذ يشجب بقسوة ما يسميه : "الاضطراب في حركة الضمائر بين المخاطب والغيبة والمتكلم."[15] وهذه أيضا من خواص التراث الشعري النسائي في أحوال الرثاء: فمع انه يسعى بلاغياً لإحضار الميت وجلبه للحياة عن طريق رسم صورة له ثم محادثتها، الا ان الدارس سيلاحظ دائماً في أبياته خلطاً متعمداً بين المتحدث والمتحدث اليه، ينتج عنه ان الشاعرة نفسها تبدو وكأنها قد ماتت نتيجة لفقدان من رحل، وانها عادت للحياة مرة أخرى عبر تذكره. تقول الخنساء في آبيات معروفة:

يُذكرني طلوعُ الشمس صخراً / وأذكره لكل غروبِ شمسِ

ولولا كثرةُ الباكين حولي / على إخوانهم لقتلتُ نفسي[16]

من الواضح في هذه الأبيات ان الشاعرة تعتبر نفسها من الأموات بشكل ما. ولكن تذكر الأخ، ورؤية الأخريات الباكيات على إخوانهن، يهباها شيئاً من العزاء، ويبقيانها على قيد الحياة. وربما يكون هذا الإحساس بالموت روحياً في الدنيا، من ظواهر اغتراب الوعي النسائي الذي تخفف من حدته محادثة الغائبين وجلبهم للحياة عبر هذا الحوار التمثيلي، أي لعب دور الأمومة بشكل رمزي.

وهكذا اذاً نلاحظ ان غضب السيد د. بشرى موسى صالح، ليس على الشاعرة نازك الملائكة، فحسب، بل على خاصية تميز الأدب النسائي، قديمه وحديثه. فمن المؤكد ان هناك أخريات مثل رابعة العدوية ومثيلاتها من الناسكات ممن وجدن في كتابة الشعر للغياب والتعلق به، حياة ووجوداً روحياً مميزاً. وربما حان الوقت للنقاد لتعلم قراءة النصوص النسائية التي تختلف كثيراً عن نصوص الرجال، وتتطلب قراءتها النقدية لغة ورؤية مخالفة لتلك التي يمكن استخدامها لقراءة النصوص الرجولية. كما تلاحظ الناقدة آلين شوولتر، ان الأعمال الادبية النسائية تعتمد على : "قيم، تقاليد، تجارب، وسلوك مختلف ، يتجسد في أسلوب مغاير تستخدمه الأديبة للتعبير عن الذات المجنسة في العمل الأدبي."[17] وقد استشهدنا أعلاه بفكرة – نازك – عن وجهة نظر نسائية تخالف الرؤية الرجولية للأدب.

تستخدم الشاعرة نازك الملائكة أسلوب محادثة الغائب في قصتها "رحلة في الأبعاد" حيث تنتقل بطلة القصة، واسمها (شوق) خير رمز للتعبير عن التشوق لمن رحلوا، تنتقل في رؤية روحية الى العصر الجاهلي، وتشاهد امرؤ القيس وعنيزة. الشاعر يطاردها، وهي تجري قائلة: "فضحتنا. لا ام لك." ومن الواضح هنا ان هذا الحلم بالتحرر من الام، أي ان يكون الإنسان عظيماً لدرجة خلق نفسه، هو من أسس الخيال الرجولي. ولكن شوق تتهرب من الحديث في هذا الموضوع، وتطابق الكلام لمقتضيات الحال، قائلة: "انا افهم منها ان عنيزة تقول لامريء القيس انه إنسان فريد فذ رائع بحيث لا يمكن ان تكون له ام من البشر."[18] وهي ترسم الصورة التالية لعنيزة بعد رحيل حبيبها:

لقد رأيتها تقف وتسند ظهرها الى شجرة وتتطلع والهة الى الفارس المسرع وبقيت تتابعه ببصرها الحزين حتى غاب وراء الشجر الكثيف، ورأيتها تسند رأسها الى جذع الشجرة وتغمض عينيها وكأنها تسترد حلماً عزيزاً تخشى عليه الضياع.[19]

وهذه القصة جديدة في موضوعها، وفي أسلوب تناول هذا الموضوع. فهي ترسم صورتين لامرأتين وتعقد مقارنة بينهما: إحداهما ، التي تعيش اغترابها في الحاضر، ترحل لرؤية المرأة الأخرى في الماضي، وتجلب صورة للأخيرة الى الحاضر. والصورة تختلف نوعاً ما عن الصور النمطية الشائعة التي تعكس رؤية رجالية للنساء. وصف عنيزة في معلقة امرؤ القيس ماجن، بذيء. ولكن الشاعرة ترسم صورة مخالفة للشخصية النسائية.. انها اذاً محاولة لاستنطاق التراث ، وجلبه الى لب المعاصرة بطرق جديدة مشوقة تتيح للقارئ التفكر فيه، وخصوصاً في الشخصيات النسائية الموجودة في هذا التراث. اما سبب هذه الرحلة الروحية، فمن الممكن ان يكون تململ (شوق) برتابة حياتها. ومن المؤكد ان هذه التجربة جلبت لها الكثير من السعادة وأحيتها بشكل روحي تماماً مثل ما حدث لبطلة قصة "الخيط" ولغيرها ممن حادثوا الغائبين في الأعمال الأدبية.

تتناول قصة "الشمس التي وراء القمة" فكرة الإنجاب، ورؤية المجتمع للحامل، ورؤية هذه المرأة لنفسها، وعلاقة هذا كله بالإبداع الأدبي. فالقصة عبارة عن توارد خواطر هدى، البطلة، وهي تحت تأثير بنج موضعي بينما تجري لها عملية قيصرية. تمر في ذهنها الكثير من الكوابيس عن فكرة "العملية القيصرية" ذاتها: "العملية القيصرية نسبة الى أحد قياصرة الرومان وقد تعسرت ولادة زوجته وكاد الجنين ان يختنق، فامر ان تشق بطن الام بالسكين بلا رحمة. ومن دون اهتمام بها لاستخراج الطفل حياً."[20] الام اذاً عبارة عن مادة خام يستخدمها الملك الرجل لإنجاب ولي للعهد. لا قيمة لها في حد ذاتها. وهذه الرؤية للأمومة قد تتأثر بها المرأة – وتثور عليها – شاعرة ان الأمومة ضعف وسلبية، وان الكائن في داخلها مخلوق طفيلي يأخذ منها أغلى ما تملك : أي حريتها. وبطلة القصة تنتابها هذه الهواجس : "كنت أيام صباي احتقر العلاقة الجنسية وانفر من الزواج كله. وارتبط ذلك بازدرائي للمرأة الحامل، فقد كانت تبدو لي مغرقة في الحسية وضعيفة في آن واحد. "[21]

عبر التفكر في تجربة الإنجاب ، تصل هدى لمعرفة جديدة عن النفس والآخر. فهي تدرك أولا ان ازدرائها للمرأة الحامل انما هو تقبل لآراء اجتماعية شائعة، وهكذا تقول: "لقد لاحظت انني احب الأطفال فباي منطق أتعالى عن الحمل الآن؟ وبأي شرع احتقر المرأة الحامل؟"[22] وهذا الإدراك بأن الجنين سيتحول الى آخر، وانها تساهم في تكوينه عبر معاناتها الجسدية، تجعل من تجربة الحمل نشاطاً خصباً فعالاً وتعريفاً إيجابيا للأنوثة. "ان تضحيتها تربطها بالله، وتلمسها بشعاع الألوهية."[23]

الرؤية العامة التي تقدمها هذه المجموعة القصصية للمجتمع الإنساني تستند الى علاقة الجنين بأمه. فبطلات القصص جميعاً يقدرن المعاناة والبذل في جلب كل ما هو حي الى الوجود. بل ان نهى، بطلة قصة "الى حيث النخيل والموسيقى" تؤمن بان النخل والأشجار التي تحيا في وسطها انما هي كائنات حية تحس وتفهم. وهي تموت بعد موت النخلة التي أحبتها. مثل اعتماد الجنين على امه، اعتمدت نهى على الشجرة، والشجرة على نهى، وعاشا سوياً، وبفناء أحدهما يفنى الآخر.

وهذه الرؤية الخاصة للوجود كترابط الكائنات وعنايتها ببعضها البعض تختلف عن رؤى اخرى مثل نظرية دارون الذي يدعي ان كل ما في الكون يتصارع بعضه مع بعض، ووجهة نظر الماركسية التي تدعى ان علاقات الأفراد ببعضهم البعض وبالكائنات الحية الأخرى إنما هي استغلال مادي بشع. هذه النظريات الشائعة هي ما تنتقده هذه القصص. والرؤية التي تقدمها الشمس التي وراء القمة لمغزى الوجود البشري انما هي رؤية نسائية لان مثلها الأعلى هو علاقة الام بطفلها .

وهذه الرؤية بشكل عام هي التي تدعوا لها حركات تحرر المرأة العالمية حالياً، سواء اطلبت منا العناية اكثر بالأطفال، او احترام حقوق النساء، وحتى الرأفة بالكائنات الحية والعناية بالبيئة.

من المؤكد ان بعض قراء هذه القصص سينتقدون تحليلي هذا لها. وانا اعترف باني تناولت قصص الشاعرة نازك الملائكة في سياق الأدب النسائي العربي وقضايا المرأة نظراً لاعتقادي بأن هذا الجانب من عملها لم يلق ما يكفي من اهتمام النقاد. يبدو لي ان وصف تجربة الأغتراب الذي تعانيه بطلات القصص، والاعتماد على قيم مستقاة من الأم في هذا العمل بوصفها وسيلة للتحرر من هذا الأغتراب، بالاضافة لاستخدام أسلوب محادثة الغائب، كل هذه عوامل أساسية تجمع بين هذا العمل والأدب النسائي القديم والحديث.

هناك إمكانيات لقراءة هذه القصص من وجهات نظر أخرى أدرك بعضها. لاحظنا مثلاً في الصفحات السابقة تقدير الشاعرة للتراث الشرقي وولعها الواضح به في أكثر من مكان، ودراسة علاقة هذا النص، والأدب النسائي عموماً، بالفلسفة العربية والتراث الإسلامي، ممكن بل وضروري. وما يجعل هذه القضية اكثر أهمية بالنسبة لمجموعة الشمس التي وراء القمة هو ان نازك الملائكة لها مواقف مميزة معروفة تجاه التراث والحداثة، لم تُرض المغالين من الدعاة لأي منهما. ومن المؤكد انها كانت أكثر الأديبات العربيات تعرضاً للنقد والتعريض منذ الستينات حتى هذه الساعة بسبب مواقفها المعروفة. وقد لاحظت السيدة الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي ان الكثير من هذا القدح كانت له أسباب خفية تتعلق بجنس الشاعرة، أي بكونها امرأة تجرأت على التجديد في ميدان الشعر، حين لم يتوقع النقاد من النساء سوى التقليد او الصمت.[24] ولكن نازك في مجموعتها القصصية تسمو على هذا الأسلوب: اذ لا تنتقد شخصية لأنها ترمز لجنس أو تعمم ما هو فردي كما يحدث في بعض أعمال النقاد المحدثين. ولذلك: قد تكون أهم مزايا العمل الذي أنتجته، تأكيده ان الأدب النسائي يمكن ان يكون أنسانيا أيضا.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:13 PM
قصائد مغناة تحبها الشاعرة....


1ـ "جارة الوادي" لأحمد شوقي

لا أمسي من عمر الزمان ولا غد ... جمع الزمان فكان يوم رضاك

2- "الاطلال" لابراهيم ناجي:

اعطني حريتي واطلق يديا ... اني اعطيت وما استبقيت شيا

3ـ "الهوى والشباب" لبشارة الخوري:

اانا العاشق الوحيد لتلقى ... تبعات الهوى على كتفيا؟

4ـ "لست ادري" لاليا ابو ماضي:

جئت لا اعلم من اين ولكني اتيت ... وقد وجدت امامي طريقاً فمشيت

وسابقى سائراً ان شئت هذا ام ابيت

5ـ "الجندول" لعلي محمود طه:

ذهبي الشعر شرقي السمات ... مرح الاعطاف حلو اللفتات

6ـ "جفنه علم الغزل" لبشارة الخوري:

يا حبيبي اكلما ضمنا للهوى مكان ... اشعلوا النار حولنا فصرنا لها دخان

7ـ "لا تكذبي" لكمال الشناوي:

ما اهون الدمع الجسور اذا جرى ... من عين كاذبة فانكر وادعى

8ـ "اغداً القاك؟" للهادي آدم:

آه، كم اخشى غدي هذا وارجوه اقترابا ... كنت استدنيه، لكن هبته لما اهابا

9ـ "متى ستعرف" لنزار قباني:

انا احبك! حاول ان تساعدني ... فان من بدأ المأساة ينهيها

وان من فتح الابواب يطفئها ... وان من اشعل النيران يطفيها

10ـ "اغضب" لنزار قباني:

اغضب فانك رائع حقاً حين تثور ... اغضب فلولا الموج ما تكونت بحور

11ـ "قارئة الفنجان" لنزار قباني:

ما اصعب ان تهوى امراة ... ليس لها عنوان

12ـ "قصيدة الحزن" لنزار قباني:

علمني حبك سيدتي ما الهذيان ... علمني كيف يمر العمر ولا تاتي بنت السلطان

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:14 PM
قصائد

قصيدة : حب للرسول الكريم في صيغة معاصرة


البحر اغماء لحن حبٍٍٍِ، البحر زرقة
البحر طفل مسترسل الشعر ،
للضحى فوق مقلتيه انكسارةٌ
رفة , وشهقة
البحر تلهو عرائس الماء في تراميه الف جوقة
يلبسن غيماً ، ينشرن اجنحة من ضبابُ
عرائس البحر ضيعتني
زورق شوق هيمان في فضة العُبابُ
وصيرتني
فراشة الرغو والسحاب
وملء روحي وجه حبيبي
تسبيحة عذبة ونجمة
وبرد نسمة
وجه حبيبي اكبر من لانهاية البحر، من مداه
يسد اقطاره الزرق ،
يطوي طيورهُ، موجهُ، رؤاهُ
وجه حبيبي: زنابق ، اكؤس ، مياهُ
وجه حبيبي واللا نهايات في عالم واحدُ
ليس يشطر ولا يجزأ
يابحر قل: أين ينتهي ذلك الوجه؟
قل اين انت تبدأ؟
وجهُ بحارٌ اضيع فيها، وينطفيء ضوء كل مرفأ
ومقلتاهُ ،
اين ترى تنتهي ؟ وفي أي نقطة تبدأ البراءة؟
وما حدود الألوانِ فيها؟
كيف يمتص منها البحر ليلهُ؟
كيف يستعير الضحى ضيائه
وجه حبيبي، يا بركة الصحو والوضاءةِ
وجه حبيبي كسرهُ الموج واقتناهُ
أشعة، زورقاً، شراعاً
يحضن أفقاً ملوناً، يرتدي سماءه.
وكان قلبي، وكان قلبي
يسبح عبر استغراقةٍ خصبة المرايا
في موج غيبوبة وتيه ، في حلم حب
مضيعٍ في مروج هدبِ
يحوب لج البحار بحثاً ،
عن لؤلؤ ناصعٍ فيه ما في قلب حبيبي
من ألق السر، من عطورٍ، ومن خفايا
من نغم دافيء الهبوبِ
يتمتم النبع فيه وتنساب رياح الجنوب
كنت على البحر أترع البحر من منايا
وجاءني طائر جميل وحط قربي
وامتص قلبي
صب على لهفتي السكينة
ورش هدبي
براءة، رقة، ليونة
وقلتُ ياطائري، يا زبرجد
من اين اقبلت، أي نجم اعطاك لينه؟
يا نكهة البرتقال ، يا عطر ياسمينة
وما أسمك الحلو؟
قال : أحمد
وأمتلأ الجو من أريج الاسراء
طعم القرآنِ
وامتد فوق اغمائة البحر ضوءُ ،
من أسم أحمد
وقلت في لهفة أتوسلُ: أحمد ، أحمد
أحمد كانت عيناه بحراً
تسقي باب الوجود كانت تنشر عطراً
تنبت في الصخر مرج شذر وأقحوانِ
تسيل نهراً
من زعفرانِ
أحمد قد كان يانعاً تنتمي الدوالي الى جبينه
وفي عيونه
نكهة أرضي، وطعم نهري، وعطر طينهُ
أحمد قد لاذ بي، ونمى أهداب لحني
في ولهٍ راعش الحنانِ
أحمد من ضوئه سقاني
أحمد كان البخور والشمع في ومضاني
أحمد كان أنبلاج فجرٍ ، وكان صوفية الأغاني
وأحمد في مروج تسبيحةٍ رماني
كلا جناحيه بعثراني
كلا جناحيه لملماني
من أبد الضوء جاء أحمد
من غابة العطر والعصافير هل أحمد
عبر عطورِ القرآن ، عبر الترتيل والصومِ ، شع أحمد
من عمق اعماق ذكراتي
من سنواتي المختبآت
في شجر السرو ، من عطور الخشخاش واللوز
وجهُ أحمد
يا طائر الفجر
يا جناح الزنابق البيض ،
ياحياتي
يابعدي الرابع الموسد
في اعنياتي
ياطلعة المشمش المورد
في زمني ، عبر نهر عمري، في كلماتي
أحمد ، أحمد !
يا لونُ، يا عمق ، يا وجنة السر ، يا أنفلاتي
من جسدي
من سلاسلي
من ثلوج ذاتي
من كل أقفال أمنياتي
ياطائر الصمتِ ، والغموض الجميل ، يا شمعدان معبد
أنت المدى والصعودُ،
أنت الجمال والخصب ،
أنت أحمد
يا رمضاني ، يا سكرة الوجد في صلاتي
يا وردتي ، يا حصاد عمري ، يا كل ماضٍ ، يا كلُ آتٍ
وياجناحي نحو سمائي ونحو ربي
وياقطرة الله في شفاه الوجود ، ويا ظلتي ، وعشبي
أنقر تسابيح صوفية من علا شفتيا
بعثر قرائين بيضاً وخضراً في صحن قلبي
يا سُبُحاتي
يا صوم أغنيتي ،
و يا سنبلاً طرياً
اني انا حرقة المتصوف في عسق الفجر
أحمد ، أحمد
هل انت الا طائر ربي
يا ثلج صيفي ، يا لين سُحبي
يا ضوء وجهٍ يطلع لي من كل جهاتي
شرقي وغربي
ومن شمالي ، ومن جنوبي ، من كل تعريشة ودرب
يطلع أحمد ، يطلع أحمد ، وجهاً نبياً
ملفعاً بالغناء والأنجم الشمالية المحيا
أحمد ياصافياً مثل أمطار آذار
يا ثلج أول الموسم الرحيمِ
مثل رفيف الأهداب في أعين النجومِ
أحمد يا شاطيء الابدية
عبر سماءٍ روحية الصمت ، ليلكية
تشرب صوفية الغيوم
يا لاعباً بالضباب ، يا عطش المجدلية
أحمدُ ، أحمدُ
أنا ، وأنت ، الطبيعة ، البحر .. جو معبد
شمعة نذرٍ في خاطر المرتقي تتوقد
والله في حلمنا المورد
شباك عسجد
شباك عجسد
أحمد يا توق مقلتين
مضيئتين
خاشعتين
بالسر والعمق مملوءتين
ياوتراً من قيثارة الله ، يا وردُ ، يا بحة المؤذن
يا أثراً للسجود ندى جبين مؤمن
أنا وأحمد
أنا وأحمد
سكون ليلٍ ورجعُ تسبيحة تتنهد
يحبناالبحرُ والهديرُ
تعشقنا موجةٌ وتغازل اغنيتنا
عرائس الماء والصخورُ
نحن قرابين في المُصلى ، نحن نذورٌ
أنا وأحمد
نشوة قديسة تتعبد
سطور حب ممحوة خلفها سطورُ
نهر مديدٌ، ولا عبورُ
أنا وأحمد
يحبنا الليلُ يسهرُ
يشتاق أعيننا
وبأسمائُنا يتهجد
يلثم أقدامنا البحرُ يحملنا في اتجاهِ
بعد اتجاهِ
أواه لو أنت احببتنا انت يا ألهي!
ومقلتا أحمدٍ صلاةٌ
مغفرةٌ
موعدٌ
بسملة
جناحه يجرف الخوف ، والحزن من حياتي
يُزيحُ أستاري المُسدلة
يفتح في عمري كل بوابةٍ مقفلة
يمنحني للوجود شعراً ، أذان فجرٍ ، غيبوبةً ، ركعةً، سُنبلة
أحمد زنبقة الله تقطر في تنهداتي
أحمد فوق شواطيء وعيي: فكرٌ ، محبة
والبحر من دون مقلتيه موتٌ وغُربة
من دونه العمر جرف ليالٍ
مثل الخطايا ، سوداء ، رطبة
أحمد توبة
أحمد توبة
وطارت الطير في الصباح
طارت جميعاً تلعبُ في الغيم والرياح
وتنقر الضوء فوق بحرْ بلا انتهاء
ولم يطر أحمد ، ظل قربي
وظللتنا سحبٌ مبقعةٌ بالضياء
كنا نغني
للحب ، للبحر ، للسماء
كنا شراعين شاردين
مضيعين
في غاب لحن
تكسرت في غنائنا الشمس والمرافي واللانهاية
تكسرت كل ضحكاتنا ، كل أشواقنا في مدى حكاية
والمد جاء
يلثم اقدامنا، يتكسرُ
أحمد ، أحمد
نحن، انا، انت والاعالي،
ليلٌ وصمتٌ
والله في روحنا غناء

5 رمضان 1294
21 – 9 – 1974 م

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:16 PM
قصيدة : أنا

الليلُ يسألُ مَن أنا
أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكونْ
ولففتُ قلبي بالظنونْ
وبقيتُ ساهمةً هنا
أرنو وتسألني القرونْ
أنا من أكون ؟
الريحُ تسألُ مَنْ أنا
أنا روحُهَا الحيرانُ أنكرني الزمانْ
أنا مثلها في لا مكان
نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ
نبقى نمرُّ ولا بقاءْ
فإذا بلغنا المُنْحَنَى
خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ
فإذا فضاءْ !
والدهرُ يسألُ مَنْ أنا
أنا مثله جبارةٌ أطوي عُصورْ
وأعودُ أمنحُها النشورْ
أنا أخلقُ الماضيْ البعيدْ
من فتنةِ الأملِ الرغيدْ
وأعودُ أدفنُهُ أنا
لأصوغَ لي أمساً جديدْ
غَدُهُ جليد
والذاتُ تسألُ مَنْ أنا
أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في الظلام
لا شيءَ يمنحُني السلامْ
أبقى أسائلُ والجوابْ
سيظَلّ يحجُبُه سرابْ
وأظلّ أحسبُهُ دَنَا
فإذا وصلتُ إليه ذابْ
وخبا وغابْ

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:17 PM
قصيدة : عاشقة الليل

ظلامَ الليــلِ يا طــاويَ أحزانِ القلوبِ
أُنْظُرِ الآنَ فهذا شَبَحٌ بادي الشُحـــوبِ
جاء يَسْعَى ، تحتَ أستاركَ ، كالطيفِ الغريبِ
حاملاً في كفِّه العــودَ يُغنّـــي للغُيوبِ
ليس يَعْنيهِ سُكونُ الليـلِ في الوادي الكئيبِ

* * *

هو ، يا ليلُ ، فتاةٌ شهد الوادي سُـــرَاها
أقبلَ الليلُ عليهــا فأفاقتْ مُقْلتاهـــا
ومَضتْ تستقبلُ الوادي بألحــانِ أساهــا
ليتَ آفاقَكَ تــدري ما تُغنّـي شَفَتاهــا
آهِ يا ليلُ ويا ليتَــكَ تـدري ما مُنَاهــا

* * *

جَنَّها الليلُ فأغرتها الدَيَاجــي والسكــونُ
وتَصَبَّاها جمالُ الصَمْــتِ ، والصَمْتُ فُتُونُ
فنَضتْ بُرْدَ نَهارٍ لفّ مَسْــراهُ الحنيـــنُ
وسَرَتْ طيفاً حزيناً فإِذا الكــونُ حزيــنُ
فمن العودِ نشيجٌ ومن الليـــلِ أنيـــنُ

* * *

إِيهِ يا عاشقةَ الليلِ وواديـــهِ الأَغــنِّ
هوَ ذا الليلُ صَدَى وحيٍ ورؤيـــا مُتَمنِّ
تَضْحكُ الدُنْيا وما أنتِ سوى آهةِ حُــزْنِ
فخُذي العودَ عن العُشْبِ وضُمّيهِ وغنّـي
وصِفي ما في المساءِ الحُلْوِ من سِحْر وفنِّ

* * *

ما الذي ، شاعرةَ الحَيْرةِ ، يُغْري بالسمـاءِ ؟
أهي أحلامُ الصَبايا أم خيالُ الشعـــراء ؟
أم هو الإغرامُ بالمجهولِ أم ليلُ الشقــاءِ ؟
أم ترى الآفاقُ تَستهويكِ أم سِحْرُ الضيـاءِ ؟
عجباً شاعرةَ الصمْتِ وقيثارَ المســـاء

* * *

طيفُكِ الساري شحـوبٌ وجلالٌ وغمـوضُ
لم يَزَلْ يَسْري خيالاً لَفَّـه الليلُ العـريضُ
فهو يا عاشقةَ الظُلْمة أســـرارٌ تَفيضُ
آه يا شاعرتي لن يُرْحَمَ القلبُ المَهِيـضُ
فارجِعي لا تَسْألي البَرْقَ فما يدري الوميضُ

* * *

عَجَباً ، شاعرةَ الحَيْرةِ ، ما سـرُّ الذُهُـولِ ؟
ما الذي ساقكِ طيفاً حالِماً تحتَ النخيـلِ ؟
مُسْنَدَ الرأسِ إلى الكفَينِ في الظلِّ الظليـلِ
مُغْرَقاً في الفكر والأحزانِ والصمتِ الطويلِ
ذاهلاً عن فتنةِ الظُلْمة في الحقلِ الجميـلِ

* * *

أَنْصتي هذا صُراخُ الرعْدِ ، هذي العاصفاتُ
فارجِعي لن تُدْركي سرّاً طوتْهُ الكائنــاتُ
قد جَهِلْناهُ وضنَــتْ بخفايــاهُ الحيــاةُ
ليس يَدْري العاصـفُ المجنونُ شيئاً يا فتاةُ
فارحمي قلبَكِ ، لــن تَنْطِقُ هذي الظُلُماتُ

4-4-1945

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:17 PM
قصيدة : في وادي الحياة

عُدْ بِي يا زورقي الكَلِيـلا = فَلَنْ نَرَى الشاطيءَ الجَمِيـلا
عُدْ بِي إلى مَعْبـَدِي فـإنّي = سَئِمْتُ يَا زَوْرَقِـي الرَّحِيـلا
وضِقْتُ بالموجِ أيَّ ضِيـقٍ = وما شَفَى البحـرُ لي غَلِيـلا
إلامَ يا زورقي المُـعَنَّـى = نَرْجُو إلى الشَّاطِيءِ الوُصُولا؟
والمَوْجُ مِنْ حَولنـا جِبَـالٌ = سَدَّتْ عَلى خَطْوِنَا السَّبِيـلا
والأُفـقُ مِنْ حَولنا غُيُـومٌ = لا نَجْمَ فِيه لَنَـا دَلِيـلا
كَمْ زَورقٍ قبلَنـا تَوَلَّـى = وَلَمْ يَزَلْ سَـادِراً جَهـُولا
فَعُـدْ إلى معبدي بقلـبي = وَحَسْـبُ أيامنـا ذُهـولا
* * *
حسبُكَ يا زورقـي مَسيراً = لن يُخْدَعَ القلبُ بالسَّـرابِ
وارجِعْ، كما جِئْتَ ، غيرَ دَارٍ = قد حَلُكَ الجـوُّ بالسَّحَـابِ
وَمـَلَّ مجدافُـكَ الـمُعَنَّى = تَقَلُّـبَ المـوجِ والعُبَـابِ
ولم يَزَلْ معبـدي بعيـداً = خَلْفَ الدياجيـرِ والضَّبَـابِ
يَشُوقُني الصَّمْتُ في حِمَـاهُ = وَفِتْنَـةُ الأَيْـكِ والرَّوَابـي
عُدْ بيَ يـا زورقـي إليـهِ = قَدْ حَانَ ، يا زورقي ، إِيَابِـي
مَا كَفْكَفَ البَحْرُ من دُمُوعِي = ولا جَـلا عَنّـيَ اكْتِئَابـي
فَفِيمَ في مَوْجِهِ اضطرابـي؟ = وأينَ ، يا زورقي ، رِغَابِـي؟
* * *
تَائِهـَةٌ ، والحيـاةُ بحـرٌ = شَاطِـئُهُ مُبْعِـدٌ سَحِيـقُ
تَائِهـَةٌ والظـلامُ دَاجٍ = والصَّمْتُ تحتَ الدُّجَى عَمِيقُ
يَا زورقي آهِ لَـوْ رَجَعْنَـا = مِنْ قَبْل أَنْ يَخْـبُوَ البَرِيـقُ
انْظُرْ حَوَالَيْكَ ، أَيُّ نَـوْءٍ = تَجْمَدُ مِنْ هَوْلِـهِ العُـرُوقُ
البحرُ ، يا زَورقِي جُنُـونٌ = ومـوجُـهُ ثَائِـرٌ دَفُـوقُ
وَكُـلّ يَوْمٍ لـَهُ صَرِيـعٌ = في هَجْعَـةِ الموتِ لا يُفِيـقُ
وَأَنْتَ في الموجِ والدياجِي = يا زورقـي في غَـدٍ غَرِيـقُ
فَعُدْ إلى الأمْسِ ، عُدْ إليهِ = قـد شَاقَني أَمْسِيَ الوَرِيـقُ
* * *
مَاذَا وَرَاءَ الحياةِ ؟ مَـاذَا ؟ = أَيُّ غُمـُوضٍ ؟ وَأَيُّ سِـرِّ
وَفِيمَ جِئْنَا ؟ وَكَيْفَ نَمْضِي؟ = يـا زورقي ، بَلْ لأَيِّ بَحْـرِ
يَدْفَعُكَ الموجُ كُـلَّ يَـوْمٍ = أَيْـنَ تُـرَى آخِـرُ المَقَـرِّ
يا زورقي طَالَ بي ذُهُـولي = وَأَغْرَقَ الوَهْـمُ جَوَّ عُمْرِي
أَسْرِي كَمَا تَرْسُمُ المقادِيرُ لي = إلى حَيْـثُ لَسْـتُ أدْرِي
شَرِيدَةٌ في دُجَـى حَيَاتِـي = سَـادِرَةٌ في غُمُوضِ دَهْـرِي
فَخَافِـقٌ شَاعِـرٌ ، وَرُوحٌ = قَـالَ لـها الدَّهْرُ لا تَقَـرِّي
وَنَاطَهَـا بِالذُّرَى تُغَـنِّـي = وَتَنْظِمُ الكَوْنَ بَيْـتَ شِعْـرِ

12-6-1945م

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:18 PM
قصيدة : أغنية حب للكلمات

َفيمَ نخشَى الكلماتْ
وهي أحياناً أكُُفٌّ من ورودِ
بارداتِ العِطْرِ مرّتْ عذْبةً فوق خدودِ
وهي أحياناً كؤوسٌ من رحيقٍ مُنْعِشِ
رشَفَتْها، ذاتَ صيفٍ، شَفةٌ في عَطَشِ

* * *

فيم نخشى الكلماتْ ؟
إنّ منها كلماتٍ هي أجراسٌ خفيّهْ
رَجعُها يُعلِنُ من أعمارنا المنفعلاتْ
فترةً مسحورةَ الفجرِ سخيّهْ
قَطَرَتْ حسّا وحبّاً وحياةْ
فلماذا نحنُ نخشى الكلماتْ؟

* * *

نحنُ لُذْنا بالسكونِ
وصمتنا، لم نشأ أن تكشف السرَّ الشِّفاهُ
وحَسِبنا أنّ في الألفاظ غُولاً لا نراهُ
قابعاً تُخْبئُهُ الأحرُفُ عن سَمْع القرونِ
نحنُ كبّلنا الحروف الظامئهْ
لم نَدَعْها تفرشُ الليلَ لنا
مِسْنداً يقطُرُ موسيقَى وعِطْراً ومُنَى
وكؤوساً دافئهْ

* * *

فيم نخشى الكلماتْ؟
إنها بابُ هَوىً خلفيّةٌ ينْفُذُ منها
غَدُنا المُبهَمُ فلنرفعْ ستارَ الصمتِ عنها
إنها نافذةٌ ضوئيّةٌ منها يُطِلّ
ما كتمناهُ وغلّفناهُ في أعماقنا
مِن أمانينا ومن أشواقنا
فمتى يكتشفُ الصمتُ المملُّ
أنّنا عُدْنا نُحبّ الكلماتْ؟

* * *

ولماذا نحن نخشَى الكلماتْ ؟
الصديقات التي تأتي إلينا
من مَدَى أعماقنا دافئةَ الأحرُفِ ثَرّهْ ؟
إنها تَفجؤنا، في غَفْلةٍ من شفتينا
وتغنّينا فتنثالُ علينا ألفُ فكرهْ
من حياةٍ خِصْبة الآفاقِ نَضْرهْ
رَقَدَتْ فينا ولم تَدْرِ الحياةْ
وغداً تُلْقي بها بين يدينا
الصديقاتُ الحريصاتُ علينا، الكلماتْ
فلماذا لا نحبّ الكلماتْ؟

* * *

فيمَ نخشى الكلماتْ؟
إنّ منها كلماتٍ مُخْمليات العُذوبَهْ
قَبَسَتْ أحرفُها دِفْءَ المُنى من شَفَتين
إنّ منها أُخَراً جَذْلى طَروبهْ
عَبرَت ورديّةَ الأفراح سَكْرى المُقْلتين
كَلِماتٌ شاعريّاتٌ، طريّهْ
أقبلتْ تلمُسُ خَدّينا، حروفُ
نامَ في أصدائها لونٌ غنيّ وحفيفُ
وحماساتٌ وأشواقٌ خفيّهْ

* * *

فيمَ نخشى الكلماتْ؟
إن تكنْ أشواكها بالأمسِ يوماً جرَحتْنا
فلقد لفّتْ ذراعَيْها على أعناقنا
وأراقتْ عِطْرَها الحُلوَ على أشواقنا
إن تكن أحرفُها قد وَخَزَتْنا
وَلَوَتْ أعناقَها عنّا ولم تَعْطِفْ علينا
فلكم أبقت وعوداً في يَدَينا
وغداً تغمُرُنا عِطْراً وورداً وحياةْ
آهِ فاملأ كأسَتيْنا كلِماتْ

* * *

في غدٍ نبني لنا عُشّ رؤىً من كلماتْ
سامقاً يعترش اللبلابُ في أحرُفِهِ
سنُذيبُ الشِّعْرَ في زُخْرُفِهِ
وسنَرْوي زهرَهُ بالكلماتْ
وسنَبْني شُرْفةً للعطْرِ والوردِ الخجولِ
ولها أعمدةٌ من كلماتْ
وممرّاً بارداً يسْبَحُ في ظلٍّ ظليلِ
حَرَسَتْهُ الكلماتْ

* * *

عُمْرُنا نحنُ نذرناهُ صلاةْ
فلمن سوف نُصلِّيها ... لغير الكلماتْ ؟

(1954)

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:19 PM
قصيدة : الكوليرا

سكَنَ الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ, تحتَ الصمتِ, على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو, تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ, يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كلِّ فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزَّقَـهُ الموت
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ

* * *

طَلَع الفجرُ
أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر, أصِخْ, انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ, عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى, مَوْتَى, ضاعَ العددُ
مَوْتَى , موتَى , لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ

* * *

الكوليرا
في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ
في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ
استيقظَ داءُ الكوليرا
حقْدًا يتدفّقُ موْتورا
هبطَ الوادي المرِحَ الوضّاءْ
يصرخُ مضطربًا مجنونا
لا يسمَعُ صوتَ الباكينا
في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداء
في كوخ الفلاّحة في البيتْ
لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ

* * *

الصمتُ مريرْ
لا شيءَ سوى رجْعِ التكبيرْ
حتّى حَفّارُ القبر ثَوَى لم يبقَ نَصِيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ
الميّتُ من سيؤبّنُهُ
لم يبقَ سوى نوْحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهِبِ
وغدًا لا شكَّ سيلقفُهُ الداءُ الشرّيرْ
يا شبَحَ الهيْضة ما أبقيتْ
لا شيءَ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ, الموتُ, الموتْ
يا مصرُ شعوري مَزَّقَـهُ ما فعلَ الموتْ

( 1947)

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:20 PM
قصيدة : غرباء

أطفئ الشمعةَ واتركنا غريبَيْنِ هنـا
نحنُ جُزءانِ من الليلِ فما معنى السنا?
يسقطُ الضوءُ على وهمينِ في جَفنِ المساءْ
يسقطُ الضوءُ على بعضِ شظايا من رجاءْ
سُمّيتْ نحنُ وأدعوها أنا:
مللاً. نحن هنا مثلُ الضياءْ
غُربَاءْ
اللقاء الباهتُ الباردُ كاليومِ المطيـرِ
كان قتلاً لأناشيدي وقبرًا لشعـوري
دقّتِ الساعةُ في الظلمةِ تسعًا ثم عشرا
وأنا من ألمي أُصغي وأُحصي. كنت حَيرى
أسألُ الساعةَ ما جَدْوى حبوري
إن نكن نقضي الأماسي, أنتَ أَدْرى,
غُربَاءْ
مرّتِ الساعاتُ كالماضي يُغشّيها الذُّبولُ
كالغدِ المجهولِ لا أدري أفجرٌ أم أصيلُ
مرّتِ الساعاتُ والصمتُ كأجواءِ الشتاءِ
خلتُهُ يخنق أنفاسي ويطغى في دمائي
خلتهُ يَنبِسُ في نفسي يقولُ
أنتما تحت أعاصيرِ المساءِ
غُربَاءْ
أطفئ الشمعةَ فالرُّوحانِ في ليلٍ كثيفِ
يسقطُ النورُ على وجهينِ في لون الخريف
أو لا تُبْصرُ ? عينانا ذبـولٌ وبـرودٌ
أوَلا تسمعُ ? قلبانا انطفاءٌ وخُمـودُ
صمتنا أصداءُ إنذارٍ مخيفِ
ساخرٌ من أننا سوفَ نعودُ
غُربَاءْ
نحن من جاء بنا اليومَ ? ومن أين بدأنـا ?
لم يكنْ يَعرفُنا الأمسُ رفيقين .. فدَعنـا
نطفرُ الذكرى كأن لم تكُ يومًا من صِبانا
بعضُ حـبٍّ نزقٍ طافَ بنا ثم سلانا
آهِ لو نحنُ رَجَعنا حيثُ كنا
قبلَ أن نَفنَى وما زلنا كلانا
غُربَاءْ

( 1948)

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:20 PM
قصيدة : في وادي العبيد

ضاع عُمْري في دياجيرِ الحياة = وخَبَتْ أحلامُ قلبــي المُغْرَقِ
ها أنا وحدي على شطِّ المماتِ = والأعاصيــرُ تُنادي زورقي
ليس في عينيّ غيـرُ العَبَراتِ = والظلالُ السودُ تحمي مفرقي
ليس في سَمْعيَ غيرُ الصَرَخاتِ = أسفاً للعُمْـــرِ، ماذا قد بَقِي ؟
سَنَواتُ العُمْر مرّت بي سِراعا = وتوارتْ في دُجَى الماضي البعيدْ
وتبقَّيْتُ على البحْر شِراعـا = مُغرَقاً في الدمْع والحزنِ المُبيدْ
وحدتـي تقتلُني والعُمْرُ ضاعا = والأَسى لم يُبْقِ لي حُلماً "جديدْ"
وظلامُ العيْش لم يُبْقِ شُعَاعـا = والشَّبابُ الغَضُّ يَذْوي ويَبِيـدْ
أيُّ مأساةٍ حياتي وصِبايــا = أيّ نارٍ خلفَ صَمْتي وشَكاتي
كتمتْ روحي وباحتْ مُقْلتايا = ليتها ضنّتْ بأسـرار حياتـي
ولمن أشكو عذابـي وأسَايا ؟ = ولمن أُرْسـلُ هذي الأغنياتِ ؟
وحوالـيَّ عبيـدٌ وضحايـا = ووجودٌ مُغْـرَقٌ فـي الظُلُماتِ
أيُّ معنىً لطُموحي ورجائـي = شَهِدَ الموتُ بضَعْفـي البَشريّ
ليس في الأرض لُحزْني من عزاءِ = فاحتدامُ الشرِّ طبْعُ الآدمــيِّ
مُثُلي العُلْيا وحُلْمي وسَمَائـي = كلُّها أوهامُ قلبٍ شاعــريِّ
هكذا قالوا ... فما مَعْنى بَقائي ؟ = رحمةَ الأقدارِ بالقلب الشقــيِّ
لا أُريدُ العيشَ في وادي العبيـدِ = بين أَمواتٍ ... وإِن لم يُدْفَنـوا
جُثَثٌ ترسَفُ في أسْرِ القُيــودِ = وتماثيلُ اجتـوتْها الأَْعيُـــنُ
آدميّونَ ولكـنْ كالقُــرودِ = وضِبَاعٌ شَرْســةٌ لا تُؤمَــنُ
أبداً أُسْمعُهـم عذْبَ نشيـدي = وهُمُ نومٌ عميـقٌ مُحْـــزنُ
قلبيَ الحُرُّ الـذي لم يَفْهمـوهُ = سوف يلْقَى في أغانيــه العَزَاءَ
لا يَظُنّوا أَنَّهم قـد سحقـوهُ = فهو ما زالَ جَمَالاً ونَقَــاءَ
سوف تمضي في التسابيح سِنوهُ = وهمُ في الشرِّ فجراً ومســاءَ
في حَضيضٍ من أَذاهْم ألفـوهُ = مُظْلمٍ لا حُسْنَ فيه ، لا ضياءَ
إِن أَكنْ عاشقةَ الليلِ فكأسي = مُشْرِقٌ بالضوءِ والحُبِّ الوَريقِ
وجَمَالُ الليلِ قد طهّرَ نفسـي = بالدُجَى والهمس والصمْتِ العميقِ
أبداً يملأ أوهامــي وحسِّـي = بمعاني الرّوحِ والشِعْرِ الرقيـقِ
فدعوا لي ليلَ أحلامي ويأسي = ولكم أنتم تباشيرُ الشُــروقِ

8-8-1946

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:21 PM
قصيدة : الخيط المشدود في شجرة السرو

-1-

في سوادِ الشارعِ المُظلم والصمتِ الأصمِّ
حيثُ لا لونَ سوى لونِ الدياجي المدلهمِّ
حيثُ يُرخي شجرُ الدُفلى أساهُ
فوقَ وجهِ الأرضِ ظلاَّ ،
قصةٌ حدّثني صوتٌ بها ثم اضمحلا
وتلاشتْ في الدَّياجي شفتاهُ

-2-

قصةُ الحبّ الذي يحسبه قلبكَ ماتا
وهو ما زالَ انفجاراً وحياةَ
وغداً يعصرُكَ الشوقُ إليَّا
وتناديني فتَعْيَـى ،
تَضغَظُ الذكرى على صَدركَ عِبئا
من جنونٍ ، ثم لا تلمُسُ شيئا
أيُّ شيءٍ ، حُلمٌ لفظٌ رقيقُ
أيُّ شيءٍ ، ويناديكَ الطريقُ
فتفيقُ .
ويراكَ الليلُ في الدَّرْبِ وحيداً
تسألُ الأمسَ البعيدا
أنْ يعودا
ويراكَ الشارعُ الحالِمُ والدُفْلى ، تسيرُ
لونُ عينيكَ انفعالٌ وحبورُ
وعلى وجهك حبٌّ وشعورُ
كلّ ما في عمقِ أعماقِكَ مرسومٌ هناكْ
وأنا نفسي أراكْ
من مكاني الداكن الساجي البعيدْ
وأرى الحُلْمَ السَّعيدْ
خلفَ عينيكَ يُناديني كسيرا
..... وترى البيتَ أخيرا
بيتنا ، حيثُ التقينا
عندما كانَ هوانا ذلك الطفلَ الغَرِيرا
لونُهُ في شفتَينا
وارتعاشاتُ صِباهُ في يَدَيْنَـا

-3-

وترى البيتَ فتبقى لحظةً دونَ حِراكْ :
" ها هو البيتُ كما كان ، هناك
لم يزلْ تَحجبُهُ الدُفْلَى ويَحنو
فوقَهُ النَّارنجُ والسروُ الأغنُّ
وهنا مجلسنا ...
ماذا أُحسُّ ؟
حيرةٌ في عُمق أعماقي ، وهمسُ
ونذيرٌ يتحدَّى حُلمَ قلبي
ربما كانت .. ولكن فِيمَ رُعْبِي؟
هي ما زالتْ على عَهد ِهَوَانا
هي ما زالتْ حَنانا
وستلقاني تحاياها كما كنا قديما
وستلقاني ... " .
وتمشي مطمئناً هادئاً
في الممرِّ المظلم الساكن ، تمشي هازئا
بِهتافِ الهاجسِ المنذر بالوَهْم الكذوبِ :
" ها أنا عُدت وقد فارقتُ أكداسَ ذنوبي
ها أنا ألمحُ عينيكِ تُطِلُّ
ربما كنتِ وراءَ البابِ ، أو يُخفيكِ ظلُّ
ها أنا عُدتُ، وهذا السلَّمُ
هو ذا البابُ العميقُ اللونِ ، ما لي أُحجمُ ؟
لحظةً ثم أراها
لحظةً ثم أعي وَقْعَ خُطاها
ليكن.. فلأطرقِ البابَ ... "
وتمضي لَحَظَاتْ
ويَصِرُّ البابُ في صوتٍ كئيبِ النبراتْ
وتَرى في ظُلمةِ الدهليزِ وجهاً شاحبا
جامداً يعكسُ ظلاً غاربا :
" هلْ .. ؟ " ويخبو صوتُكَ المبحوحُ في نَبْرٍ حزينْ
لا تقولي إنها... "
" يا للجنونْ !
أيها الحالِمُ ، عَمَّن تسألُ ؟
إنها ماتتْ "
وتمضي لحظتانْ
أنت ما زلتَ كأنْ لم تسمعِ الصوتَ المثُيرْ
جامداً ، تَرْمُقُ أطرافَ المكانْ
شارداً ، طرفُك مشدودٌ إلى خيطٍ صغيرْ
شُدَّ في السرْوة لا تدري متى ؟
ولماذا ؟ فهو ما كانَ هناك
منذُ شهرينِ ، وكادتْ شفتاكْ
تسألُ الأختَ عن الخيطِ الصغيرْ
ولماذا علَّقوهُ ؟ ومتى ؟
ويرنُّ الصوتُ في سمعكَ : " ماتت.."
"إنها ماتتْ.." وترنو في برودِ
فترَى الخيطَ حِبالاً من جليدِ
عقدتها أذرُعٌ غابت ووارتها المَنُونْ
منذ آلافِ القُرونْ
وتَرى الوجهَ الحزينْ
ضخَّمتْهُ سحُبُ الرُّعب على عينيكَ . "ماتت.."

-4-

هي " ماتتْ " لفظةٌ من دونِ معنى
وصَدى مطرقةٍ جوفاءَ يعلو ثم يَفْنَى
ليسَ يعنيكَ تَواليه الرتيبُ
كلّ ما تُبصرُهُ الآنَ هو الخيطُ العجيبُ
أتراها هي شَدَّتهُ ؟ ويعلو
ذلك الصوتُ المُملُّ
صوتُ " ماتتْ " داوياً لا يضمحلُّ
يملأُ الليلَ صُراخاً ودويّا
" إنَّها ماتت " صدى يهمسهُ الصوتُ مليّا
وهُتافٌ رددتُه الظلماتُ
ورَوَتْهُ شجراتُ السروِ في صوتٍ عميقِ
" أنّها ماتت " وهذا ما تقولُ العاصفاتُ
" إنّها ماتتْ " صَدىً يصرخُ في النجمِ السحيقِ
وتكادُ الآنَ أنْ تسمعهُ خلفَ العروقِ

-5-

صوتُ ماتتْ رنَّ في كلِّ مكانِ
هذه المطرقةُ الجوفاءُ في سَمع الزمانِ
صوتُ " ماتت " خانقٌ كالأفعوانِ
كلُّ حرفٍ عصبٌ يلهثُ في صدركَ رُعبا
ورؤى مشنقةٍ حمراء لا تملكُ قلبا
وتَجَنِّي مِخلبٍ مختلجٍ ينهش نَهشا
وصدى صوتٍ جحيميٍّ أجَشَّا
هذه المطرقةُ الجوفاءُ : " ماتت "
هي ماتتْ ، وخلا العالَمُ منها
وسُدَىً ما تسألُ الظلمةَ عنها
وسُدَىً تُصغي إلى وقعِ خطاها
وسُدَىً تبحثُ عنها في القمر
وسُدَىً تَحْلمُ يوماً أن تراها
في مكانٍ غير أقباءِ الذِّكَرْ
إنَّها غابت وراء الأنْجُمِ
واستحالتْ ومضةً من حُلُمِ

-6-

ثم ها أنت هنا، دونَ حراكْ
مُتعَبَـاً ، تُوشِكُ أن تنهارَ في أرض الممرِّ
طرفُكَ الحائرُ مشدودٌ هناكْ
عند خيطٍ شُدَّ في السَّرْوَةِ، يطوي ألف سِرِّ
ذلك الخيطُ الغريبْ
ذلك اللغزُ المُريبْ
إنَّـه كلُّ بقايا حبِّكَ الذاوي الكئيبْ .

-7-

ويَراكَ الليلُ تَمشي عائدا
في يديك الخيطُ ، والرعشةُ ، والعِرْقُ المُدَوِّي
" إنَّها ماتتْ .. " وتمضي شاردا
عابثاً بالخيط تطويهِ وتَلوي
حول إبْهامِكَ أُخراهُ ، فلا شيء سواهُ ،
كلُّ ما أبقى لك الحبُّ العميقُ
هو هذا الخيطُ واللفظُ الصفيقُ
لفظُ " ماتتْ " وانطوى كلُّ هتافٍ ما عداه

1948

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:22 PM
قصيدة : دعوة إلى الأحلام

تعالَ لنحلُمَ ، إنَّ المسـاءَ الجميـلَ دنا
ولينُ الدُّجَى وخدودُ النُّجـومِ تُنـادِي بنا
تعالَ نصيدُ الرؤى ، ونعُـدُّ خُيـوطَ السَّنَا
ونُشْهِدُ منحدراتِ الرمـالِ على حُبِّـنَا

* * *

سنمشي معاً فوق صـدْرِ جزيرتنا السَّاهدة
ونُبْقي على الرملِ آثارَ أقدامِـنا الشَّاردة
ويأتي الصباحُ فيُلقي بأندائـهِ البـاردة
وينْبتُ حيث حَلُمْنا ولو وردةً واحـدة

* * *

سنحلُمُ أنَّـا صعدنا نَرُودُ جبـالَ القمرْ
ونَمرحُ في عُزلـةِ اللا نِهاية واللا بَشَرْ
بعيداً بعيداً ، إلى حيث لا تستطيعُ الذِّكَر
إلينا الوصولَ فنحن وراءَ امتدادِ الفِكَرْ

* * *

سنحلُمُ أنَّـا اسْتَحَلْنا صبيَّيْنِ فوقَ التـلالْ
بَريئَيْنِ نَركضُ فوقَ الصُّخورِ ونَرْعَى الجِمَالْ
شَرِيدَيْنِ ليسَ لنا مَنْزِلٌ غيرَ كـوخِ الخَيَالْ
وحِينَ نَنَامُ نُمَرِّغُ أجسادنا في الرِّمَـالْ

* * *

سنحلُمُ أنَّـا نسيرُ إلى الأمسِ لا للغَـدِ
وأنَّـا وصلنا إلى بابلٍ ذاتَ فجرٍ نَـدِ
حَبِيبَيْـنِ نَحْمِـلُ هـوانا إلى المَعْبَـدِ
يُبَارِكُنا كَاهِـنٌ بابلـيٌّ نَقِـيُّ اليَـدِ

* * *

28 - 9 - 1948

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:23 PM
قصيدة : مرثية امرأة لا قيمة لها

" صور من زقاق بغداديّ "



ذهبتْ ولم يَشْحَبْ لها خَدٌّ ولم ترجفْ شفاهُ
لم تسْمعِ الأبوابُ قصَّةَ موتِها تُرْوَى وتُرْوَى
لم ترتفعْ أستارُ نافذةٍ تسيلُ أسىً وشَجْوَا
لتتابعَ التابوتَ بالتحديـقِ حتى لا تـراه
إلا بقيَّـةَ هيكلٍ في الدربِ تُرْعِشُه الذِّكَرْ
نبأٌ تعثَّرَ في الدروبِ فلم يَجد مأوىً صـداهُ
فأوى إلى النسيانِ في بعضِ الحُفَـرْ
يَرثي كآبَتَهُ القَمَرْ .

* * *

والليلُ أسلمَ نفسَهُ دونَ اهتمـامٍ ، للصَّباحْ
وأتى الضياءُ بصوتِ بائعةِ الحليبِ وبالصيامْ
بِمُواءِ قِطٍّ جائعٍ لم تَبْقَ منه سوى عظـامْ
بِمُشاجراتِ البائعين ، وبالمـرارةِ والكفاحْ
بتراشُقِ الصبيان بالأحجارِ في عُرْضِ الطريقْ
بِمَساربِ الماءِ المُلَوَّثِ في الأزِقَّـةِ ، بالرياحْ
تلهو بأبوابِ السطوح بلا رفيقْ
في شبهِ نسيانٍ عميقْ

* * *

9-7- 1952

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:23 PM
قصيدة : صلاة الأشباح

تَململت الساعةُ الباردةْ
على البرج , في الظلمة الخامدةْ
ومدّتْ يداً من نُحاسْ
يداً كالأساطير بوذا يحرّكُها في احتراسْ
يدَ الرَّجل المنتصبْ
على ساعة البرج , في صمته السرمديّ
يحدّقُ في وجْمة المكتئبْ
وتقذفُ عيناهُ سيلَ الظلامِ الدَّجِيّ
على القلعة الراقدةْ
على الميّتين الذينَ عيونُهُمُ لا تموت
تظَلّ تُحدَّقُ , ينطقُ فيها السكوتْ
وقالتْ يد الرَّجُلِ المنتصِب:
"صلاةٌ , صلاهْ !"

* * *

ودبّتْ حياهْ
هناكَ على البُرْج , في الحَرَس المُتْعَبينْ
فساروا يجرّونَ فوق الثَّرَى في أناهْ
ظلالَهُمُ الحانيات التي عَقَفَتْها السنينْ
ظلالَهُمُ في الظلام العميقِ الحزينْ
وعادتْ يدُ الرجل المنتصِبْ
تُشير: "صلاةٌ , صلاهْ !"
فيمتزجُ الصوتُ بالضجّة الداويهْ ,
صدَى موكبِ الحَرَسِ المقتربْ
يدُقّ على كلّ بابٍ ويصرخُ بالنائمينْ
فيبرُزُ من كلّ بابٍ شَبَحْ
هزيلٌ شَحِبْ ,
يَجُرّ رَمَادَ السنينْ ,
يكاد الدُّجى ينتحبْ
على وَجْهِهِ الجُمْجُمِيّ الحزينْ

* * *

وسار هنالكَ موكبُهُمْ في سُكونْ
يدبّونَ في الطُّرقاتِ الغريبةِ , لا يُدْركونْ
لماذا يسيرونَ ? ماذا عسى أن يكونْ ?
تلوَّتْ حوالَيْهمُ ظُلُماتُ الدروبْ
أفاعيَ زاحفةً ونُيُوبْ
وساروا يجرّون أسرارَهُمْ في شُحُوب
وتهمسُ أصواتهم بنشيدٍ رهيبْ ,
نشيدِ الذينَ عيونُهُمُ لا تموتْ ,
نشيد لذاك الإلهِ العجيبْ
وأغنيةٌ ليد الرَّجُلِ المنتصبْ
على البرج كالعنكبوتْ
يدٌ من نحاسْ
يحرّكها في احتراسْ
فترسل صيحَتها في الدياجي
"صلاةٌ , صلاهْ "

* * *

وفي آخر الموكب الشَّبَحيّ المُخيفْ
رأى حارس شَبَحَيْن
يسيرانِ لا يُدْركان متى كان ذاك وأيْن ?
تحُزّ الرّياح ذراعيهما في الظلام الكثيفْ
وما زال في الشَّبَحينِ بقايا حياهْ
ولكنّ عينيهما في انطفاءْ
ولفظُ "صلاة صلاهْ"
يضِجّ بسَمْعَيْهما في ظلام المساءْ

* * *

" ألستَ ترى "
" خُذْهما ! "
ثم ساد السكون العميق
ولم يَبْقَ من شَبَح في الطريق

* * *

وفي المعْبَد البرْهميّ الكبير
وحيثُ الغموضُ المُثيرْ
وحيثُ غرابةُ بوذا تلُفّ المكانْ
يُصلّي الذينَ عيونُهُم لا تموتْ
ويَرْقُبُهم ذلكَ العنكبوتْ
على البرج مستغْرَقاً في سكوتْ ,
فيرتفعُ الصوت ضخْماً , عميق الصدى , كالزمان
ويرتجفُ الشَّبَحانْ

* * *

" من القلعةِ الرطبةِ الباردهْ
" ومن ظُلُمات البيوت
" من الشُرَف الماردهْ
" من البرجِ , حيثُ يدُ العنبكوتْ
" تُشيرُ لنا في سكوتْ
" من الطرقات التي َتعْلِك الظُلْمَةَ الصامتهْ
" أتيناكَ نسحَب أسرارَنا الباهتهْ
" أتيناكَ , نحن عبيدَ الزمانْ
" وأسرَاه نحن الذينَ عيونُهُم لا تموتْ
" أتينا نَجُرّ الهوانْ "
" ونسألُكَ الصفْحَ عن هذه الأعين المُذْنبهْ
" ترسّبَ في عُمْق أعماقها كلُّ حزْنِ السنينْ
" وصوتُ ضمائرِنا المُتعَبَهْ
" أجشٌّ رهيبُ الرّنينْ
" أتيناكَ يا من يذُرّ السُّهادْ
" على أعينِ المُذْنبينْ
" على أعينِ الهاربينْ
" إلى أمسِهِم ليلوذوا هناك بتلّ رمَادْ
" من الغَدِ ذي الأعين الخُضرِ . يا من نراه
" صباحَ مساءَ يسوقُ الزمانْ
" يُحدّق , عيناه لا تغفوان
" وكفَّاه مَطْويّتانْ
" على ألفِ سرٍّ . أتينا نُمرِّغ هذي الجباهْ
" على أرض معبدِهِ في خُشُوعْ
" نُناديهِ, دونَ دموعْ ,
" ونصرخ: آهْ !
" تعِبْنا فدعْنا ننامْ
"فلا نسْمع الصوتَ يَهْتف فينا : "صلاهْ !
" إذا دقَّتِ الساعة الثانيهْ ,
" ولا يطرق الحَرَس الكالحونْ
" على كل باب بأيديهم الباليه
" وقد أكلتْها القُرونْ
" ولم تُبْق منها سوى كومةٍ من عظامْ
" تعبنا... فدعنا ننامْ ..
" ننامُ , وننسى يد الرجل العنكبوتْ
" على ساحة البرج . تنثُرُ فوق البيوتْ
" تعاويذَ لعنتها الحاقدهْ
" حنانك بوذا , على الأعينِ الساهدهْ
" ودعها أخيرًا تموتْ

* * *

وفي المعبد البرهمي الكبيرْ
تحرّكَ بوذا المثيرْ
ومدّ ذراعيه للشبحَيْنْ
يُبارك رأسيْهما المُتْعَبيْنْ
ويصرخُ بالحَرَس الأشقياءْ
وبالرَّجُلِ المنتصبْ
على البرْج في كبرياءْ ,
" أعيدوهما! "
ثم لفَّ السكونُ المكانْ
ولم يبقَ إلا المساءْ ,
وبوذا , ووجه الزمان

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:24 PM
قصيدة : مرثية يوم تافه

لاحتِ الظلمةُ في الأفْق السحيقِ
وانتهى اليومُ الغريبُ
ومضت أصداؤه نحو كهوفِ الذكرياتِ
وغداً تمضي كما كانت حياتي
شفةٌ ظمأى وكوبُ
عكست أعماقُهُ لونَ الرحيقِ
وإِذا ما لمستْهُ شفتايا
لم تجدْ من لذّةِ الذكرى بقايا
لم تجد حتى بقايا
انتهى اليومُ الغريبُ
انتهى وانتحبتْ حتى الذنوبُ
وبكتْ حتى حماقاتي التي سَمّيتُها
ذكرياتي
انتهى لم يبقَ في كفّيّ منه
غيرُ ذكرى نَغَمٍ يصرُخُ في أعماق ذاتي
راثياً كفّي التي أفرغتُها
من حياتي , وادّكاراتي , ويومٍ من شبابي
ضاعَ في وادي السرابِ
في الضباب .
كان يوماً من حياتي
ضائعاً ألقيتُهُ دون اضطرابِ
فوق أشلاء شبابي
عند تلِّ الذكرياتِ
فوق آلافٍ من الساعاتِ تاهت في الضَّبابِ
في مَتاهاتِ الليالي الغابراتِ .
كان يوماً تافهاً . كان غريبا
أن تَدُقَّ الساعةُ الكَسْلى وتُحصي لَحظاتي
إنه لم يكُ يوماً من حياتي
إنه قد كان تحقيقاً رهيبا
لبقايا لعنةِ الذكرى التي مزقتُها
هي والكأسُ التي حطّمتها
عند قبرِ الأمل الميِّتِ , خلفَ السنواتِ ,
خلف ذاتي
كان يوماً تافهاً.. حتى المساءِ
مرت الساعاتُ في شِبْهِ بكاءِ
كلُّها حتى المساءِ
عندما أيقظَ سمعي صوتُهُ
صوتُهُ الحُلْوُ الذي ضيّعتُه
عندما أحدقتِ الظلمةُ بالأفْقِ الرهيبِ
وامّحتْ حتى بقايا ألمي , حتى ذنوبي
وامّحى صوتُ حبيبي
حملت أصداءه كفُّ الغروبِ
لمكانٍ غابَ عن أعينِ قلبي
غابَ لم تبقَ سوى الذكرى وحبّي
وصدى يومٍ غريبِ
كشحوبي
عبثاً أضرَعُ أن يُرجِعَ لي صوتَ حبيبي

1948

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:25 PM
قصيدة : الحرب الثانية

لم يكد يستفيق من حربه الأولى ويهنا حتى رمته الرزايا
رحمة يا حياة حسبك ما سال على الأرض من دماء الضحايا
انظري الآن هل ترين سوى آثار دنيا بالأمس كانت جنانا
ليس من سحرها سوى سود أحجار تثير الدموع والأشجان
أين نعماك يا بقايا القصور البيض أين الأزهار والأطيار
هجرتك الطيور غير غراب وجفاك الأريج والاخضرار
أين أهلوك؟ حدثيني ماذا يا ركام الأنقاض كان المصير؟
أين يحيون؟ أي كهف من الأرض رواهم أساه والديجور؟
أين أهلوك يا قصور أتحت الثلج أم مزقتهم القاذفات
أسفاً ضاقت الميادين بالقتلى وما عاد يدفن الأموات
في سفوح الجبال تحت ذرى الأشجار خلف القصور والأكواخ
ليس غير الموتى عظاماً ذابلاً وغير اكتآبة وصُراخ
يا ملاك السلام أقبل من الأجواء واهبط على الوجود الكئيب
إبك للراقدين في وجمة الموت وأشرق على الظلام الرهيب
طف بهذي القرى لتلمس آهات الحزانى والساغبين الظماء
وأرحم الصارخين في سُرر الأمراض بين الأحزان والأدواء
طف بأنقاض عالم ليس يدري هل سيحظى بمبهجات الحياة؟
هو إن نام لحظة هب مذعوراً ليبكي ويرسل الآهات
ما دري حين أضرم الحرب إلا حلم النصر والفخار العظيم
يا لقلب المسكين! ما ينفع المجد لقلب مُلوع مصدوم
فليفق حسبه خيالاً وأوهاما ليلقى ما قد جنت كفاه
عالم مظلم يضج به المرضى ويشكو من الطوى أبناه
جف زهر الرياض والورق النضر وآوت إلى الجفاف الحقول
أسفاً لم تدع لنا الحرب شيئاً وتلاشى الحلم الطروب الجميل
من ترى يحرث الحقول ويشدو أغنيات المراح وقت الحصاد
أين لهو الأطفال عند البحيرات وفوق الثلوج في الأعياد
أين؟ ضاع الخيال والحلم الفاتن ضاع الجمال ضاع الرخاء
ليس إلا دينا من الجوع والفقر عليها يعذب الأبرياء
يا قلوب الأطفال لا تخفقي الآن حنيناً لن يرجع الآباء
هكذا شائت السنين فرفقاً بعيون قد عض فيها البكاء.
الحرب الثانية..

أنظري، هل ترين غير بقايا ذلك العالم الجميل الخصيب؟
هل تبقى منه سوى دمت جدباء في قبضة الدمار الرهيب؟
يا قصوراً بالأمس كانت هنا يضحك من حولها ندى واخضرار
أصبحت مسكن الخراب وجفت في حماها العطورُ والأزهار
أين أهلوك يا قصور؟ وفي أي قبور ثووا أتحت الثلوج؟
أم ترى مزقتهمو قاذفات النار في عاصف رهيب الأجيج؟
أسفاً يا قصورُ أهلكُ ناموا فوق صدر الثرى عُراة الصُدور
رقدوا حاسري العظام فلا قبر لهم في التُراب أو في الشعور
في سفوح الجبال، تحت ذرى الأشجار خلف الضياء والظلماء
ليس غير الموتى عظاماً وأشلاء وغير اكتئابه وبكاء
يا نشيد السلام يا ساكناً في قعر أحلامنا وراء مُنانا
رف فوق الدنيا الحزينة وابعث لحن حب في تيهنا ودجانا
طف بأنغامك النشاوى على هذي القرى المُستباحة المهدومة
بنداك الرحيم رطب شفاها ظامئات أو جبهة محمومة.
طف بأنقاض عالم ليس يدري أترى للدماء بعد بقية؟
راسف في الدجى، ويسمع بالفجر حديثاً وقصة مروية
كانت الحرب يوم أشعلها صورة حلم مضوأ الأستار
غلفوها له بومض بريق من سنا المجد والرؤى والفخار
فإذا نبعُها دمٌ وشذاها لهبٌ أكلُ اللظى وهجيرُ
وإذا مجدها شقاء طويلُ ليس ينجاب ليله المحرور.
جف زهرُ التلال والورقُ النضر وآوت إلى الجفاف الحقولُ
أسفاً لم تدع لنا الحربُ شيئاً وتلاشى الحُلم الطروبُ الجميلُ
من ترى يحرثُ الحقول الجديبات؟ وأين اختفت أغاني الحصاد
أين لهو الأطفال عند البحيرات النشاوى في بهجة الأعياد؟
يا قلوب أطفال لا تخفقي الآن حنيناً لن يرجع الآباء
ذلك الحلم في مآقيكم الولهى طوته المنيةُ السوداءُ
وبقايا الآباء نهب غُبار الأرض صماء شاخصات العيون
أيُ معنى في هذه الأعين الغرقى، من الصمت والذُهول الحزين؟
كلُ عينين فيهما صورةُ تبكي وترثى للعالم المغرور
كل عينين تسخران من العيش وتستهزآن بالمقدور
كل عينين تنظران إلى الأفق بعيداً عن كل ما في الحياة
آه يارب، آه لو فهم الأحياءُ ماذا في أعينُ الأموات
يا فتاة الأحلام حسبُك شدواً برثاء القتلى وحسبك حزنا
سوف يفنى هذا النشيد ويبقى الشر في الأرض خالداً ليس يفنى
فلماذا إذن مشى العالمُ المجنونُ للموت والأذى والدمار
فيم تحدو الشعوب أطماع غر يتصبى عينيه وهج النار
أعن النصر يبحثون؟ وهل نصر لمن تستذله الأهواء
هل فخار وحولنا عالم يملؤه الجائعون والأشقياء؟
نحنُ أسرى يقودنا القدرُ الأعمى إلى ليل عالم مجهول
وسنين الحياة نوم ونصحو ذات يوم على نداء الرحيل
وطبول النصر العظيم غداً تفنى وتغفو في قبرها المقدور
وتُضيعُ الرياحُ في أفق العالم ذكرى المنصور والمدحور
وصحا العالم العميق الأسى وأنتهت الحربُ بانتصار المنايا
شهدت هذه القبور لها بالنصر رحمتا لتلك الضحايا
ثم ماذا يا ساكني العالم الموجوع ماذا من القتال جنينا؟
هل وصلنا إلى النجوم الحوالي ولمسنا أسرارها بيدينا؟
هل غلبنا الشقاء والفقر في أرجاء هذا الكون الطعين الذليل؟
والصغار العراة هل وجدوا مأوى ودفئاً عبر الشتاء الطويل؟
والأذى والشرور هل دحرتها الحرب يا من حملتموها لظاها؟
أسفاً لم يزل على الأرض من يتخذ الكأس والمجون إلها.
لم تزل في الوجود أغنية تقطر حزناً على شفاه جياع
في هتافات لاجئين ومتهم محنة الحرب للضنى والضياع
كل شيء باق كما كان قبل الحرب غير الأيتام والأموات
غير ظل من الكآبة والحيرة يمشي على ضفاف الحياة
هؤلاء الأيتام بالأمس كانوا صورة البشر والمزاح الجميل
تحت ظل الآباء يقضون عيشاً ما دروا غير صفوه المعسول
وأفاقوا من حلمهم فإذا الآمال حربٌ والذكريات دُخان
يا عيون الأطفال لا تسألي الدينا فقد مات في القلوب الحنانُ
في سبيل المجد المزيف هذا الهول لا كان مجدهم لا كانا
في سبيل النصر المموه عاد العالم الحلو في اللهيب دخانا
هؤلاء الصرعى على الشوك والصخر شباباً وصبية وكهولا
كيف كانوا بالأمس؟ أيةُ رؤيا رسموها فلم تهش طويلا؟
أيها الأشقياءُ في الأرض يا من لم تُمتهم قذائفُ النيران
عبثاً تأملون أن يرجع الآن أغزاءوكم إلى الأوطان
انظروا ها هم الجنود يعودون فرادى مُهشمي الأعضاء
آه لولا بقية من حياة لم يُعدوا في جملة الأحياء
عبثاً يبحثون في هذه الأنقاض عن أهلهم وعن مأواهم
عبثاً يسألون ما يعلم العابر شيئاً فيا لنار أساهم
كيف ذاقوا مرارة الخيبة المرة بعد العذاب والأوصاب؟
أتراهم نجوا من الموت كي يحيوا بلا رفقه ولا أحباب؟
أين تلك البيوت يلمع فيها الضوء والحب أين من سكنوها
أين أطفالهم ورجع أغانيهم وتلك المُنى التي صوروها؟
أيها الأشقياء يا زُمر الأحياء في كل قرية وصعيد
آن أن نستعيد ماضي حب هو مفتاح حلمنا المفقود
ما الذي بيننا من الحقد والبغضاء؟ ما كان سر هذا الدمار؟
أيها الأشقياء نحن جميعاً لعبة في مخالب الأقدار
نحنُ نحيا في عالم ليس يُدري سرهُ فهو غيهب مجهول
تطلع الشمس كل يوم فما كنه سناها، وفيم كان الأفول
ما الذي يطلع النجوم على الكون مساء ما كنه هذا الوجود
أي شيء هذا الفضاء؟ وما سر دجاه؟ هل خلفه من حدود؟
فيم نقضي حياتنا في العداوات ونُمضي السنين يأساً وحزنا
كيف ننسى أنا نعيش حياة الورد وسرعان ما يموت ويفنى
لن تدوم الأيام لن تحفظ الدينا كياناً لكائن بشري
فلندع هذه الضغائن والأحقاد ولنحيا للوداد النقي

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:25 PM
قصيدة : الأفعوان

أين أمشي؟ مللت الدروب
وسئمت المروج
والعدو الخفي اللجوج
لم يزل يقتفي خطواتي ، فأين الهُرُوب؟
الممراتُ والطُرُقُ الذاهبات
بالأغاني الى كل أفق غريب
ودروبُ الحياة
والدهاليزُ في ظُلماتِ الدُجى الحالكات
وزوايا النهار الجديب
جبتُها كلها، وعدوي الخفيُ العنيد
صامدٌ كجبال الجليد
في الشمالِ البعيد
صامدٌ كصمود النُجُوم
في عيونٍ جفاها الرُقاد
ورمتها أكُفُ الهموم
بجراحِ السُهاد
صامدٌ كصُمود الزمن
ساعة الانتظار
كلما امعنت في الفرار
خُطواتي تخطي القُنن
وأتاني بما حطمته جُهودُ النهار
من قيودِ التذكر... لن أنشدُ الانفلاتُ
من قيودي ، وأي انفلات
وعدوي المخيف
مقلتاه تمجُ الخريف
فوق روحٍ تُريدُ الربيغ
لاكف الضياع
أسمعُ الصوت ملء البقاع
فأسير لعلي افيق
من دياجير كابوسي الأبدي الصفيق
ربما سيضل عدوي الطريق
ما أحب المسير وليس ورائي خُطى مائتة
تتمطى بأصدائها الباهتة
في محاني طريقي الطويل
انه لن يجيء
لن يجيء وان عبر المستحيل
ابداً لن يجيء
لن يراه فؤادي البريءُ
من جديد يثيرُ الرياح
لتسد على السبيل
في هدوء الصباح
أبداً لن يجيء
لن يجيء!
وأسمع قهقهة حاقدة
انه جاء.. يا لضياع رجائي الكسير
في دجى اللابرنت الضرير
وأحس اليد المارده
تضغطُ البرد والرعب فوق هدوئي الغرير
بأصابعها الجامدة
انه جاء .. فيم المسير؟
سأودع حُلمي القصير
وأعود بجثته الباردة.
وتمر تمر الحياة
وعدوي الخفي العنيد
خلف كل طريق جديد
في ليالي الاسى الحالكات
خلف كل سحر
وأراه يطل علي مع المنتظر
مع أمسي البعيد
مع ضوءِ القمر
في الفضاء المديد
أين أين المفر
من عدوي العنيد
وهو مثل القدر
سرمدي، خفي ، أبيد
سرمدي، أبيد.

1948

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:26 PM
قصيدة : ذكريات الطفولة

لم يزل مجلسي على تلي الرملي يُصغي إلى أناشيد أمسي

لم أزل طفلة سوى أنني قد زدتُ جهلاً بكُنه عُمري ونفسي

ليتني لم أزل كما كنتُ قلباً ليس فيه إلا السنا والنقاء

كل يوم أبني حياتي أحلاماً وأنسى إذا أتاني المساء

في ظلال النخيل أبني قلاعاً وقصوراً مشيدةً في الرمال

أسفاً يا حياةُ أين رمالي وقصوري؟ وكيف ضاعت ظلالي

إيه تل الرمال ماذا ترى أبقيت لي من مدينة الأحلام

أين أبراجُها العليات هل تاهت وراء الزمان في أوهامي

ذهب الأمسُ لم أعُد طفلة ترقُب عش العصفور كل صباح

لم أعُد أبصر الحياة كما كانت رحيقاً يذوب في أقداحي

لم أعُد في الشتاء أرنو إلى الأمطار من مهدي الجميل الصغير

لم أعُد أعشق الحمامة أن غنت وألهو على ضفاف الغدير

كم زهور جمعتها وعطور سرقتها الحياةُ لم تُبق شيا

كم تعاليل صغتها بددتها وتبقى تذكارها في يديا

كنت عرشي بالأمس يا تلي الرملي والآن لم تعد غير تل

كان شدو الطيور رجع أناشيدي وكان النعيم يتبع ظلي

كان هذا الوجود مملكتي الكبرى فياليتها تعود اليا

ليت تل الرمال يسترجع الأسرار والشعر والجمال الطريا

لم أعد استطيعا ان احكم الزهر وأرعى النجوم في كل ليل

هل أنا الآن غير شاعرة تُدرك سر الكون الجديب المُمل

ذهب الأمس والطُفولة واعتضت بحسي الرهيف عن لهو أمسي

كل ما في الوجود يؤلمني الآن وهذي الحياة تجرح نفسي

لقد تجلت لي الحقيقة طيفا غيهبياً في مٌقلتيه جنون

وتلاشي حُلمُ الطفولة في الماضي ولم يبق منه إلا الحنين

أين لونُ الأزهار؟ لم أعُد الآن أرى في الأزهار غير البوار

كلما أبصرت عيوني أزهاراً تذكرت قاطف الأزهار

أين لحنُ الطيور؟ لم يُعد الآن اشتياقاً وفرقة في فؤادي

فالغناء اللذيذ ضاع صداه وانطوى في تذكر الصياد

أين همس النسيم؟ أشواقه السكرى انطفت لم تعد تُثير خيالي

فغداً يهمس النسيم بموتي في عميق الهوى وفوق التلال

وأين مني مفاتنُ الليل، شعرُ وغموض في غيهب مسحور

لم أعُد أعشق الظلام وغداً أهوى عظاماً تحت الظلام الكبير

ها أنا الآن تحت ظل من الصفصاف والتين مُستطاب ظليل

أقطفُ الزهر إن رغبتُ وأجنى الثمر الحلو في صباحي الجميل

وغداً ترسمُ الظلالُ على قبري خطوطاً من الجمال الكئيب

وغداً من دمي غذاؤك يا صفصاف يا تين أي ثأر رهيب

ذاك دأبُ الحياة تسلبُ ما تعطيه بخلاً لا كان ما تعطيه

تتقاضى الإحياء قيمة عيش ضمهم من شقائه ألف تيه

هي هذي الحياة ساقية السم كؤوساً يطفو عليها الرحيق

أومأت للعطاش فاغترفوا منها ومن ذاقها فليس يفيق

هي هذي الحياة زارعة الأشواك لا الزهر والدجى لا الضياء

هي نبع الآثام تستلهم الشر وتحيا في الأرض لا في السماء

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:27 PM
قصيدة : الزائر الذي لم يجئ

..ومر المساء ، وكاد يغيب جبينُ القمر
وكدنا نشيع ساعاتِ امسيةٍ ثانية

ونشهد كيف تسير السعادةُ للهاوية

ولم تأتِ انت.. وضعت مع الامنياتِ الاخر

وأبقيت كرسيك الخاويا

يُشاغل مجلسنا الذاويا

ويبقى يضج ويسأل عن زائرٍ لم يجيء



وما كنت أعلم انك ان غبت خلف السنين

تخلف ظلك في كل لفظٍ وفي كل معنى

وفي كل زاوية من رؤاي وفي كل منحنى

وما كنت اعلمُ انك أقوى من الحاضرين

وان مئاتٍ من الزائرين

يضيعون في لحظةٍ من حنين

يمُدُ ويجزُرُ شوقاً الى زائرٍ لم يجيء



ولو كنت جئت ... وكنا جلسنا مع الآخرين

ودار الحديث دوائر وانشعب الاصدقاء

أما كنت تصبح كالحاضرين وكان المساء

يمر ونحن نقلب اعيننا حائرين

ونسأل حتى فراغ الكراسي

عن الغائبين وراء الاماسي

ونصرخ ان لنا بينهم زائراً لم يجيء



ولو جئت يوماً – وما زلت أوثر الا تجيء

لجف عبيرُ الفراغ الملون في ذكرياتي

وقُص جناح التخيل واكتابت اغنياتي

وامسكت في راحتي حطام خيالي البريء

وادركت اني احبك حلما

وما دمت قد جئت لحماً وعظماً

ساحلم بالزائر المستحيل الذي لم يجيء

18 – 8 – 1952

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:28 PM
قصيدة : دكان القرائين الصغيرة

في ضباب الحُلم طوفت مع السارين في سوق عتيقِ

غارق في عطر ماء الورد ، وامتد طريقي

وسع الحُلم عيوني، رش سكراً في عروقي

ثملت روحي باشذاء التوابل

وصناديق العقيق

وبألوان السجاحيد

بعطر الهيل والحناء

بالآنية الغرقى الغلائلُ

سرقت روحي المرايا ، واستدارت المكاحل

كنتُ نشوى، في ازرقاق الحُلم أمشي وأسائل

أين دكان القرائين الصغيرة

اشتري من عنده في الحلم قرآناً جميلاً لحبيبي

يقتنيه لحن حب

قمراً في ليلةٍ ظلماء

خبزاً وخميرة

عندما في الغد يرحل

من مطار الأمس والذكرى حبيبي

يتوارى وجهه خلف التواءات الدروبِ

سرتُ في السوق

اذا مر بقربي عابرٌ ما ،

أتمهل

ثم اسألُ:

سيدي في أي دكان ترى ألقى القرائين الصغيرة

أي قرآن ، سواءٌ احواشيه حروف ذهبيه

ام نقوش فارسية

أي قرآن... وفي حلمي يقول العابر

لحظة يا أختُ ، قرآنك في آخر هذا المنحنى، في مندلي

أسألي عن مندلي

فهو دكان القرائين الصغيرة

ويغيب العابرُ

وجهه في الحلم لون فاترُ

ثم أمضي في الكرى باحثة عن مندلي

حيث ابتاع بما املك قرآناً وأهديه حبيبي

حينما يرحلُ عني في غدٍ وجه حبيبي

وتغطيه المسافاتُ وأبعاد الدروبِ

حيث ابتاع من الدكان قرآناً صغيراً لحبيبي

ثم اهديه له عند الوداع

ليخبى ضوءه في صدره بُرعم طيبِ

وليؤويه اليه حرز حبي

وعصافيري المشوقاتِ

وتلويح ذراعي

واختلاجات شراعي

سرتُ في الحلم في السوق قريرة

أسرت روحي السجاجيد الوثيرة

وأواني عطر ماء الورد، والكعبة صورة

نعست ألوانها في حضن حانوتٍ

وفي حلمي مضيت

في دمي شوق لدكان القرآئين الصغيرة

وحلمتُ

وحلمتُ

بقرآئين كثيرات ، وأختار انا منها، وأهدي لحبيبي

في صباح الغد قرآناً، ويؤويه حبيبي

صدره تعويذةً تدرأ عنه الليل والسعلاة في أسفاره

تزرع اسم الله في رحلته، تسقيه من اسراره

كان كل الناس لي يبتسمون

وعلى لهفة اشواق سؤالي ينحنون

زرعوا حلمي وروداً

كلهم كانوا يشيرون الى بعض مكانٍ غامض اذ يعبرون

يهمسون

أسألي عن مندلي

ابحثي عن مندلي

دكة في آخر السوق وتلقين القرآئين الصغيرة

أطعموا قلبي من نكهة كتب عنبريات كثيرة

بينها ألقى عصافيري القرآئين الصغيرة

حيث أختارُ وأهدي لحبيبي

واحداً يحميه من ليل الدروبِ

ووشايات المغيبِ

وواحداً يحمله في الطائرة

باقة من زنبق الله، وسُحباً ماطرة

سرتُ طول الليل في حلمي، ولكن اين القى مندلي؟

شعب السوق حناياه

ترامى

وتمدد

صار عشرين، دروباً وزوايا

وفروعاً وخبايا

وتعدد

وتعدد

حيرتي ابصرتها طالعة من قعر الاف المرايا

قذفتني الامتدادات ومصتني الحنايا

وأنا أشرب كوباً فارغاً ، والسوق مُجهد

تحت خطوي، ودمي يلهث شوقاً

وأنا أعطش في أرض الرؤى، اذرعها غرباً وشرقاً

لست أُسقى، لست أًُسقى

ضاع مني مندلي

ضاع، لا القرآن، لا الأشذاء لي

ما الذي بعد عطوري، وقرائيني تبقى

مر بي في سوق حلمي الف عابرُ

كلهم قالوا: وراء المنحنى التاسع يحيا مندلي

حيث قرآني وعطري المتناثر

حيث القى مندلي

مندلي يا أنهراً من عسلِ

ياندى منتثراً فوق بيادر

ياشظايا قمر مغتسل

في دموعي

يا ازاهير من الياقوت نامت في غدائر

ياهتافات أذان الفجر من فوق منائر

مندلي يا مندلي

اسمه فوق الشفاه

فلة غامضة اللون

وشمعٌ

وتراتيل صلاة

وزروع ومياه

وأنا مأخوذة الأشواق ادعوه ولكن لا أراه

وانا من دون قرآن حبيبي

ومع الفجر سيرحل

في أنبلاج الغسق القاني حبيبي

وشفاهي صلوت تترسل

وعناقيد دموع تتهدل

ابنثق يا عطش السوق انبثق يا مندلي

يا قرآئين حبيبي

يا ارتعاش السنبل

في حقول الحلم من ليلي العصيبِ

أين مني مندلي، والبائع المصروع من عطر القرائين

ذاهلاً مستغرقاً في حلم

ضائعاً هيمان ماخوذاً بأفقٍ مبهم

يتشاجى، وجده سكرٌ وتلوين

صاعداً من ولهٍ في عالم من عنبر مضطرمِ

تائهاً من شوقه عبر بساتين

عطشات النخل، والقرآن في تموزها أمطار ‏تشرين

مندلي ياظمأى ياجرح سكين

في خدود وشرايين

وطريقي نحو دكان القرآئين الصغيرة

فيه اوراد لها عطر عجيب

كل من ذاق شذاها تائهٌ

منسرق الروح

شريدٌ

لا يؤوبُ

مندلي ياحقل نسرين

ذقتُ اسرارك واستبعدت كوبي

لم اعد اعرف فجري من غروبي

وتواجدت وضيعت دروبي

وتشوقت لقرآنٍ، على رفك غافٍ

اشتريه لحبيبي

وسمعت العابرين

يصفون المخزن المنشود: تسرى فيه اصداء

وتلاوين، وموسيقى وأضواء

تصرع السامع صرعاً باختلاجات حنين

وشموع ودوالي ياسمين

اه لو اني وصلتُ

آه حتى لو تمزقتُ

تبعثرتُ

اكتويتُ

لو تذوقت العطور الساريات

حول دكان القرآئين الصغيرة

آه لو أمسكت في كفي قرآناً

كدوري حنون القسمات

واحد من الف قرآنٍ حواليه ضبابُ

وشذى وردٍ

وموسيقى مثيرة

ليس يقوى قط أنسانٌ بأن يصغي اليها

يسقط الصاحي صريعاً، غير واعٍ، ضائعاً في شاطئيها

هو قرآن لحبيبي

آه لو لامست رياهُ باطراف يديا

هو وردي، وأمتلائي، ونضوبي

والنشيد المحرق المخبوء في قعر دمي، في مقلتيا

وانتهى السوق وفي حلمي يئستُ

وعلى دكة آمالي الطعينات جلستُ

وانتحبتُ

لم يعد في السوق من ركنٍ قصي

لم أقلبه.. وتاهت مندلي

غرقت في عمق بحر من ضبابٍ سندسي

واختفت في ظل غابات سكونٍ ابدي

لم يدع يأسي حتى سحبة القوس على الاوتار لي

ضاع حتى الظل مني، وتبقت لي رؤى من طللِ

اين ابوابك يا ترتيلتي،

يا مندلي

ياعطور الهيل والقرآن يا وجه نبي

ياشراعاً ابيضاً تحت مساءٍ عنبي

وأذن ماذا سأهدي لحبيبي

في غدٍ حين يسافر؟

فرغت كفي من القرآن غاضت في صحاراي المعاصر

وخوى خداي الا من غلالات شحوبي

وحبيبي سيغادر

دون قرآنٍ، هدية...

غضة تلمس خديه كما يلمس عصفور مهاجر

جبهة الافق برشات غناء عسلية

وحبيبي سيسافر

خاوي الكف من القرآن، من عطر البيادر

وحكايات المنائر

وأنا ابقى شجية

كظهيرات من الحزن عريا غيهبية

ضاع قرآني، وضاعت مندلي

واختفى وجه حبيبي

خلف غيم مسدلِ

وامتدادات سهوبٍ وسهوبِ

فوداعاً يا قرائيني، وداعاً مندلي

والى ان تنلاقى يا حبيبي

والى ان نتلاقى يا حبيبي

28-6-1974

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:30 PM
قصيدة : الراقدة في الشارع

في الكرادةِ ، في ليلة أمطار ورياح

والظلمةُ سقفٌ مُد وسترٌ ليس يُزاح

انتصف الليل وملء الظلمةِ امطارُ

وسكونٌ رطبٌ يصرخ فيه الاعطارُ

الشارعُ مهجورٌ تُعولُ فيه الريحُ

تتوجع اعمدةٌ وتنوحُ مصابيحُ

والحارسُ يعبرُ جهماً مرتعد الخُطُوات

يكشفُهُ البرق وتحجب هيكلهُ الظُلمات

ليل يجرفهُ السيلُ وينهشه البرد

تنتفض الظلمةُ فيه ويرتعشُ الرعدُ

في منعطف الشارعِ ، في ركنٍ مقرورِ

حرست ظُلمته شرفةُ بيتٍ مهجور

كان البرق يمر ويكشف جسم صبية

رقدت يلسعها سوطُ الريح الشتوية

الاحدى عشرة ناطقةُ في خديها

في رقة هيكلها وبراءة عينيها

رقدت فوق رخامِ الارصفةِ الثلجية

تُعول حول كراها ريحٌ تشرينية

ضمت كفيها في جزعٍ في اعياء

وتوسدت الارض الرطبة دون غطاءِ

لا تغفو ، لا تغفُلُ عن اعوالِ الرعدِ

والحمى تُلهب هيكلها ويدُ السهدِ

ظمأى، طمأى للنومِ ولكن لا نوما

ماذا تنسى؟ ألبردُ؟ الجوعُ، ام الحمى؟

الم يبقى ينهشُ، لا يرحمُ مخلبُهُ

السهدُ يضاعفُه والحمى تُلهبُهُ

نارُ الحمى تُلهمُها صوراً وحشية

أشباحٌ تركضُ، صيحات شيطانية

عبثاً تُخفي عينيها وسُدى لا تنظر

الظلمة لا تدري، والحمى لا تشعُر

وتظل الطفلةُ راعشةً حتى الفجرِ

حتى يخبو الاعصارُ ولا احدٌ يدري

أيامُ طفولتها مرت في الأحزانِ

تشريدٌ، جوعٌ، أعوامٌ من حرمانِ

احدى عشرة كانت حزناً لا ينطفيءُ

والطفلة جوعٌ أزلي، تعبٌ، ظمأ

ولمن تشكو؟ لا أحدٌ ينصتُ او يُعنى

البشرية لفظ لا يسكنه معنى

والناس قناعٌ مصطنعُ اللونِ كذوبُ

خلف وداعتهِ اختباً الحقد المشبوبُ

والمجتمع البشري صريعُ رؤىً وكؤوس

والرحمة تبقى لفظاً يقرأ في القاموس

ونيامٌ في الشارع يبقون بلا مأوى

لا حُمى تشفع عند الناس ولا شكوى

هذا الظلم المتوحشُ بأسم المدنية

باسم الاحساس، فواخجل الانسانية

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:30 PM
قصيدة : آلام الشيخوخة

يا دموع الشيوخ في الأرض هيهات تجفين في العيون الشقية

أي شيخ لا يذرف الأدمُع الحرى على ما مضى ويشكو البلية

فهو ذاك المحزون قضى صباه في لهيب الهموم والأحزان

ثم ذاق الشباب كأسة دمع ما لحى على قذاها يدان

ثم غاب الشبابُ في ظلمة العُمر ومات الأحبابُ والأنصار

كل عام يرى الأحباء يفنون وتمحو ذكراهم الأقدار

يا لركب مشى به القدر الخادع تحت الرياح والظلماء

رامياً في فم المنية فرداً منه في كل بكرة ومساء

يا شتاء الحياة لم يبق في الظُلمة إلا هذا الشقي الغبين

ذهبوا كلهم إلى الموت إلاه فدوى نحيبه المحزون.

وهو ذاك المسكين أضعفه العُمرُ وحلت بجسمه الأدواء

ومضت ظُلمة الحياة بعينيه وغابت عن وعيه الأشياء

وهو يدري ان الممات قريب منه قرب الأحزان والأوجاع

كل يوم يكاد يلقى على العالم والعمر أغنيات الوداع

ياغموض الحياة من أسلم الإنسان للحادثات والأقدار

ذلك البائس الضعيفُ الذي يأتي ويمضي ولم يزل غير دار

فهو ما زال هائماً يهوى العالم والعيش في ظلال الزهور

يتغنى بحبه رغم ما يبقى من الحزن واحتدام الشعور

فاذا ما بدت له ساعة الموت ولم يبق في الحياة رجاء

رسم الحزن في محياه رعباً ما رأى مثل هوله الأحياء

وأطلت عيناه تلقي على الكون تحايا الوداع والحرمان

في ذهول وروعة بملآن القلب حقداً على الوجود الفاني

يا معاني الذهول في جبهة الميت، لا لن أخاف هذه المعاني

سأرى فيك بلسماً ينقذ الأحياء مما يلقون من أحزان

سأرى في الممات خُلد حياتي حين تعفو عني المُنى والجروح

وينامُ الجسم الوضيع على الأرض وتختال في السماء الروحُ

عندما تخف الأعاصير في سمعي وأنسى الأصوات والأشياء

كل شيء في العالم الأحمق الجاهل يخبو ويستحيلُ هباء

فإذا أمعن النشاوي بكأس الإثم في اللهو والصُراخ الأثيم

لم يجئني من صوتهم أي همس وتفردت بالسكون المقيم

وتمر السنين لا ألم فيها ولا إثم في ظلال الخلود

عالمٌ ليس لي التغلغل فيه الآن فلأمض في غناء نشيدي

ولأعش في هذي الحياة مع الأحلام تحت النهار والظلمات

أعشق الفتنة النبيلة في الورد وفي ضجة الرياح العواتي

وأسلي نفسي وقلبي بمرأى العابثين الأشرار والواهمينا

هؤلاء الذين يقضون أيام صباهم في هذرهم سادرينا

ليس تعنيهمو الفضيلة والنبل وما يحزنون للأشقياء

فإذا ما رأوا حزيناً معنى رجموه بالشوك والأقذاء

وضعاف الطيور في ظُلل الأغصان تلقي منهم صنوف النكال

وزهور الخباز في رحبة الحقل يدوسونها فيا للظلال

وحياةُ الفنان في عالم الوحدة والفكر عندهم كالجنون

يا لهذي المأساة يا رب ماذا كتبت للأحياء كف السنين

ولتسر هذه الحياة كما ترجو المقادير والأسى والظلام

وليظل الأحياء في التيه يشقون وتقسو عليهمو الأيام

ولاعش ما يشاؤه القدر الظالم لمُ أبكي على أسى الأحياء

هؤلاء الصرعى الظماء الحيارى بين فك الآثام والأدواء.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:31 PM
قصيدة : أسطورة نهر النسيان.

مخلب الخوف والتشاؤم قد جرح أيامنا وأدمى صبانا

ليت نهر النسيان لم يكُ وهماً صورته أحلامنا لأسانا

ليتهُ كان ليت أخبارهُ حقٌ لننسى ما كان أو ما يكونُ

ونعيشُ الأحرار من قيد بلوانا ويعفو عنا الغدُ المجنونُ

يا ضفاف النسيان قد جاءك الشاعرُ فلترحمي جراح أساه

انضحيه بمائك الأسود البارد ولتُشفقي على بلواهُ

فهو ذاك القلبُ الذي طوقتهُ حادثاتُ السنين بالأشواك

منحتهُ الحس الرهيف وقالت: لتكن في الحياة أول باك.

يا ضفاف النسيان يا ليت هذا الموج يطغى على الوجود الحزين

يغسلُ الإثم والدموع ويأسو كل جرح في قلبه المطعون.

ألم العيش يا ضفافُ قوي وشقاءُ الممات أقوى وأقسى

في ظلام الحياة نضطربُ الآن ونفنى عما قليل ونُنسى

كلُ عُمر قصيدةٌ كتبتُها في كتاب الحياة كفُ الزمان

وغداً يمحى الكتابُ جميعاً وتذوبُ الحروفُ في الأكفان

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:32 PM
قصيدة : القنابل والياسمين.

في ليلة 10 – 4 – 1973 دخل الجيش الصهيوني بيروت وصيدا ونسف البيوت

وقتل ثلاثة من قادة الفدائيين ، ثم هاجم مخيمات اللاجئين ، وغادر البلاد دون ان

يعترضه أحد. والشاعرة هنا توجه العتاب الى الامة العربية كلها لا الى الشعب

اللبناني وحدة.



من البحر أقبل ، هاجم بيروت تحت الظلام
وجاس الشوارع ينسفُ، يذبح

ويصدحُ في كفه طائرُ الموتِ يصدح

وبيروتُ وسنى تقاتلهُ في المنام

وصيدا ، على البحر، عشُ حمام

أما في ديار العروبة كلبٌ فينبح؟

أما من نعاجٍ فتنطح؟

وهل نحنُ أعمدة من رخام؟
وحتى الرخام ،

له عصبٌ ، ويمجُ المذلة ، ينهض للانتقام

وحتى القبورُ المُهانة ترتج فيها العظام

وتغضبُ ، تهجمً، تجرح

وبيروتُ وسنى بأودية الحُلم تسبحُ

ويسرح فيها العدو ويمرح

وفيها دم فوق أرصفة الليل يُسفح

وعبر شوارعها شوكة من لُظى تتفتح

فكيف تنام؟

فكيف ، بحق الكرامة ، كيف تنام؟



وهل نحن طينُ؟

وهل لحمنا ودمانا من الخشب المائتِ؟

فلا الجرحُ وردٌ، ولا الموتُ دينُ؟

ولا الكبرياء سوى النبض في معدن صامتِ

لماذا يُغارُ علينا ونرضى؟ ويسقط منا المئات

ونستقبلُ القصف والطائرات

كأن القنابل فوق مدائننا ياسمينُ

كأن أهاناتهم برتقال وتينُ

كأن المذلة دفء

وأغنية

وحياة

لماذا يضيع الدم العربي؟ وكيف يهونُ؟

وجذر القرابة فوق ثرانا متينُ

وفيم نشردُ من أرضنا ؟ وتمر السنينُ

تليها سنينُ

ونسكت لا نتمردُ ، لا نتمزق ، لا يعترينا الحنونُ

كانا بلا ذكريات

ولا حُرُمات

نشيع بالرقص والبسمات

جنائرنا الشاحباتِ الخضيبة

نكفنُ من دون رعشه

ولا ولهٍ شُهداء العروبة

ونُرقدهم من شعاراتنا في توابيت هشة

وينسج حولهمو الصمتُ ليلاً عريضاً ووحشه

أتلك الوجوه المدماة؟ تلك الرؤوس الحبيبة؟

نبعثرُها في مقابر من كلمات؟

نحاربُ قاتلعا بالمواويل والأغنيات؟

فليس لنا ين ضوء النجوم جبينُ

ونضحكُ في وجه أعدائنا ونلين.



ونحن على جذع أنفسنا في الشوارع نُصلب

ولا قلب فينا يثور ويغضب؟

ولا ليلُنا فوق شوك وسائدنا يتقلب

ولا الجُرح يصخب

ولا أكؤسُ الذل تنضب

ولا الخد يشحب

ولا يعترينا الى أمسنا الكوكبي حنينُ

ولا نتذكرُ ان الحضارة كانت لنا ، والوجودُ جنينُ

ولا نحن نخلع ثوب الحرير المذهب

ولا حزننا يترهب

وموطن آياتنا في السلاسل ثاوٍ حزينُ

كقبرةٍ في الدياجير ترقُبُ ومض ضُحى لا يحينُ

وتسخرُ منا الوجوهُ الغريبة

وتجلدنا بالسياط رياحٌ رهيبة

ويُحجبُ جبهتنا في الليالي ضبابٌ مهينُ

ونزعم ان الزمان غلامٌ لعوبٌ خؤونُ

وان العدو لعينُ

ويسرقُ انهارنا ودمانا العدو اللعينُ

ونحن أمتثالٌ ، ونحن سكونُ

وأيامنا سهرٌ ومجونُ

تمر علينا الرياح الجديبة

بلا مطرٍ او خصوبة

ويحملُ واحدُنا نعشهُ وصلبيه.



سنقسم بالله

بالقُدسِ

بالثأر ، لا نتطيب

ولا في حضور الأغاني نبيتُ الدُجى نتقلب

ولا من عبير البيادر نشرب

الى ان نعود الى الوطن المستباح المعذب

ويصحب عودتنا الف كوكب.

10 ربيع الأول 1393 هـ

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:33 PM
قصيدة : سوسنة اسمها القدس

اذا نحن مُتنا وحاسبنا اللهُ:

قال: ألم أعطكم موطنا؟

أما كنت رقرقتُ فيه المياه مرايا؟

وحليته بالكواكب؟ زينتُهُ بالصبايا؟

وعرشت فيه العناقيد ، بعثرت فيه الثمر؟

ولونت حتى الحجر؟

اما كنتُ انهضت فيه الذُرى والجبال؟

فرشت الظلال؟

وغلفتُ وديانهُ بالشجر؟

أما كنتُ فجرتُ فيه الينابيع، كللتُهُ سوسنا؟

سكبتُ التآلق والاخضرار على المنحنى؟

جعلتُ الثرى عابقاً ليناً؟

أما كنت ضوأت بالأنجم المُنحدر؟

وفي ظلماتٍ لياليكمو ، أما قد زرعتُ القمر؟

فماذا صنعتم به؟ بالروابي؟ بذاك الجنى ؟

بما فيه من سكرٍ وسنا ؟



سيسألنا اللهُ يوماً ، فماذا نقولُ؟

نعم ! قد مُنحنا الذُرى السواقي ومجد التلول

وهُدب النجوم ، وشعر الحقول

ولكننا لم نصُنها

ولم ندفع الريح والموت عنها

فباتت كزنبقةٍ في هدير السيول

نعم ! ودفعنا بأقمارها للأفول

وقامر جُهالنا بالضحى

بالربى

بالسهول

بسوسنةٍ اسمها القدسُ ، نامت على ساقية

الى جانب الرابية

وتُمطر فيها السماءُ خُشُوعاً ، تُصلي الفصول

ويركعُ سُنبلها، تتهجدُ فيها الحقول

وعبر مساجدها العنبرية أسرى الرسول

فماذا صنعنا بوردتنا الناصعة؟



الهي تعلم أنت ، ونعلمُ، ماذا صنعنا

بوردتنا ، قد نزعنا، نزهنا

وُريقاتها ودلقنا شذاها الخجول

وهبنا صباها لأذرع عول

لأشداع عقربةٍ جائعة

فكيف اليها الوصول؟

ونخشى غداّ ان يجيء الضبابُ

وليلُ الضباب يطول

ويفصل ما بين أقدامنا والوصول

وقد تتمطى عصور الضباب بنا ، وتزول

كواكبُنا ثم تأتي السيول

وتجرف شتلاتنا، وتطول

ظلالُ الكآبةْ تغرقُ في غمرات الذُهُول

وتأتي الرياح وتمسحُ جنتنا الضائعة

وتخبو امانينا ، وأمتداداتها الشاسعة

ويطوي الذبول

سنابلنا رب عفوك ، ماذا نقول

وفي عتباتك كيف تُرى سيكون المثول؟

فأنت منحت الجناح الطليق ، ونحن اخترعنا القيود

وهبت لنا القُدس ، ونحنُ

دفعنا بها لليهود..

الكويت 12 ربيع الآخر 1393 هـ

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:34 PM
أقوى من القبر

مشروع أمريكي للقضاء على مشاكل البطالة والاسكان في العراق – مقبرة الشيخ معروف..



بينما تعاني مجالات الاقتصاد المختلفة في العراق بسبب تدهور الاوضاع الامنية.. يزدهر المجال الذي يعمل فيه السيد عبد الله حسني. ضحايا الجريمة والسيارات المفخخة والمعارك يأتون بحثاً عن الراحة الابدية في مقبرته. يقول السيد حسني: "في عصر صدام "المقبور" كان غالبية زبائننا من العجائر او فرد او اثنين اسبوعياً اصابتهم سكتة قلبية.. اما اليوم، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ندفن ما لايقل عن عشرة افراد يومياً. بعضهم ضحايا جرائم قتل ترتكبها عصابات، وبعضهم من المقاومة يقتلهم الامريكان. هناك جثث تبدو عليها آثار التعذيب واطلاق الرصاص، وهؤلاء عادة ضحايا عمليات انتقام من تجاوزات عصر صدام. لا يوجد قانون حالياً.. والناس تستغل الفرصة للثأر."

خلال عصر صدام، خشى المجرم من قسوة النظام الامني الرادع. ومن قتلتهم مخابرات صدام لم يدفنوا في مقبرة السيد حسن.. بل في مقابر جماعية.. اما في حال الفوضى الامنية الحالية، فيمكن ان يطلق اللص على ضحيته الرصاص مطمئناً هانيء البال. كما يمكن ان يفجر اي مختل سيارة في سوق..

السجل الذي يحفظ فيه السيد حسني اسماء سكان مقبرته مقياس جيد لتصاعد معدلات العنف منذ ابريل 2003 حين اسقطت قوات التحالف النظام المقبور.. يقول حسني: "هذه المقبرة هي قصة العراق.. لم اشاهد هذه الاعداد من القتلى طوال حياتي."

حين ياتي الناس لزيارة المتوفين من اقاربهم، يشعرون وكانه مرشد سياحي يقص عليهم مآسي العراق، الذي وعدته الولايات المتحدة بالرخاء قبيل اسقاط نظام صدام حسين. "هذا القبر يرقد فيه سماك قتله امريكي حين انفجرت قنبلة في السوق.. وهذا القبر للشرطي احمد العبيدي، الذي توفي مع ثلاثة رجال شرطة كانوا في سيارة اطلقت المقاومة عليهم النار. وهذا الضريح يرقد فيه شيخ عمره 75 عاماً بعد ان اطلق لص عليه النار لسرقة ما كان معه من مال." صورة لطفل في السادسة على قبر يحكي السيد عبد الله قصته الحزينة: اعتقد ان والد هذا الطفل عمل مع عصابة. وكان بينها وبين عصابة اخرى خلاف. وهاجمت العصابة الاخرى المنزل. فاردوا الطفل قتيلاً..

اما كابوس الصراع بين جيش المهدي والامريكان، فقد صعب كثيراً عمليات الدفن. فقد رغب محمد قصي بدفن طفله البالغ 3 شهور من العمر في مقبرة النجف، تباركاً بها. ولكن الطريق كان خطراً للغاية.. فقرر دفنه في مقبرة الشيخ معروف لوهلة حتى تتحسن الاحوال الامنية، فينقل الجثمان.. يقول السيد محمد قصي: "لا اقدرحتى على دفن جثمان ابني.. اعيش ولكن اشعر باني ميت."

حتى عمليات غسل الجثث تتأخر حالياً بسبب الفوضى الامنية.. يشتكى السيد حسين من ان بعض الجثث تصل متأخرة مهترأة، فلا يمكن غسلها بشكل سليم.. "وظيفتي اعداد الميت للعالم الآخر.. وكيف اقدر على انجاز العمل في هذه الاوضاع السيئة؟"

يعمل مع السيد حسني 12 موظفاً يغسلون الجثث ، ويدفنون أحيانا بالمجان. نظراً لضعف حال الكثير من الناس.. والسيد حسني تعلم تلاوة القرآن على ارواح من ذهبوا وتركونا من رفاقنا واقاربنا منذ نعومة اظفاره في سن السابعة في مقبرة الشيخ معروف. وهو حتى الساعة يقوم بتلاوة القرآن بشكل يومي.

وان كان البعض سعيداً بالخلاص من صدام المقبور، فالسيد حسني يعترف بتشوقه للكثير من مزايا ذلك العصر الغير متوفرة حالياً.. فقد كان يقدر حينذاك على ترتيل القرآن في حديقة المقبرة الصغيرة في المساء قبل النوم.. ولكن الأمان اليوم غير متاح، ولم يعد يقرأ القرآن في حديقة المقبرة.. وكان العمل في العصر المقبور يسير على قدم وساق 24 ساعة يومياً.. اما الآن، فهو يضطر لاغلاق المقبرة ساعة الغروب. وهو في نهاية المطاف يؤكد انه يرفض دفن اي مجرم يقتل او يؤذي الشعب العراقي .. "نغسلهم مقابل اجر، ولكن نرفض دفنهم"..



ومشروع انشاء المقابر في العراق فكرة ممتازة للاستثمار، وستحل الكثير مما تواجهه البلاد من مصاعب حالياً.. بل ويمكن ان تحقق ما تعهد به الامريكان من رخاء للشعب العراقي. من الممكن انشاء مقبرة مريحة في وسط حديقة غناء تُسعد فيها روح القتيل، وبتكاليف تدعمها الدولة من ارباح النفط، بحيث لا يعاني المواطن اقتصادياً في شراء هذا السكن المريح الذي لم يعد المثيل له متاحاً في الحياة الدنيا.. والمقبرة الجيدة كذلك ستخلص المواطن العراقي من معاناة الحياة واحزانها ومصاعبها وهمومها في هذه الايام العصيبة.. واخيراً فان من يسكن في هذا المكان لا يحتاج لوظيفة، مما سيخفف من شدة الضغط على سوق الوظائف.

وشر البلية ما يضحك..

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:34 PM
قصيدة : الرحيل

فوداعاً يا كل ما في الوجود العبقري العميق من آهات

كنت في قلبي الخيالي مأساةً وأنت الغداة سر حياتي

سوف أهواك يا دموعي وأحزاني ما عشتُ في الوجود الجميل

فاصحبيني إذا أنا عشت في العالم أو حان عن ثراه رحيلي

يا حياتي في هذه الأرض أما أنت فأمضي كما يشاءُ الزمان

انشري ذلك الشراع وسيرى وتغني ما شاءت الألحانُ

وإذا ما هبت رياحُ الردى يوماً وهزت كف القضاء الشراعا

فابسمي للأمواج، مغمضة العينين وقولي يا أغنيات وداعا

هكذا تبلغ السفينة يا شاعرة الحزن شطها الأبديا

شاطئ الموت شاطئ الوحي والأسرار ذلك المحجب المخفيا.

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:35 PM
قصص


قصة : ياسمين

تحية ومحبة للصغيرة الغالية نسرين

عندما غادرت العراق الى أمريكا للدراسة منذ خمس سنين، كانت قد ولدت لنا في المنزل أخت جديدة اقترح اياد ، الذي كان يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، ان نسميها "ياسمين" تكريماً لشجرة زرعها في حديقتنا، ومن غير أياد يزرع أي شيء في بيتنا؟ ان الحديقة معبدة، وكان أبي يحب ان يسمي الطقلة سعاد لتكون اسماؤنا على التوالي وداد واياد وسعاد، وبذلك يرضي نزعة السجع التي تشيع في بعض الاسر العراقية، غير ان امي نصرت فكرة اياد وقد ايدتها انا الاخرى. كان يكفي ان يرى المرء حماسة هذا الصبي العزيز واختلاج شفتيه للفكرة التي تخايله حتى يرق ويود لو حققها له.

كان في اختي الجديدة شيء يجتذب القلب وقد احببت ان اتريث في بغداد وارجيء سفري ولو شهراً لا تعرف اليها واتزود لفراق طويل غير ان موعد سفري كان قد حدد وهكذا وجدتني ذات فجر ألوح بيدي الى ابي واياد وقد حضرا لتوديعي في المطار. ولم يكن عمر ياسمين اذ ذاك يزيد على اسبوعين.

ماذا يصنع البعد بنا؟ اننا في البداية نتمسك بكل ما احضرناه معنا من الارض القديمة التي فتحت ذراعيها واسلمتنا للمسافات. نحن تنعلق بأشياء مثل عدد اشجار الدفلي في حديقة الشارع امام منزلنا وطعم الشاي الخاص الذي يصنع في بيتنا ولا نرى له مثيلاً في الوجود، ووجه ياسمين الصغيرة التي ملأت القلب اياماً ثم خفت صوت بكائها وراء المحيط. اننا نطبق أكفنا على كل هذا ونقسم الا نغفل عنه ولا ندع النسيان يسرقه منا. ولكن الحياة الجديدة تتناولنا بسرعة وتسلمنا لاصناف لا عهد لنا بها من المشاغل والظروف والوجوه وسرعان ما ننسى حتى اننا ننسا. وفي بداية السنة الثانية نشعر فجأة كم نحن بعيدون عن كل من احببنا، وتفاجئنا الحقيقة الكبرى: لقد تغيرنا.

أربع سنوات من هذا.. كيف كان يمكن لي الا اغفل عن ياسمين؟ وكان أياد يذكرها لي في رسائله بين الاخبار الاخرى التي تهمه: شجرة السرو التي التوى عنقها، نخلتنا التي أحرقها البرق، شجرة التوت التي لم تعط ثمراً هذا العام.. وياسمين التي تكبر بسرعة ويزداد ولعها بقطتنا "سيرس" وهكذا.

وكنت ارسل اليها هدايا من الملابس واللعب بين الحين والحين وكنت اضع صورة صغيرة لها على مكتبي، غير ان هذه الومضات الخاطفة في الصلات لم تصل ما تفصله المسافات بيننا، فما كنت املك في نفسي اكثر من ارتباط تقليدي باخت لي لا اعرفها، ولم استشعر تماماً ذلك الحنين الذي تبعثه في النفس الالفة والمجاورة.

ولم يكن هذا يقلقني. الست راجعة الى العراق؟ ان اسبوعاً واحداً الى جوارها سيجعلنا نتبادل المحبة على أتم ما تتبادلها اختان ، فما الداعي الى القلق والاستعجال؟

ثم عدت الى بغداد ذات خريف.

وفي غمرة الفرح باللقاء لم اتذكر ياسمين. وحين انصرمت الدقائق الاولي اقبل على اياد يحملها بين ذراعيه: طفلة سمراء مرهفة التقاطيع ذات جدائل سود تتهدل على كتفيها وقد البسوها "بنطلوناً" ايطالياً ازرق يشد حول ساقيها النحيفتين بأشرطة مضفورة. كانت باختصار طفلة عذبة وقد وضعها اياد بين ذراعي قائلاً في بعض لوم وعتاب: "اراك قد نسيت ياسمين الا تسالين عنها قط؟"

ياسمين!

منذ تلك اللحظة الاولى باتت اختى هذه شغلي الشاغل.

لقد لاح علي وكأن غيابي الطويل في أمريكا قد جمع في نفسي كثيراً من المحبة والشوق وسرعان ما تفجرتُ حين عدت الى منزلنا. اما ياسمين فقد رفضت منذ البداية ان تمنحني صداقتها فما كدت انتاولها من اياد واقبلها حتى راحت تدفعني بكلتا يديها وهي تصيح بلهجة طفولية: "اذهبي.. لا اريدك!" واضطرت امي الى ان تاخذها وتحاول اعادة الاطمئنان اليها باخبارها انني اختها الموعودة من وداد التي طالما سمعت عنها. وعندما رأت أمي خيبتي بسبب هذا الصدود غير المنتظر من أختي قالت لي اختي قالت لي ملاطفة: "انها لا تعرفك بعد، وستالفك تدريجياً.؟ غير ان الايام بدأت تكذب أمي فان ياسمين لم تغير موقفها مني.

اما انا فقد سلكت المسلك الطبيعي في مثل هذه الحالة: أخت صغيرة لطيفة اقابلها اول مرة واتعلق بها، فاروح ابذل كل جهدي للتعرف اليها والارتباط بها. وهكذا رحت اغمرها باللعب والاشرطة والحلوى وكل ما تحب، وكانت شؤونها تلقى عناية بالغة مني. غير ان جهودي لم تزدها الا توتراً. فكانت تحفظ مسافة دائمة بيني وبينها وتنظر الى في حذر وكأني غريبة وبقي قلبها الصغير مغلقاً امام مفتاحي كلها لا يختلج بعاطفة واحدة من عواطف الاخوة التي اتفجر انا بها. وكان أفراد اسرتنا يتاثرون حين يرون مجهوداتي كلها تفشل في اجتذابها ففي ختام كل محاولة وكنت اسمع العبارة نفسها من ياسمين ترددها في عناد وتحد: "اذهبي.. لا اريدك!"

ولم اعدم تفسيراً للموقف. رحت أقول لنفسي ان الحب الاخوي ليس معنى نظرياً بالنسبة لطفلة في الرابعة كما هو بالنسبة لنا نحن الكبار وانما لابد له ان ينبت كما تنبت البذرة.

وقد نشأت ياسمين في هذا المنزل طوال أربع سنين والفت أفراده حتى القطة "سيرسي". كانت ترى اوجههم كل صباح وتتلقى حنانهم ورعايتهم فبادلتهم الحب ورأت فيهم مملكتها الصغيرة السعيدة، ثم جاءوا بي فجأة وسألوها ان تدخلني في رعاياها. لماذا ؟ لانني اختها. أهذا منطق مقبول عندها؟

ان ياسمين لم تضع لي مكاناً في مملكتها قط ولم تحسب لمجيئي حساباً . وهكذا وصلت متأخرة فاذا القلب الذي انتظرت منه صفاء الاخوة قد تحول الى حصن كتبت في مدخله كلمة "ممنوع".

ماذا يصنع البعد بنا؟ في امريكا حسبت انه يقوم بعملية محو بطيء لما حملنا معنا من عالمنا القديم. ولم يتح لي اذ ذاك ان ادرك الجانب الاهم من صنيعه بنا. ان البعد لا ينسينا حسب وانما يضيف الينا ايضاً. وقد كان اول من جعلني افطن الى هذه الحقيقة المهمة هو اختي العنيدة ياسمين. فاذا كانت السنوات الاربع الماضية التي قضيتها في الخارج هي كل رصيدها من العمر فان هذا يفسر معاملتها لي وكأنني غريبة عنها. ولكن...

ما مدى ما تفصلني هذه السنوات عن امي مثلاً؟ عن أياد؟

انهم يحسبون اننا نكتسب كثيراً من حياتنا في الخارج، دون ان يتخيلوا الثمن الذي ندفعه. ان حياة البعد المنفصلة هذه ليست كلها مباهج، وتكاليفها الشعورية في الغالب باهضة. بعضنا يدفعها في الخارج، وبعضنا يدفعها فيما بعد. أننا نعود الى الوطن وقد تغيرنا وتكونت في نفوسنا طبقات جديدة أجنبية الطبيعة، تترسب في خلاياها وجوه غير مألوفة، وأصداء عبارات من مجالس مجهولة، ورؤى اماكن بعيدة ودروب تتلوى في مزارع تختلف عن مزارعنا، وغرف في بنايات لا تشبه بناياتنا.

لقد عشنا ماضياً له شوارع اخرى غير شارع الرشيد، وألفنا وجوهاً لا صلة لها بوجه اياد، وعلينا الآن ان ننزع هذا الماضي من حياتنا نزعاً قاطعاً، فليس من احد هنا يشاركنا اياه. كل ماض آخر لنا يستطيع أن يحيا في حاضرنا ما عدا ماضينا الامريكي هذا فنحن ملزمون بأن نخلعه ونرميه في لحظة واحدة. ان اهلنا وأحباءنا ينظرون اليه في ريبة وحذر تماماً كما تنظر ياسمين الى. انهم يعتقدون ان علينا الا نتغير، ويعاملوننا وكأننا لم نتغير. ويكون هذا اول ما يصدمنا ونحن ندخل المنزل ونبحث عن ارتباطاتنا القديمة. ونحاول ان نفعل ما يريدون، فننزع ماضينا من اجلهم ولكننا سرعان ما ندرك بأن هذا الماضي ليس ورقة ملصقة على سطح انفسنا بحيث يسهل نزعه. واذا نحن نزعناه افلن نكون اشبه بمنزلنا الحلو هذا أذا نحن قررنا في لحظةٍ ان ننزع منه ياسمين؟ ان ياسمين هي المعادل الموضوعي لهذا التغيير في حياتي. أليس عمرها اربع سنين؟

ثم بدأ احساس آخر افظع ينمو في نفسي دون ان اشخصه او أناقشه. أتراني وحدي التي تغيرت؟ اما اتغير ابواي واياد ايضاً؟ لقد تسلل الزمن بيننا وفصلنا. وياسمين التي لا تريدني في البيت هي عنوان هذا الفاصل فهي تجسد في حياة اهلي كل ما لا اعرفه. وماذا اعرف؟ كانوا يحدثونني في رسائلهم عما يسمونه بالاحداث الاساسية وهي عادة اتفه الاشياء، اما الجوهر فماذا اعرف عنه؟ أربع سنوات من الصمت ثم أعود فأجد ياسمين في الرابعة. ترى لو كان لهذا التغير في أهلي صوت اما كان يصيح بي "ادهبي.. لا اريدك" تماماً كما تصيح ياسمين؟ ولعله بدأ يصيح فعلاً.. او هكذا احسست.

ومهما يكن فقد تعلقت بياسمين تعلقاً يفوق التصور بحيث بات برودها أزائي يعكر صفوي ويشعرني بالغربة في بيتنا. وقد واصلت محاولاتي لتقريب المسافة بيني وبينها، وكنت احياناً حين تفشل أساليبي كلها في اكتساب صداقتها – اشعر بالضيق فأقول لها في حنق:

-ياسمين. أني لا احبك، هل تسمعين؟

وكان يخيل الى ان موجة من الانفعال تسرى في صفحة وجهها في هذه الحالات، وان عينيها تختلجان لحظة ولكنها سرعان ما تتمالك وترد متحدية:

-لماذا لا تعودين الى امريكا اذن؟ لقد قلت لك انك لست اختي وانني لا احبك.

وقد اخذت هذه المواصلات بيني وبينها تزداد يوماً بعد يوم وتدخل احياناً طوراً جدياً. وكانت أمي لا تخفي عجبها من انني لم اتعلم في الخارج ان اكون اقل عاطفية فامتلك القدرة على ادارة المواقف بدلاً من الاستسلام لها، وكانت فوق كل شيء لا تدري كيف اكون قليلة الصبر الى هذا الحد، وقد قالت لي مراراً ان مسالة حب الطفلة لي لا يمكن ان تعالج بهذه العصبية وانما تتطلب شيئاً من ضبط النفس ريثما تالفني الصغيرة وتكف عن الشعور بانني غريبة في البيت. ولكني بدأت أضيق بملاحظات امي واردها الى التغير فيها. اتراني حقاً غريبة هنا.

غير اني مع ذلك واصلت محاولاتي الودية دون ان يداخلني اليأس من ياسمين. انها اختي وانا احبها ولابد لها ان تبادلني المحبة يوماً. كنت اجيئها بلعبة بعد الظهر ثم اخاصمها على مائدة العشاء. وكان يؤذيني اشد الايذاء انها تتقبل اللعب وترفض الاقبال علي. وكم مرة احتج ابي على انني اعكر جو المائدة باثارة معارك كلامية مع الطفلة. وكنت احياناً اغيظها بان أسحب صحنها من امامها فتحني رأسها وتسكت رافضة الكلام او التعليق او حتى الاحتجاج. وكان كل هذا يضايق امي التي بدأ صبرها يفرغ ولم تعد تدري كيف تحل هذا الاشكال القائم في الاسرة فلا ياسمين تحبني ولا انا اكف عن التعلق بها.

والحق ان الصراع بيني وبين الصغيرة كان يشبه الحرب، وكان واضحاً لكل فرد في البيت ان ياسمين تجد نوعاً من اللذة في عبارتها: "اذهبي . لا اريدك." واما انا فلم اعد اراها كما ينبغي ان ارى طفلة مشاكسة وانما تحولت في نظري الى انسان مدرك يدري بما يصنع. باتت تلوح لي مبهمة، منيعة، وكأن سنواتها الاربع جدران قلعة حصينة تفصل بيني وبينها وتتركني واقفة وارء الاسوار. بات عالمها يكبر ويكبر حتى يلوح لي وكأنه الدنيا. وكان يغيظني ان الآخرين لا ينظرون جدياً الى الموضوع كما انظر.. قد يبتسمون ويمازحونني مع اني متاثرة الى اعماق نفسي.

ولم اكن اعقد معها هدنة قط، وكثيراً ما كنت امازحها باقتراحات مخيفة كأن أقول: "ياسمين! ما رأيك في أن اعطيك لهذا العامل وأسأله أن يبنيك في الجدار؟ انك ستلوحين حلوة هناك." او اقترح عليها ان اربطها الى المروحة الكهربائية في سقف غرفتي واتركها تدور. ولعلها كانت تدرك ان هذا مزاح، ولذلك كانت ترد ببرود وكأن مزاحي لا يستهويها: "أمي لا توافق." وكانت امي تعاتبني على هذا المزاح غير الفظن مع طفلة في الرابعة من العمر. غير اني لم اعد افكر في ان اكون "فطنة." كان برود ياسمين نحوي يغيضني حتى انسى ابسط القواعد. وهكذا مضت المعاكسات في الجانبين تزداد حتى ضج ابي بالشكوى وبات يقول انه لا يدري حقاً اينا هي الطفلة انا ام ياسمين؟

ومضت اشهر دون ان يتغير الموقف وبقيت مملكة ياسمين مقفلة في وجهي حتى جاء الصيف ووقع حادث مؤثر غريب لا انساه قط.

يتبع

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:36 PM
تكملة قصة ياسمين







كانت ياسمين ترفض دخول غرفتي وقد خابت محاولاتي في هذا الصدد جميعاً. وقد حدث بعد ظهر يوم حار ان دخلت غرفة امي فوجدت الطفلة نائمة. وكان التيار الكهربائي في المنزل قد انقطع لخلل فيه فتوقفت المروحة الكهربائية وعرقت الطفلة عرقاً شديداً لم احتمل ان اتركها تعانيه. وقد خطر لي ان احملها الى غرفتي التي تتصل بجانب من الدورة الكهربائية لم ينقطع التيار فيه. وتذكرت فوراً ان ياسمين لا تحب غرفتي فليس من الحق ان استغل نومها لارغمها على دخولها، وقد اتهمت نفسي بانني استفيد من فرصة انقطاع التيار لاخذها الى غرفتي وأسعد برؤيتها هناك ولو نائمة. غير ان وجود حجة ظاهرية تبررها مصلحة الصغيرة نفسها قد اسكتت صوت ضميري. ان كل ما اريده هو راحتها. وبعد أفليس في امكانها ان تغادر غرفتي عندما تستيقظ؟ اني لن اكون سجاناً.

وهكذا كان، ووقع الحادث المبهم الذي لم اصل الى تفسير مقنع له حتى اليوم. لقد كان واحداً من تلك الاحداث العابرة التي تلوح تافهة غير انها في الواقع ترتبط بصميم الاشياء في حياتنا وسلوكنا، كما انها تترك فينا انطباعاً عميقاً ، وقد تغير مجرى حياتنا.

أذكر ان أمي لم تكن في البيت في تلك الظهيرة فقد صحبت ابي في بعض الشؤون، واحسبها لو كانت موجودة لما وافقت حتى من اجل مصلحة ياسمين، ان آخذها الى غرفتي وهي غافية ما دامت بيننا هذه الحرب. ولكن الصدف التي قررت ان يقع الحادث أبعدت أمي عن البيت. لقد أرقدت أختي على سريري وجلست اراقبها في غبطة. كان وجهها مكتسياً بتلك الراحة المشرقة التي ترتسك على وجه طفل صحي نائم. وسرعان ما رحت اقرأ وقد أطمأننت الى ان كل شيء على ما يرام. وعندما انصرفت ساعة بدأت استطيل نومها وأتخيل انه امتد اكثر من المعتاد. غير أنني ردعت نفسي عن ايقاظها وقررت ان امنحها نصف ساعة اخرى. ولكن نصف ساعة اخرى لم توقظ ياسمين.. لقد استمرت نائمة.

وبدأت اضيق. أي نوم ثقيل. ورحت اناديها باسمها وأمر بيدي على شعرها محاولة ايقاظها، ولكن بلا جدوى وعندما لم تتحرك بدأت أندهش فحملتها عن السرير واجلستها على ركبتي وانا اتوقع ان تفيق فوراً وتصيح بصوت مثقل بآثار النعاس: "دعيني. لا اريدك." ولكن ظني لم يتحقق وانما مالت الصغيرة براسها في ارتخاء تام على كتفي وواصلت النوم، واعتراني قلق غامض عليها فجأة، ورحت أشك في طبيعة هذا النوم الغريب، ومن ثم فقد اعدتها الى السرير وذهبت ابحث عن اياد لآخذ رايه في الموضوع. وقد وجدته في الحديقة يرش الاشجار. وعندما لخصت له القضية ابتسم ابتسامة ذات معنى وقال دون ان يلتفت كثيراً: "ماذا ؟ ياسمين ايضاً؟ لماذا لا تدعينها تنام قليلاً؟ انها تحتاج الى النوم." وقد غاظني تعليقه غير انني قررت مع نفسي انه ربما كان مصيباً، فقد لعبت الطفلة كثيراً ولعلها تحتاج الى مزيد من النوم.

وعدت الى غرفتي احاول القراءة من جديد على مقربة من الطفلة النائمة. ومضت عشر دقائق اخرى ثم لاحظت شيئاً اعاد لي القلق. لقد راحت حركة غريبة تختلج على جفنيها المطبقين، وكأن البؤبؤين خلفهما يتحركان حركة دائرية، وجسست كفها فاذا هي باردة كالثلج. ولم اعد اتردد. ان الصغيرة مريضة ومن الحماقة ان اردع قلقي، ورحت احاول ايقاظها من جديد واستعملت كل اسلوب فلم انجح.

واخيراً حملتها في اضطراب وغادرت غرفتي الى ردهة البيت وهناك لقينا اياد، وعندما رآها مرتخية على ذراعي لاح في وجهه قلق حاول ان يكتمه وتقدم نحوي بلا تعليق، وتناولها بين ذراعيه وجلس على اقرب كرسي وراح يلاطفها محاولاً ايقاظها.

لكن محاولاته لم تات بنتيجة: لقد همس باسمها، لقد داعب جدائلها، لقد هزها من كتفها قليلاً، لقد اجلسها، مددها، سدى. ان ياسمين نائمة نوماً غريباً يشبه الموت وهي ترفض ان تشعر بوجودنا، وسواء عندها اارقدناها ام اجلسناها، وشعرت بالم عاصف ياخذ بنفسي، وخنقتني دموع ترفض ان تنحدر ولم اعد احسن التفكير. الم يكن الاجدر بي ان ادير قرص التلفون واستدعي طبيب الاسرة؟ وقد كان اياد اكثر جلداً مني فوضعها على ركبتي ونهض يستدعي أقرب طبيب. وفي طريقه الى الباب، تطلع الى وجهي وحين راى شحوبي قال لي في رفق: "لا تخافي. اظنها مصابة باغماء."

لا تخافي! ايحسبني خائفة؟ اني اوشك ان اجن. لقد وقع لها هذا لانني اخذتها الى غرفتي واذا حدث لها شيء فسأكون انا المسئولة، انا التي احبها كل هذا الحب.

كانت الدقائق العشر التالية اهول لحظات حياتي وقد وتر الانفعال الشديد خيالي فراحت صور شتى تتلاحق امام عيني في انتظام، وبرزت الى سطح ذاكرتي حادثة صغيرة من طفولتي كان النسيان قد غلفها في ثناياه سنين طويلة، فلم اتذكرها الا في تلك اللحظة الحرجة. تلك الدمية التي اشتروها لي وانا صغيرة جداً، وكانت تتحرك بواسطة نابض في داخلها، وفيما انا العب بها وارقب حركاتها توقف النابض فهمدت فجأة. لقد أحسست برهبة غامضة تجتاح نفسي وكأنني قتلت انساناً ولم افهم كيف وقفت الدمية فرحت ابكي صارخة في هلع واقبلت امي على صراخي فوجدتني في حال من الرعب يرثى لها. ماذا جاء بهذا الحادث الى ذاكرتي؟ وتطلعت الى ياسمين الشاحبة شحوب الموتى واحسست بالشعور القديم عينه، الحياة التي همدت وتوقفت حركتها بين يدي، اترى كابوس طفولتي قد تحقق؟ انها ليست دمية هذه المرة وانما هي احب الناس واعزهم. وانبجست دموعي وراحت تنحدر.

ولاح لي وجودها على ركبتي مؤلماً.. لقد كانت ترفض ان احملها عندما كانت مملوءة بحرارة الحياة هلأهنأ الان بها وهي هامدة زرقاء الشفتين. لقد كنت من الانانية بحيث آليت ان انال محبتها حتى لو كلفني ذلك ان اخونها وهي نائمة فاسرقها الى غرفتي. الا يجور انها مرهفة الحس بحيث تمرض حين تزعم هكذا؟ الا يجوز انها تموت بارادة خفية لا تفسرها تحليلاتي التي اظنها مفتاح كل لغز؟ اتراني حسبت ان النائم لا يشعر بما حوله. اوليس محتملاً ان تكون شعرت بانها في غرفتي فتمردت بهذا الشيء الاغماء او الموت او ما لا ادري؟

وبقيت الوساوس تاكلني ولم يبد على الطفلة أي لون من الوان الحياة. وفي هذه اللحظة سمعت صوت امي فاسرعت نحوها وقد لمع في قلبي امل عظيم. انها أمي، امها ولابد ان تنقذها. اذا كان حبي انا لا يقوى على ايقاظها فلا ريب ان حب امي اقوى. وما كادت امي ترانا حتى تغير وجهها وادركت باحساسها ان شيئاً خاصاً قد وقع. وما زلت اذكر الرنة الغريبة في صوتها وهي تسأل: "ما لها؟" وجاء جوابي في صوت متوسل لا تفسر عبارتي نبرة البكاء فيها: "انها نائمة" ثم غصصت.

اكان وجود أمي هو التأثير الفعلي في أن الصغيرة بدأت تعود للحياة؟ لقد راحت تتنفس تنفساً عميقاً اولاً، وما لبث حتى استحال الى تنهدات طويلة ونشيج محزن وآهات استمرت دقائق. ثم فاجأتنا بأن فتحت عينيها الواسعتين وراحت تحدق فينا وكانها لا تعرف اياً منا. واخيراً راحت تحدق في الفراغ فوق كتف امي تحديقاً ملياً و ما لبثت ان صرخت صرخة عالية طويلة ودفعت امي وبدأت تقف وتنظر الى اعلى مواصلة الصراخ. وفي هذه اللحظة العصيبة انهار هدوء امي وصاحت: "طفلتي تموت. اركضي واستدعي الطبيب" وركضت حافية الى حيث التلفون وعندما بلغته وقفت جامدة لا ادري ما اصنع. انها تموت اذاً. وكان جسمي يرتعش وذهني فارغاً.

وفي هذه اللحظة دخل اياد يصحبه طبيب من جيراننا في الحبي وافاقت ياسمين تماماً بعد نصف ساعة وقد اخبرنا الطبيب انها كانت مصابة بنوبة صرع.

واما انا فقد شعرت باعياء شديد وانقباض فانسحبت الى غرفتي واغلقت بابها من الداخل لم يكن في وسعي ان احلل شعوري غير انني كنت اعاني في داخل نفسي من شيء ما، شي لا استطيع تشخيصه ولا اظنني مررت به من قبل. لقد وضعت رأسي على مكتبي وبكيب دقائق دون ان ادري لماذا تماماً ولم ادر ايضاً كيف غفوت وانا في وضعي غير المريح ذلك، ولكنني حلمت.

كان المكان كبيراً شاسعاً اشبه بمحطة قطار امريكية مما يوجد في المدن الكبيرة. وكانت معي حقائب ثقيلة كثيرة. ثم اقبل انسان لم اميزه في الحلم ووقف يكلمني دقائق. وحين ذهب والتفت لم اجد حقائبي. كان مكانها فارغاً حين نظرت ولسبب ما اخافني هذا الفراغ، ولاح معارضاً للمكان الذي كانت تملأه حقائبي العديدة. ورحت ابحث في المحطة عن حقائبي، اصعد سلالم واهبط اخرى، سلالم تجري في دوائر كابوسية الطبيعة. وكنت ارى حقائبي من بعيد كل مرة فاثق من انني ٍ ساصلها بمجرد ان ادور حول التواءة السلم. ولكن الدرجات كانت تنتهي فجاة بجدار بيزغ من الفراغ وينتصب امامي. او يسلمني السلم الى انحاءة لولبية هابطة تجعل حقائبي ابعد مما ظننت. ثم انتهي الى قاعة انتظار ويقف في طريقي حمال زنجي طيب فيدلني بلطف على حقائبي ولكني حين اذهب اليها عبر السلالم افقدها في اللحظة الاخيرة، ثم راحت الجدران تضيق وتتعاكس، والممرات تتعقد وتطول والسلالم تشتبك وانا لا اصل الى أي مكان قط. وكان المكان مملوءاً بالناس وكانوا يدلونني مبتسمين على الطريق ويساعدوني فلا يجدي هذا حتى فرغ صبري ورحت اتصبب عرقاً ولم اعد استطيع الكلام. ثم دوى صوت هائلوكأن قطارين قد اصطدما،واستفقت.

كان كابوساً بلاشك بسبب التواء عنقي وانا نائمة على المكتب.

غير ان البكاء والنوم اعادا الي شيئاً من الهدوء وصفاء الذهن، وفي الدقائق التالية واجهت نفسي مواجهة حقة وقد بزغ امامي ادراك من ذلك الصنف الذي يغير الحياة احياناً. ان القضية قد اصبحت واضحة. انا مولعة باختي وهي لا تطيقني، وقد بلغت الامور نهايتها العظمى هذا المساء، وبات علي ان انسحب فوراً قبل فوات الاوان. لا معاكسات منذ اليوم ولا حلوى ولا دمى. لا محاولات لادخالها غرفتي. الم يثبت لي بعد ان الصرع اهون عليها من صحبتي.

وماذا بعد؟ هل يسرني حقاً ان ارغمها ارغاماً على ان تحبني؟ وما قيمة اخوة لا تنبثق انبثاق الازهار حين تمس كؤوسها حرارة الشمس؟ لقد رأيت ياسمين اول مرة فامتلات بها نفسي وفاضت وتدفقت فلماذا لم تمتليء نفسها بي قط؟ لا ريب في ان اخوّتي المبسوطة الذراعين كانت تتجه الى ثلج وانا لا ادري. ان ياسمين هذه، على عذوبتها جمالها، مرمر جامد لا تحركه صداقتي، وسدى احاول ان اعتصر قطرة حنان من هذه الصخرة.

انا عاطفية؟ جائز. هذا ما تقوله امي على الاقل. ام تراني لا أحسن معاملة هذه الطفلة الغريبة الاطوار؟ لقد استنفذت الوسائل كلها وها انذا ادرك انها عقدة مستحيلة ليس في يدي انا حلها.... انها حاجز مستعص لا استطيع ان اتخطاه، اشبه بذلك الجدار الأصم الذي يبزغ من الفراغ في اعماق الحلم.

وحين اقتنعت بأن فهم ياسمين شيء مستحيل بدأت أشعر بالهدوء. انه ولا ريب شيء مريح ان نعلم ان مفتاح الاشياءا لمستعصية انما يكمن خارج حدود ارادتنا وجهدنا، واللحظة التي نصل فيها الى هذا الادراك هي التي تحررنا من سطوة تلك الاشياء ومن طغيانها وتاثيرها فينا. وهكذا بدأت أحس اني استقل عن ياسمين وخيل الى ان في امكاني ان افترض انها غير موجودة في المنزل وكانها لم تولد قط.

وما كدت اصل الى هذه النقطة حتى شعرت بالسكينة تهبط وتبسط جناحها على روحي. ان في وسعي ان ابتسم الآن. اني حرة.

وهكذا بدأت في حياتي المنزلية فترة جديدة، فلم اعد اقترب من ياسمين او اكلمها لغير ضرورة محتومة، وكان هذا صعباً في الايام الاولى فقد الفت ان انشغل بها بحيث عز علي ان ابعدها عن تفكيري فجأة. غير اني واصلت هذا الفطام النفسي الصارم ورفضت ان اتساهل مع نفسي، وما لبث الالم حتى بدأ يخف ويسير نحو التلاشي. وأما ياسمين فلم يبد عليها ان أي شيء قد تغير في دنياها، على العكس، لقد باتت اوفر صحة ومرحاً، ولاح عليها انها مرتاحة لا ينقصها شيء، ومضى اسبوعان.

وقد حدث في هذه الفترة ان صبية عزيزة من اقاربنا قد ابتلعب، خلال نوبة ضحك، دبوساً كانت تلعب به في فمها. وما لبث الفحص الاشعاعي حتى كشف عن نتيجة غريبة. واذا الدبوس قد استقر في رئتها اليسرى وبدأ التنفس يصبح مؤلماً. واستدعى الامر اجراء عملية دقيقة تجرى في لندن فوراً. ولم يكن اهل الفتاة يحسنون الانجليزية فوقعوا في اشكال وقصدوني يرجون في الحاح ان اصحبهم الى انجلترا لاجراء العملية. وجمعت حقيبتي الصغيرة على عجل ووجدتني بعد يومين في مطار بغداد بصحبة الفتاة وامها.

وحين أزف الوداع ووصلت الى ياسمين ترددت: هل اقبلها كما اقبل الاخرين؟ وتذكرت حادث الصرع فردعت نفسي واكتفيت بان اسلم عليها بعبارة صغيرة ثم استدير متاثرة اكاد ابكي. انها اختي على كل حال ومن السخف ان اعاملها هكذا في لحظة وداع. ومن يدري؟ لعلنا لن نلتقي ثانية قط؟ ولم ترد ياسمين على تحيي وانما اخفت وجهها الصغير في كتف أمي ولم ترفعه حتى غابت عن بصري.

ولم تطل اقامتي في لندن اكثر من شهرين. فقد نجحت العملية التي اجريت فور وصولنا، بعد اجراء الفحوص الأولية وبتنا نرقب المريضة تشفى يوماً بعد يوم وهو امر ترك لنا مجالاً للتفكير في الشؤون الاخر الاقل اهمية، وكان أياد يكتب الى مرتين في الاسبوع وقد لفتت أخبار ياسمين نظري. كان يخبرني انها باتت قليلة النشاط لا تتحرك كثيراً ولا تقبل على الاكل بشهية كما اعتادت. وسرعان ما ظهرت عليها اعراض الحصبة وكانت اصابتها شديدة وحين شفيت اصبحت كثيرة البكاء شديدة الالحاح على الاشياء الصغيرة حتى عجزت امي عن اعادة الاشراق القديم اليها.

وكانت هذه الانباء تؤلمني وتقلقني فأود لو كنت في بغداد لأساعد بشيء ما على ادخال الفرح الى نفسها. وقد ادركت ادراكاً عارضاً ان صوتها وهي تردد عبارتها الثابتة " اذهبي لا اريدك" كان افضل من هذا الصمت في شرفة المستشفى الوطني بلندن، ولم يخطر لي قط ان الفتاة مستوحشة من غيابي عن المنزل وان وحشتها تبلغ هذا الحد. فقد رايت من صدودها ونفورها ما جعلني لا احلم مطلقاً ان تودني يوماً. لقد بات الوصول الى القمر في نظري اقرب منالاً من ان نكون انا وهي اختين.

وفي ذات صباح تلقيت رسالة كبيرة من امي وجدت فيها تفصيلاً لانباء هزتني ولاحت لي غير معقولة. لقد بدأت ياسمين تسال عني وتتخذ غيابي ذريعة لمواصلة البكاء، والالحاح على طلب الاشياء الممنوعة عنها. ثم انفجرت ذات صباح وقالت بلهجة عصبية انها لا تحب احداً في البيت بقدر ما تحبني انا، من امي؟ من أبي؟ من اياد؟ من (سيرسي)؟ وفي الايام التالية باتت تسأل بلا انقطاع عن موعد هودتي الى المنزل، ثم سألت ان يكتبوا الى ويخبروني انها تحبني اشد الحب وتريد ان اعود الى البيت.

أي وقع قد كان لهذه الرسالة في نفسي: لقد وددت لو طوي الاسبوعان المتبقيان من اقامتي في لندن لأعود وارى بنفسي معنى ان تكون انا وياسمين على صقاء، لقد عشت معها في صراع مستمر تسعة اشهر من اجل ان تحس بانني اختها .

في المطار يوم عودتي، كان وجه ياسمين اول وجه لمحته وراء السياج بين المستقبلين، وتقدمت منها وتهيبت ان اندفع واحملها. وعندما ناديتها باسمها اخفت وجهها في كتف امي التي كانت تحملها – تماماً كما فعلت يوم سفري – وقال لها اياد في انفعال: "ياسمين! هاهي وداد قد عادت كما اردت.. سلمي عليها." ولم يجد هذا معها، ولم ترفع راسها. ووجفت نفسي. انها ما زالت تنفر مني ولابد ان يكونوا خدعوني. ولكن لا. لقد عيل صبر اياد فتناولها بقوة من امي وأسلمني اياها. ولم تمانع ولكنها اخفت وجهها على كتفي وابت ان ترفعه او تقول لي أي شيء. على انني لمحت طرف ابتسامة على صفحة وجهها. وانتبهت فجاة الى انها – لاول مرة منذ عرفتها – لم تصح " اذهبي لا اريدك" وبدأت اهدأ وأطمئن. ألم اعرف بعد ان اصغر الاشياء وابسطها تعني بالنسبة لهذه الصغيرة القوية الشخصية اكبر المعاني؟

لقد حملتها وركضت بها في المطار نحو الباب، نحو البيت وقد نسيت حقائبي كلياً. ولم اخجل من سخف منظري وأنا احمل هذه الطفلة واركض وفي المكان الكثير ممن يعرفونني.

1958

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:37 PM
قصة : ظفائر السمراء عالية

قال الصغير أسعد وهو يصفق في مرح:

-يا اولاد، يابنات، أمي غير موجودة والبيت خال، فلماذا لا نباشر في البحث عن الكنز؟

وسقطت كلمة الكنز على الصغار سقوط المطر علىشجرات عطشى، وتعالت الاصوات من كل جهة:

-الكنز، الكنز، هيا نبحث عنه.

وصفقوا جميعاً الا ندى فقد وقفت حائرة تحدق في اوجه رقفائها من الاقرباء. . أحست دون ان تدري لماذا، ان قلبها قد انقبض، وتساءلت في نفسها: أتراها رهبة هذا البيت الكبير المتمادي في القدم، بزواياه المظلمة، واقبائه واوائينه؟ هذا البيت الذي يزرع الكآبة في نفسها دون ان تشخص مبعثها؟ بيت العائلة هذا الغريب العامض الذي تجوبة الملائكة، والذي طالما سمعت عنه الحكايات المثيرة؟ وقالت لنفسها: "الكنز، واين سنبحث عنه؟ ومن قال ان له أي وجود؟ ورأت نفسها تعبر عن افكارها بصوت مسموع:
-جمال! لا تشترك معهم في هذا العبث الصبياني. انا اظن ان هذا الكنز اسطورة جميلة يكفينا ان نستمتع بقصتها في ليالي الشناء وليس اكثر.

وخطا جمال نحو ندى اقرب افراد الزمرة الى نفسه وقال:

متشائمة على العاد ياندى. لقد سمعتُ أبويُّ وعماتي يقولون مراراً ان في هذا البيت كنزاً لا يعرف احد موضعه وقد تحدر من الاجداد. وفي وسعنا نحن ان نبحث عنه. ومن يدريك اننا لن نكون الذين نعثر عليه؟

وردت عليه مجيبة:

-انهم يقولون اشياء كثيرة. منها مثلاً ان في هذا البيت ملكاً صالحاً . كلكم تعرفون هذا القصة طبعاً.

وسأل مجدي مندهشاً:

-ملك صالح؟ عجيب، من قال هذا؟ انا لم اسمع به قط. حكاية الكنز سمعتها مراراً، فمن يقول بوجود ملك صالح؟

اتجهت الانظار الى ندى وساد صمت اذ اندفعت تقول، وفي صوتها رعشة خفيفة لم يلاحظها الصغار:

-طبعاً هناك ملك صالح. لقد قصت علي عمتي فهيمة مراراً انها رأته. كان يخرج من "البيتونه" اقصد الواحدة التي تنامون فيها صيقاً يا مجدي. وهذا الملك لا يخرج الا وقت الغروب، قالت عمتي انه طويل القامة مشرق الوجه ينبعث من جبينه نور ويرتدي عمامة وجبة نظيقة. ويخرج وياتي الى حوض الماء ويتوضأ ، حتى اذا لاحظ ان عمتي قد راته، خفض وجهه الى الارض واسرع بالانصراف.

وصاح مجدي:

-كلام خرافة يا ندىـ هل تصدقين هدا؟

-وانت؟ اذا كنت لا تصدقه، فلماذا تصدق حكاية الكنز؟ كانت ندى في اعماقها تخاف هذا الملك الصالح. ولم تكن في الواقع تجرؤ على تصديق ظهوره، وتذكرت عشرات المرات التي كان يرعبها ان تسير وحدها في المنزل الكبير عند الغروب فاذا سقطت ورقة جاقة من أشجار النارنج في وسط الدار اجفلت وتلفتت ظانة انها خطى الملك الصالح الخفيفة الهادئة وهي تتبعها.

وصاح الصغير أسعد:

-بالله عليكم، دعونا من هذا الملك الصالح. ان في هذا البيت كنزاً فلنبحث عنه. تصوروا أية سعادة سيحس بها أبي اذا ما عثرنا على كل ذلك الذهب وتلك المجوهرات ووضعناها بين يديه!

صفق الاولاد كلهم: أشرف وجمال ومجدي وخولة واسماعيل وعبد الكريم وانعام. الا ندى فقد انكمشت واحست بالكآبة تعتريها ثانية. دون ان تدري من اين تطلع هذه الكآبة. كانت تحس دائماً ان بيتهم هذا تسرى فيه روح خفية. ربما كان جو القدم ورهبة الاجداد الذين سكنوه هو الذي يرعشها، فهي تستوحش كلما هبط المساء، وراح يخيل اليها ان الغرف تقذفها بالظلمات المسكونة. وقد اعتادت ان تبتعد في سيرها عن الجدران كأن لتلك الجدران نفساً حية. كان سلوك ندى نحو كل ما في هذا البيت ضرباً من الخشوع الطفولي المبهم الذي تحار فيه هي نفسها.

وصاح أشرف، اكبرهم، وهو يصفق بيديه مرتين:

-هيا، هيا، ما لكم تقثون ولا تتحركون؟ الى المطبخ اولاً. فانا اظن انه أفضل مكان يفكر الاجداد ان يخفوا كنوزهم فيه.

وعادت ندى الرعدة. المطبخ! اهو مطبخ يا الهي ام قبو مظلم كبير يبني فيه العنكبوت؟ كان امتداده المتطاول يبدو لها بلا نهاية فهو شاسع مخيف. وطالما تسائلت ندى: لماذا اراده الجد الاعلى طويلاً هكذا؟ كل ما تعلم انها تخاف المرور امام هذا المطبخ في الليل وترتعش وترتعد وتجري. اما الاولاد الآخرون فاندفعوا في ضجيج الى المطبخ. نزلوا السلم قفزاً وركضاً، وتزلت ندى في آخرهم ثم تجمعوا امام تلك الفوهة الرهيبة ووقفوا جامدين لا يتحركون. لم يكن احد منهم يريد الاعتراف بانه يتوجس خيفة من دخول المطبخ الذي هجرته العائلة منذ زمن بعيد فلا أحد يطبخ فيه وانما يستعملون غرفة في الطابق الثاني في مكانه، وانبرت خولة المنكتة المرحة دائماً وقالت وهي تضحك:

-يا أولاد: كم من افعى ناعمة ممدودة اللسان تختبيء في هذا المطبخ واذا ما توغلتم بعيداً في ظلماته فستجدون في استقبالكم والترحيب بكم سبع عقارب.

وهتف عبد الكريم أخوها بصوته الطفولي:

-انت تمزحين ياخولة. ولكن تذكري كم عقرباً قد لدغ خالتي فهيمة في هذ ا المطبخ.

عند هذا تقدم اخوها اسماعيل الذي الفه كلهم جريئاً مقداماً مقتحماً لا يخشى شيء مطلقاً، قضلاً عن انه عنصر الفكاهة والمرح بينهم دائماً، ذلك على الرغم من كآبة غريبة تكمن في تقاطيع وجهه الاسمر الشديد السمرة. صعد اسماعيل على درج السلم فصار مشرفاً على المجموعة كلها وصاح بلهجة خطابية فخمة:

-أيها الاخوان! الظلام امامكم، والعقارب والحيوانات وراءكم فاين المفر؟ اما والله انه لابد من الوصول الى هذا الكنز العظيم، وسأكون اول من يدخل المظبخ. فمن شاء ان يتبعني فليتبعني.

قال ذلك وقفز الى الارض وشق طريقه بين المجموعة راكضاً ودخل المطبخ واندفعوا كلهم وراءه الا ندى التي بقيت واقفة وقالت لنفسها: ليس هذا اول مسلك غريب من اسماعيل ولعله انما يدخل المطبخ بحثاً عن العقارب التي يغرم بها. فكم من مرة ضبطناه وحيداً صامتاً وقد ادخل سبابته في أي ثقب يجده في جدران هذا البيت العتيق. وتسأله: يا أسماعيل، لماذا لا تشاركنا الحديث؟ فيرد دون ان يضحك انه يبحث عن العقارب. ما ترى سر ولعه بالعقارب. ولماذا كان هو الوحيد بيننا الذي اهتم عندما سمع ان قشور الباذنجان لو تركت في علبة مغلقة شهراً تولدت منها العقارب. فقد قام باجراء التجربة وانتظره شهراً وفتح العلبة وكان حزنه بالغاً عندما لم يجد اية عقارب.

صاحت خولة من اعماق الظلمات في المطبخ.

- ندى! لماذا لا تدخلين هنا معنا؟ تعالي ولا تخافي .

وتقدمت ندى بحذر وخطت الى داخل المطبخ. ولم تر اولاً أي شيء لشدة الظلام، وعندما الفت عيناها العتمة رأت اسماعيل يحرك طستاً كبيراً صدئاً مملوءاً بالتراب والأحجار.

وقال أسعد:

-انتبهوا، ربما كان الكنز مدفوناً تحت هذه الاحجار، وهذا القدر المدور الكبير ماذا فيه يا ترى؟

ووجدت ندى انها اصبحت ترى بوضوح فتبصر كل الاشياء العتيقة المكدسة في الجزء المظلم من المطبخ مما قد خلفه اجداد لا علم لاحد بهم ولا بتقاصيل حياتهم. وشعرت ندى من جديد بأحساس غريب هو مزيح من الخشوع والدهشة والكآبة والحيرة امام المجهول. خيل اليها ان هذه الاواني المعدنية والحجرية والفخارية تنطق بلغة لا تفهمها. وكان يبدو لها ان ليس لاحد الحق ان يلمسها. ان لهذه الاشياء مالكين وان كانوا قد ذهبوا ولم يعد لهم حضور. واحست ندى اول مرة في حياتها بمعنى ذهاب الانسان وزواله. والى اين رخل هؤلاء الاجداد الذين خلقوا اشياءهم الصامتة هذه؟ انهم قد ماتوا جميعاً، ماتوا يا ندى، وحتى كنزهم المزعوم تركوه وحللنا نحن مكانهم وامتلكنا اشياءهم. وشعرت البنت الصغيرة بأن جسمها اقشعر وان الحزن تسرب الى نفسها.

وخلال ذلك كان الاقارب الصغار قد قلبوا اشياء كثيرة في المطبخ بعد ان رقدت ساكنة عدداً غير معلوم من السنين. وعندما لم يجدوا شيئاً قال مجدي:

-يا أخوان! لا أظن جدنا الحاج عطا يخفي ذهباً هنا. لعله دفنه في سرداب السن؟

وعند هذا الاسم الاخير صدرت من الصغار كلهم شهقات خوف وهمهمات. وقال جمال:

-اذا كان الكنز "هناك" فلا امل لنا. فلم يعرف قط ان دخل هذا السرداب احد منذ اربعين سنة. قالت امي مراراً ان العمة مريم قد افقلت السرداب واخفت مفتاحه لان زوجها المسكين قد مات من الرعب فيه. ومنذ ذلك التاريخ البعيد لم يعد احد يقترب منه.

وصاح اسماعيل مستهزئاً:

-هراء. انا لا اخاف وعندي الاستعداد الكامل لاقتحامه فوراً.

وظهر الرعب على وجه اخته خولة وقالت:

-اسماعيل! انك لمجنون. والله لو فعلتها لاخبرن ابي.

انك لن تخرج حياً من سرداب السن.

وقال جمال وكانه يريد ان يقفل باب المناقشة:

- لا تتخاصموا يا جماعة. فالسرداب على كل حال مقفول. وان في الحق لا اعتقد ان جدي اخفى كنزه هناك. ما رايكم لو صعدنا الى غرفة العمة زكية للبحث فيها؟

وهتف مجدي على عجل بلهجة قاطعة وهو ينفض يده من تراب طاسة مدورة كانت في يديه:

-لا، لا ، لا كنز هناك، وافضل مكان للبحث هو "كبشكان" العمة فهيمة.

-لا هذا ولا ذاك. افصد الواحد المهجور الذي نره يفتح قط دائماً نرى من نافذته خطوط العنكبوت ونسمع عنه الاقاصيص ورد اشرف:

-كلا، لو كان فيه كنز لما بقي مقفلاً كل هذه السنين. ياجماعة، لا اظن اجدادنا يخفون كنوزهم في هذه الاماكن المهحورة. فلتبحث في الغرف المأهولة. أظن غرفة نوم أمي افضل مكان يوضع فيه الذهب. لعلنا لو حركنا السجادة فيها لوجدنا تحتها علامة تدلنا على مكان الكنز؟ ان هذه السجادة تنتمي الى القرن التاسع عشر ونحن الآن في عام 1932.

قال جمال محتجاً:

-ولكن اني ترفعها وتنظفها وتعيد فرشها كل شتاء.

-صحيح ما تقول. غير ان امي مثل سائر الكبار لا تلاحظ العلامات التي قد تكون على الارض. ونحن الصغار اكثر ملاحظة وادق رؤية. هبا بنا الى غرفة امي الكنوز يكتشفها الصغار الاذكياء.

ولاح ان الجميع اقتنعوا. ولعلهم وجدوا في هذا الحل مهرباً مما يجزعون منه وهو دخول الغرف المهجورة التي ينبعث منها غبار القدم وتغشش فيها عناكب المجهول. تلك الزوايا الموحشة المققلة المليئة بأشياء لم يستعملها أحد منذ عشرات السنين. مهما يكن، فقد اندفعوا كلهم صاعدين الى حيث غرفة النوم الكبيرة.

ولم يكن في هذا الغرفة ما يخيف . غرقة واسعة مفروشة جدرانها منقوشة نقوشاً قديمة جميلة لا حد لدقتها وروعة ألوانها. ويتصدرها سرير الوالدين العالي الكبير. وعلى كل جدار منها، عند السقف، آية قرآنية مكتوبة بالخط الثلثي مثل "انا فتحنا لك فتحاً مبيناً" ومثل "ادخلوها بسلام آمنين." وتحف بالغرفة "روازين" ملونة بالنقوش. وكانت ندى تتذكركلما رأت هذه الروازين المستطيلة تلك الليالي الجميلة التي كانت تضاء فيها بالشموع الكثيرة. وفي اعماق الليل يوقظ الكبار الأولاد للاحتفال بلحظة (دوران السنة) او عيد النوروز. كانت هذه الليالي ترتبط في ذاكرة ندى برائحة الكاقور المحترق مع لهب الشموع. كما تقترن بخشخشة النقود، لان الاهل كانوا يضعون في يد كل صغير وصغيرة قروشاً قليلة ويسألونهم ان يحركوها فترن وتهسهس وهو امر يبعث على التفاؤل، راجين ان تعطيهم السنة القادمة نقوداً كثيرة تنقذ الاسرة من العوز والعسر اللذين تعاني منهما في هذا البيت البالي الكبير.

وراح الصغار الملهوفون يبحثون في خبايا "الروازين" وتحت السجادة العتيقة وتحت السرير. صارت الغرفة كانها خلية نحل فالكل يتحرك ويبحث وصاحت انعام الصغيرة شقيقة ندى: "هذا هو الكنز. انظروا.؟ والتفوا حولها فوجدوا ورقة بالية تلف شيئاً ما. وامسكوا أنفاسهم وفتحوها بايدٍ منفعلة فاذا فيها قطعة قماش قديمة تحتفظ بها أم اشرف تذكاراً من والدتها المتوفاة. وقال عبد الكريم الصغير:

قلبي يحدثني ان هذا الكنز لن يكون الا في "الارسي" هيا بنا الى هناك.

واندفعت الموجة الصبيانية كالريح الهوجاء. وبدأوا يقلبون كل شيء في هذا الأرسي." لم يجدوا شيئاً. وصاح أشرف: - يا جماعة، هذه الفجوة الكبيرة الواطئة في الجدار. الا تلفت النظر؟ فكروا. ما الهدف من وجودها هنا؟ ولماذا بناها الاجداد منخفضة هكذا؟ ولم كانت فارغة؟ ما رأيكم ان ادخل فيها وابحث؟؟

فال مجدي متحمساً:

-ان سريري يغطيها. هل نسحبه؟ وهتف جمال:

-طبعاً نسحبه. والحقيقة ان وجود هذه الفجوة الكبيرة غريب مع انه لم يسبق ان لفت نظرنا ابداً.

وتعاونوا في اندفاع محموم وجروا السرير الحديد، وفقز اشرف في الفجوة ولامس رأسه سقفها وهتف وصوته ياتي مختنقاً:

- يا اولاد، يا بنات ، ان في السقف فتحة غريبة جداً لم يسبق لنا ان اكتشفناها مطلقاً. هل ترون ان ادخل يدي فيها لاري ما بداخلها؟ وصاحت خولة وهي جادة هذه المرة:

- احذر يا أشرف. لعل فيها عقرباً.

وانتهرها أخوها اسماعيل:

-يالك من جبانة. انك لا تفكرين الا في العقارب والرعب يملك نفسك. هل نضيع الكنز خوفاً من عقرب؟ اذا لم تمد يدك يا أشرف فأنا مستعد أفعل ذلك بدلك. وسكت أشرف لحظات ولاح انه أدخل رأسه في الفتحة وامسك الآخرون أنفاسهم وفجأة قال وصوته يأتي من بعيد.

-ارى شيئاً كبيراً كالصخرة في الداخل. انتظروا. لابد من ان ادخل يدي واسحبه.. يا ألهي.. ما هذا؟ انها صرة ضخمة فيها اشياء ثقيلة. الا تسمعون؟ انها تخشخش.

جاءت اصوات مختلفة: اسحبها يا أشرف. جرها بيدك. أسرع يا أشرف. ماذا تنتظر. وأجاب أشرف.

انها ثقيلة وبعيدة عن متناول يدي. صبراً. ها . بدأت تتحرك من مكانها. آه. آ .. يا الله!

وفجأة أخرج يده وفيها صرة كبيرة من قماش فخم مخطط ولكنه بالي الالوان من طول القدم. وتخاطفتها الايدي المشتاقة وسرعان ما حملوها الى السرير. وراحت الأيدي تتسابق في فك العقد والاربطة حتى انفتحت الصرة وشهق الجميع ووقفوا مصعوقين مبهورين ساكتين وخدودهم تشتعل وعيونهم تومض باشعة خاطفة. وكان اسعد اول من قال:

-الذهب. الكنز. عثرنا على الكنز.

لقد لمعت امام الاعين المندهشة غير المصدقة مجموعة من القلائد الذهبية المحلاة باللؤلو، والخواتم ذات الفصوص الياقوت والأسورة، والزناديات والخلاخيل الفضة المزينة بالشذر الازرق، والظفائر. كان كل ذلك من الذهب الخالص. ذهب، ذهب كثير ومجوهرات تخطف البصر.

حين زال اثر المفاجأة الأولى علا الضجيج بينهم وراح اسعد يرقص ويغني.

وجدنا الكنز، وجدنا الكنز.

وقال أشرف:

-انظروا، ما اجمل هذا السوار. انه محلى بفصوص الشذر الزرقاء.

اما خولة فقد حملت في يدها مجموعة من الظفائر الذهبية وهتفت وهي محمرة الوجه:

-يا الله! ما هذه؟ اني لم ار له شبيهاً. من ترى كان يلبسها؟ وكيف تلبس ؟ واين؟

كانت ندى قد رأت مثلها عند سيدة جارة للاسرة قالت ان زوجها اهداها لها عند زواجهما.. وتذكرت انه كان لهذه السيدة شعر اشقر طويل، وقالت ندى لابنة عمتها خولة:

-هذه ظفائر تعلق بالشعر كل منها تجدل مع جديلة لبنت لها شعر مسترسل. ومن اعماق القلب هتفت خولة:

-يا الهي، كم كنت اتمنى ان يكون لي شعر سبط طويل لالبسها ومع قصر شعرها حاولت تعليق احدى الظفائر برأسها فسقطت من يدها على الأرض.

واختلجت ندى ورجعت الى الوراء خطوة.. قالت لنفسها:

-فظيع ان تلهو خولة وتسقط الظفيرة على الارض. انها ولا ريب ظفائر جدتنا الحلوة عالية. واعانتها هذه الظفائر على ان ترسم للجدة الغامضة الجميلة صورة شعرية، فهي في ذروة شبابها النضير، تتمخطر في هذا المنزل، وقد تدلت في شعرها الاسود المسترسل هذه الظفائر الذهبية الباهرة. وعلى العادة ارتفعت ندى بخيالاتها الصبيانية الى آفاق روحية عالية. فقد كانت الجدة عالية لدى ندى، المثل الاعلى للجمال والغموض والوداعة والسمو الى ما لا تدركه الصبية بسنواتها العشر.

وطالما حلمت بها في الليالي الطويلة وهي مستلقية على ظهرها مفتوحة العينين. طالما تجسمت عالية امام خيالها شابة سمراء هندية مثل أمهاـ صغيرة الفم مدورة الوجه طويلة الشعر تلمع عيناها بسواد لا مثيل له. كان فيها، في خيال ندى، سحر الهند بغاباتها وجبالها وغموض البحر بأمواجه الزرقاء اللانهائية. لأن السمراء عالية، كما تروي الاقاصيص العائلية التي سمعتها ندى من العمات الكبيرات، قد جاءت من البحر، ولكم كانت ندى تتعطش الى رؤيتها. طالما سألت عنها الكبار في الأسرة. وجلست طويلاً تتسقط اخبارها في ليالي الشتاء. وكانت تتحرق الى رؤية ثوب من ثيابها الموشاة بالألوان الجميلة الساخنة القادمة من الهند.

وصاحت خولة:

-ندى. كيف تسرحين بذهنك ولا ترين جمال الظفيرة على شعري؟

وبلهجة حالمة معاتبة همست ندى وصوتها مبحوح من الانفعال:

-اتركيها. لا تمسي قداستها. انها ولا شك ظفائر جدتنا عالية.

فلقد كان لها شعر أسود طويل منسدل على كتفيها. وكان هذا الذهب يلائم وجهها الاسمر ويعطيه اشراقاً وبريقاً.

ضحكت خولة وقالت:

-يابنت خالي. انت لا تنتهين من احلامك بجدتنا عالية.

وفجأة مدت خولة كفيها وأمسكت بينهما بوجه ندى وهزته عدة مرات وضحكت وهتفت:

-اين تسبحين؟ في أي ملكوت؟ لقد كانت حبيبتك جدتنا عالية يرحمها الله عجوزاً شمطاء ملحاحاً. ولو عاشت بضع عشرة سنة اخرى لادركت انت نفسك ورأيت وجهها الذابل وانحناء ظهرها وارتعاش يديها.

قالت هذا وقهقهت، واستفز ذلك ندى وجعل وجهها يحمر وتصيح:

-وهل رايتها انت لتقولي هذا؟ تذكري انك اصغر مني عاماً. القي بهذه الظفائر. القيها بالله عليك ياخولة. انها يجب الا تلمس.

خلال ذلك كان الارسي في هرج ومرج. كل صبي وصبية يحمل في يديه قطعة ذهب ويهتف بحماسة حيناً، ويهدأ حيناً. كانوا جميعاً في هستريا من الذهول والفرح، وجوههم مبهورة محمرة وهي يتصايحون ويدورون في "الأرسي" الصغير. واخيراً قال جمال:

- اسمعوا يااولاد.يجب ان نتعقل وندرك ما حصل. ان هذا الكنز كان – كما قال ابي مراراً – ضائعاً مفقوداً منذ سبعين عاماً او اكثر. وقد كان جدي الحاج عطا نفسه يتحدث عن وجوده في البيت. وقد يئس اباؤنا وامهاتنا من البحث عنه. ونحن اليوم قد عثرنا عليه، عثرنا عليه، أتفهمون معنى هذا؟

وعاد اسعد الى الضحك المضحك وقال:

- أعترفوا جميعاً بانني انا الذي اقترح عليكم البحث عنه. الفضل لي، الفضل لي، الفضل لي.

وتوقف عن الرقص والغناء وقال:

- تذكروا ان امي ستعطيني مطافأة كبيرة عندما تحضر.

وهتف أشرف:

- هراء ياصغير. انا الجدير بالمكافأة لأنني انا الذي استخرج الكنز من الحائط. وبيدي هاتين سحبت الصرة واسلمتكم اياها.

فالفضل لي لا لك.



يتبع

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:38 PM
تكملة قصة : ظفائر السمراء عالية



وانبرى عبد الكريم وصاح محتجاً:

- اما كنتُ انا من اقترح عليكم البحث هنا في هذا الارسي؟ انتم قد تخبطتم طويلاً في المطبخ وغرفة عمي ام اشرف. ولولا فكرتي هذه لكنتم الآن امواتاً في سرداب السن.

قال ذلك وضحك بصوت عال ثم دق على صدره وصاح:

-الفضل لي، انا عبد الكريم.

وعلى العادة كان المعتدل هو جمال الذي راح يقول:

- يا جماعتنا . لا تتنازعوا. الفضل لنا كلنا بمجموعنا. وسيكافئنا اهلنا مكافأة كبيرة. هاتوا قطع الكنز كلها واعيدوهاالى الصرة. ولنجلس جميعاً في حراسة ثروتنا العظيمة هذه. ان اللصوص قد يداهموننا ويسرقون كنزنا كما تعلمون.

وجلسوا على الأسرة جميعاً، وراحوا يهزون ارجلهم المدلاة في انفعال. وانتقلت ندى الى عالم الحلم. لعل جدتها عالية غاضبة الان، تطل في ضيق من عالم الموت. انهم قد ابتذلوا ظفائرها التي رقدت آمنة في مخبأها كل هذه السنين. ثم خطر لندى خاطر. ماذا لو ظهرت هذه الجدة الجميلة الليلة في المنزل كما كان يظهر الملك الصالح والتقطت ظفائرها ومضت..؟ يا الله.. ليتها تدعني اراها لحظة واحدة.

وسأل أشرف وهو يقكر:

-ترى ماذا سيصنع ابي عندما نضع بين يديه هذا الكنز الليلة؟

تراه سيحقق فكرة معمل الثلج الذي يحلم بانشائه؟

أما جمال فقد تساءل:

-وهل يصح ان تبيع العائلة هذه القطع التذكارية البديعة؟

ووجدت ندى في هذا السؤال تشجيعاً لها على الكلام الذي كانت تخشاه فان الاخرين يعاكسونها لانها حالمة وغير عملية. ولكن عبارة جمال شجعتها فقالت:

-مستحيل ان يبيعوها.. ان فيها عطر الماضي الذي عاشه اجدادنا.

من يدرينا ان هذه الحلى لم تجيء من الهند؟

ولم يفوت مجدي الفرصة وضحك وقال:

-رجعنا الى خيالات ندى. قال من العند. لعلك ايضاً تتوهمين انها كانت مع والد جدتي عندما غرفت به السفينة في المحيط الهندي وهي في رأيي قصة اسطورية ولا حقيقة لها. يا اولاد! هل تصدقونها؟

وانبرى اشرف يرد بقوة:

- انها ليست قصة خيالية. لقد غرقت به السفينة حقاً وتعلق بخشبة عائمة مدة عشر ساعات، حتى انتشلته سفينة اخرى وحملته الى الهند. هذه اشياء نادرة الحدوث ولكنها ليست مستحيلة.

سخر مجدي وازاح بيده خصلة شعر متدلية على جبينه. واكد ثانية ان هذه خرافة لا تصدق. اما ندى فعاودها الاحساس بأن تاريخ العائلة مليء بالاسرار. وها هم قد تركوا لاحفادهم هذا البيت وهو كله معميات وطلاسم. قالت لنفسها:

- اننا نسكنه منذ ولدنا ومع ذلك لا نعرف عنه الا القليل. هناك غرف كثيرة وكبشكانات مغلقة منذ زمن بعيد. وكانها الغرفة رقم 40 في تلك القصة من الف ليلة حيث يعلقون الفتيات الجميلات من اهداب عيونهن. وهناك سرداب السن الرهيب الذي لا نعرف عنه الا انه شديد العمق تحت الارض وقد مات فيه زوج العمة مريم من الرعب. وكلما مررنا بع زلزلنا الخوف، واحياناً نطل من الكوة الصغيرة التي نصبوها في اعلاه، فلا نرى الا الظلمات المخيفة، لا شيء غيرها.

وفي هذه اللحظة سمعوا الباب يقرع. وانتفض الكل كان شيئاً مثيراً قد وقع. وقفز جمال راكضاً وصاح:

- انها امي . جائت امي.

واندفع الجمع كله نحو الباب. ولم تتحرك ندى. وعندما خلا المكان اقتربت من الكنز ووقفت خاشعة امامه. كانت تريد ان تبكي، لا تدري لماذا؟ ومدت يدها لتلمس الذهب ولكنها سحبتها مرتعدة. كان هناك شيء يبعث التهيب في نفسها ويمنعها من اللمس. وبدأت قطرات من الدمع تترقرق في اهدابها. وبكت بالفعل كعادتها كلما انفعلت، وخجلت من دموعها ومسحتها قبل ان يندفع الجمع عائداً الى الغرفة. وصاح مجدي:

-حسناً فعلت يا ندى. كيف تركنا الكنز وركضنا كلنا؟ انك كنت الحارسة. ولكن ماذا كنت تفعلين؟

وقالت خولة وهي تغمز بعينها:

تحلم بجدتها المحبوبة عالية، وتتخيل الظفائر الذهب متدلية من شعرها الاسود الطويل..

وسـالت ندى وما زالت الدموع في اهدابها:

-ولكن اين جدتي؟ الم تجيء؟

واجابها جمال:

-أمي؟ الا. انه بائغ النفط طرق الباب. وبهذه المناسبة، هل ترون من الحكمة ان نفاجيء امي بالخبر؟ ام الاحسن ان نتفق على خطة.

قال اسماعيل:

-بل المفاجأة، المفاجأة. ما لكم لا تحبون المغامرات يابني قومي؟

اني أحب ان ارى كيف سيكون وجهها عندما نباغتها بأننا قد عثرنا على الكنز المفقود منذ مائة عام.

وراحوا يتدارسون الموقف، وأصر اشرف وجمال وخولة على ان الاوفق التريث في نقل النبأ العظيم الى أم أشرف عندما تعود واخيراً تنازل اسماعيل عن اصراره ووافق الكل على الخطة.

ولكن ام اشرف عندما جاءت ودخلت المنزل رات الكل وافقين في الممر امام باب البيت، ولعلها رات الانفعالات المتوهجة في خدودهم، واللمعان الحار في عيونهم فقد اعترتها الحيرة وسألت:

- يا اولاد، ما لكم؟ ان هناك شيئاً تخفونه عني. قولوا ماذا حدث؟ واندفعوا كلهم يتكلمون معاً.

- لا شيء يا أمي.. عمتي ليس من شيء مهم... جدتي لقد كنا نلعب.. ادخلي يا امي، ادخلي، اسماعيل دعها تمر.

كانت العبارات متقطعة، انفعالية، مبهورة. وكان الكل يتحركون ويتراكضون حول ام اشرف. وصعدت الى غرفتها فدخلوا وراءها بمجموعهم. كانوا يجرون خلفها وأمامها عبر الممرات والطارمات وتوقفت عن المسير، والتفتت اليهم وقالت بخوف:

- ياشياطين؟ هناك شيء مهم تخفونه عني. قولوا ماذا؟ اني قلقة.

وصاح اسعد باندفاع جارف:

- امي ، لقد عثرنا على الكنز.

وأيده عبد الكريم:

- أجل يا عمتي. والله لقد وجدناه. الكنز الذي تبحثون عنه منذ ثمانين سنة.

وتصايح الباقون بلهجة غاضبة مؤنبة:

- اسعد، عبد الكريم، ما هذا السخف؟ الم تنفق على عدم اخبارها؟

اما ام اشرف، فقد شحب وجهها وصاحت بلهجة شكوى تدل على حزن له ماض طويل:

- اي كنز يا ابالسة؟ وهل في هذا البيت البالي كنوز متبقية؟ انهم لم يتركوا لنا الا الجدران العتيقة والغرف المقفولة المملوءة بالاحجار لا شك في انكم تدبرون لي مأزق بهذا الذي تقولونه. ماذا تراكم فعلتم في غيابي؟ اخبروني فوراً.

قال جمال:

- لا تجزعي يا أمي واستريحي. انك قد لا تصدقين ما نقول ولكنه الحقيقة. لقد عثرنا على الكنز الذي تبحث عنه العائلة.

عند هذا قالت امه:

- هراء، هراء ، فليس في هذا البيت كنوز.

وقال اشرف:

- انت لا تصدقين لطول اليأس. ولكن تعالي معنا يا أمي الى الارسي لتري الذهب بنفسك.

صاحت الام وهي تشهق:

- ذهب، اتقولون ذهب؟ يا ويلي ان كان ما تقولونه حقاً. تعالوا وأروني.

واندفعت ام أشرف مسرعة والاولاد يجرون ويتراكضون حولها في انفعال شديد وترتفع الهتافات:

قف، اسماعيل، انا اريها اياه.. كلا دعو الامر لي، اسعد لا تسبقني انا اكبر منك سناً عمتي انتظري حتى نخرجه من المخبا.

وكان اشرف اول من اخرج الصرة من تحت السرير. ثم قلب كل ما فيها من ذهب على الفراش. عند هذا سقطت ام اشرف على السرير وقالت بانزعاج واضح:

- كنز يا سذج؟ ويحكم لما صنعتم. ان هذه القطع الذهبية امانة عندي اعطتني اياها ام خليل لاحفظها لها خوفاً من اللصوص في منطقتهم. وما كان يخطر لي ابداً انكم ستعثرون عليها. اما انكم لشياطين.

ولكن ام اشرف بدأت ، بعد زوال المفاجأة، ترى الجانب المضحك من الموضوع فراحت تضحك وتداعب الصغار. كانت تمازحهم وتلاطفهم فلا يستجيبون. لقد غمرتهم خيبة حزينة على الحلم الباهر الذي تساقط تراباً. انهم اذاً لن يجدوا الكنز فيا ضياع الاماني والافراح. يا فرحة لم تتم. واذن فليس هناك مستقبل من الغنى والثروة للأسرة. وسرعان ما أدركت أم أشرف احساس هؤلاء الصغار، ومرارة الواقع الذي اصطدموا به، فامتلا قليها عطفاً عليهم وقالت:

- يا احبابي، يا اعزائي. لا تصدقوا ان في هذا العصر كنوزاً. كان ذلك في قصص الف ليلة وليلة. وما من ثروات مدفونة في بيتكم البالي هذا. وحتى لو تالمتم وحزنتم فلابد لكم ان تجابهوا الواقع. نحن فقراء وليست لنا كنوز.

ولكن الاولاد واصلوا كآبتهم وصمتهم. واستمروا جالسين على الاسرة وعلامات القنوط واضحة في حركاتهم كلها.

وتسللت ندى من الارس الى الخارج حيث "الطارمة" الواسعة المطلة على باحة المنزل. كان الغروب قد بدأ يظلم. واحست الصبية بحاجة الى البكاء المر. وبالفعل راحت تبكي. هي ايضاً خابت كما خابوا ولكنها تعلم ان خيبتها تختلف عن خيبة الاخرين. فهي قد فقدت الحلم الذي عاشت تحلم به. سر واحد من اسرار عذا البيت الغامض، الغريب، المجهول، ظفيرة واحدة من ظفائر الحبيبة عالية. لقد امتلأت أمسيتها بهذه الظفائر واعطتها كنوز السر، وفتحت لها عوالم مسحورة، نوافذ تطل على بحار الاحلام.

واذا جدتها ام اشرف تجيء وتكسر الغضن الاخضر في قسوة بالغة. انها قد ابلغت نافذة المجهول، يا الهي لماذا تخيب الاحلام هكذا دائماً. لماذا؟ لماذا؟

بدأ الظلام يحلك في باحة المنزل. ولاحت شجرات النارنج راكدة راكدة لا حركة على أغصانها. وصارت اللواوين والمطبخ والحمام المهجور تقذف ظلاماً مخيفاً. وشعرت ندى انها تحتاج الى جمال الذي يكبرها بعام واحد. من بين الصغار فهو الوحيد الذي يفهمها وفي لحظة استجاب الله لرغبتها وجاء جمال ووفق الى جوارها وقال:

-ندى، ان من السخف ان نجزع لما حصل.

كان يحاول ان يسترجع ذاته ويعين ابنة اخته العزيزة على العودة الى الواقع. وادركت ندى انهما لن يستطيعا ان يزيحا الظل من نفسيهما هذا المساء. وكانت في هذا الادراك اكثر واقعية منه.

وشهدهما الليل الجديد يجلسان كئيبين على الدكة الخشبية القائمة في اول الارسي، صغيرين، حائرين ، يفكران اول مرة في حياتهما ان الحياة قد تكون مرارة خالصة احياناً. عندما يتكسر الحلم الى عشرين شظية.

واستمر الصغيران صامتين، ومرت الظلمة وداعبت راسيهما.

كانت صامتة هي الاخرى مثل جمال، مثل ندى، مثل البيت الغامض كله.

ومرت نسمة باردة حركت غصناً في شجرة النارنج فسقطت نارنجة كبيرة على الارض. ثم ساد صمت كامل.

1974

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:39 PM
دراسات

دراسة : المرأة بين الطرفين: السلبية والاخلاق

المرأة بين الطرفين

السلبية والأخلاق



لم يزل موضوع المرأة مجالاً عاطفياً، تناوله الاقلام في كثير من الانفعال على اسلوب يبتعد عن الموضوعية وحكمة التجرد من الأهواء. فالمعتقدات الفردية والآراء الاجتماعية المتجمدة والعواطف توشك ان تجعل الموضوع شاقاً على الباحث، فلا يأمن حين يتناوله من ان يقع في مزلق اجتماعي، او ان تلتهمه سورة عاطفية جارفة تتدخل فيها تنارات تجاربه الشعورية الخاصة، وقد توقعه لفتة هنا والتواءه هناك في هاوية سياسية او دينية. وما هذا الا لان موضوع المرأة لم يخرج بعد عن ان يكون موضوعاً اخلاقياً، وكل موضوع اخلاقي لابد ان يمس، من جهاته المختلفة، شتى نواحي الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في المجتمع الانساني. ولا شيء اصعب على الباحث من معالجة قضايا الاخلاق، لان كل فرد في المجتمع يعد نفسهُ، بمعزل عن ثقاقته، مصدر ثقة في هذه القضايا، ومن ثم يتحول الموضوع الى حقل العواطف وتنتقل قضايا الاخلاق الى حيز الشعور . ولعل ابرز دليل على هذا التحول الخطر ما نراه من ان القانون الذي يحكم القضايا النسائية يستمد كثيراً من موادهُ من العرف المحلي دونما نظر الى المنطق. والعرف لو دققنا قانون يتالف من تراكم العادات والعواطف عبر العصور في بيئة ما، وهو بهذه الصفة يخرج بالضرورة عن النطاق المفروض للقانون.

على ان المصاعب الاخلاقية ليست هي الوحيدة ، فثمة مصاعب اخرى تعترض السبيل، منها ان اغلبية النساء في هذه البلاد لم تصل الى مرتبة الوعي الثقافي الكامل الذي يتيح لها ان تدرك الواقع المرير الذي تتخبط فيه. والحق ان اللحظة التي يشعر فيها الانسان بانه مغبون هي لحظة حاسمة في طريق تطوره. على ان المرء لن يشعر بالظلم حتى يذوق بعض الحرية ، وفي قضايا الحرية يبقى الوسط نقطة قلقة لا سبيل الى ثياتها. فالمرء ينزع الى ان ينال حريته كاملة وكانه يقول: لا نصف حرية ابداً.. اما الحرية كلها او لا.

وثمة صعوبة اخرى تضعها في سبيل التطور طائفة من المتعلمات ذوات الكبرياء والحساسية. فنحن هنا ازاء حالة نستطيع ان نسميها "بالتغطية النفسية" وهي حالة شائعة مثالها تلك الفتاة التي تمنعها كبريائها من ان تعترف انها تسلك وفق خطة ابيها او اخيها. فتروح توحي الى نفسها بانها تتصرف وفق مباديء شخصية. وكثيراً ما راينا الحجا يصبح مبدأ تدعوا اليه فتاة تتهرب من مواجهة كبريائها المطعونة وكانها تقول: "ان كنا لا نستطيع تحقيق ما نرغب فيه، فلنرغب فيما نستطيع تحقيقه. " وهذه في نظرنا اخطر حالة تتعرض لها المرأة، فهي تفقدها قوة الكفاح وتطوي نفسها على جرح غائر.

اما العراقيل التي بيثها الرجل المعاصر نفسه فهي فيما يبدو لنا تتبع اعتقاده ان تحرر المرأة سيسلبه جانباً من حريته هو، ولعله يؤمن ايضاً ان قضية التحرر تهم النساء وحدهن لان فوائدها ستقتصر عليهن. فهو، ان لم يعارض، يتخذ موقفاً سلبياً. ولعله واضح ان هذه القضية بفرعيها تتضمن فصلاً قاطعاً لعالم الانسان يشطره الى شطرين، نساء ورجال، ويجعل للحرية مدلولين، مدلولاً نسائياً وآخر رجالياً. وقل فيننا من يلتفت الى ان عبودية المرأة لابد ان تقابلها عبودية مساوية في حالة الرجل ما دام الرجل والمرأة يعيشان متعاونين في بيئة واحدة. والحق انه ليس معقولاً ولا منطقياً ان يعيش هذان الكائنان معاً ثم يكون احدهما حراً تمام الحرية والآخر مستعبداً تمام الاستعباد. وهذا لأن عبودية هذه لابد ان تؤثر في حرية ذاك، ولا مفر من هذا.

وأول ما يهم هذا البحث ان يقرره ان تاريخ المرأة قد كان حتى هذه اللحظة تاريخاً سلبياً، ونحن لا نحتاج الى ان نذهب بعيداً لاثبات هذا ، فالادلة ترقد حولنا وتكاد تختلط بالهواء الذي تنتفسه . وليس من داع الى ان تلجأ الى النصوص القانونية وانما يكفي ان نلقي نظرة عابرة حولنا لنرى الى أي مدى بلغت استهانة الذهن العام بالمرأة. والواقعان تاريخ العبودية الانسانية لا يشتمل على صفحة اشد سواداً من هذه الصفحة فنحن هنا ازاء حرمان تام من كل حق من حقوق الحياة. وقد فقدت المرأة تدريجياً كل ما تملك قيمتها الانسانية. ويبدو هذا في اشياء تمر بنا في حياتنا اليومية دون ان نفطن الى دلالاتها البعيدة. من ذلك مثلاً الفرق في المرتبة بين صلة العمومة وصلة الخؤولة. فالمجتمع يجنح الى اعتبار العم اقرب الى الانسان من الخال، وفي هذا دلالة اكيدة على ان الاب يعتبر اهم من الام على الرغم من ان قيمتهما الوراثية متساوية تمام التساوي. ومن هذه المظاهر التي يمكن ان نستخلص منها استهانة المجتمع بالمرأة ان السيدة المتزوجة ما زالت تعتبر اهم من الفتاة الآنسة ، فهي تتمتع بمزايا كثيرة وتنال احترام الناس . افلا يدل هذا على ان قيمة المرأة في عرف المجتمع ليست بشخصيتها وثقافتها وسلوكها وانما تاتيها هبة من زوجها؟ وهذا ينزل بها الى مستوى السلبية ويقتل طموحها ، فاذا كانت الشخصية تكتسب بمجرد الزواج فلا عجب ان يصبح العمل الوحيد الذي تسعى اليه هذه المسكينة هو الزواج ، والمرأة وفق هذا الرأي العجيب ليست اكثر من مرآة تعكس مجد غيرها.

اما من الوجهة الاقتصادية فالرجل المعاصر عندما يشكو انه يعول المرأة انما يؤكد ضآلة قيمتها في نظره. لان هذه الشكوى تتضمن معنى غريباً، لو تأملنا، وهو أن عمل المرأة من ولادة وارضاع وتربية وخياطة وكنس وغسل وطبخ وكي وغير ذلك، يبدو للرجل وكأنه لا يستأهل قيمة أقتصادية تعادل قيمة عمله فو في المعمل والحانوت والبرلمان . وهو يتغافل عن ان هذا التوزيع في العمل لابد ان يستتبع توزيعاً في المال ـ فاذا كانت المرأة قد اخذت على عاتقها ان تقبع في المنزل وتنجز هذه الاعمال الشاقة بينما يخرج الرجل ليكتسب المال للأسرة ، فان هذا لابد ان يفترض حقاً مساوياً للمرأة في هذا المال الذي يكسبه الرجل، على الا يستتبع هذا مناً من الرجل من أي نوع، باعتبار ان المرأة لو أرادت ان تؤدي هذه الاعمال نفسها خارج منزلها لنالت عليها اجراً، هذا ما نسيه الرجل تمام النسيان حتى اصبح بحسب انه يتكرم بالمال على مخلوقات عاجزة لا عمل لها . وما يهمنا في هذا هو ان نستخلص الحقيقة الاخلاقية وهي ان عمل المرأة المعقد يبدو للرجل بلا قيمة. وهذا اعجب العجب.

وهناك جهة ثالثة نستطيع ان نستفيد منها في ادراك تفاهة المرأة في مجتمعنا تلك هي جهة اللغة العربية. فأن أبسط دراسة اجتماعية للألفاظ والقواعد تدلنا دلالة واضحة على ان هذه لغة قوم يستهينون بالمرأة. فالتقديم في النحو هو دائماً للمذكر على المؤنث. والتغليب يذهب في هذا مذهباً يحتم تغليب مذكر واحد على أي عدد من الاناث ولو بلغ الملايين. والضمائر المفردة تستعمل في سخاء للتعبير عن جماعة الاناث في بعض النصوص المشهورة. ومما يلفت النظر في اللغة كلمات مثل "الامية" ومعنا الجهل بالقراءة والكتابة، وقد نسبت الى الام. اما قولهم "شاعر فحل" فهو ينم عن قيمة الفحولة ويتضمن الاستهانة بالانوثة. والى هذه الاستهانة ترتكز كلمة "فحل" في قوتها. ونظن هذه الامثلة تكفي ونرجوا ان يتاح لنا التفرغ لافراد بحث حول هذا الموضوع في فرصة اخرى.

وهذه الاستهانة بقيمة المرأة وعملها قد استتبعت حرمانها من الملكية الخاصة. ولسنا نقصد ان نتحدث الآن في الملكية الاقتصادية، فلعلها قد حرمت من الملكية في جهات اخرى اهم.. هناك الوقت مثلاُ. فماذا تمتلك المرأة من هذه الثروة التي يبقى المفروض ابناء آدم يستوون في نصيبهم منها؟ لا شيء في الواقع. فلقد القيت على المرأة اعمال فادحة تستغرق العمر كله، بينما انصرف الرجل الى القراءة والبحث وللفن والتأمل العقلي والتخصص في العلوم او حتى الى العبادة المسرفة التي هي ايضاً مظهر من مظاهر الشخصية في أنسان مخير. والعجيب ان أغلب الناس يعتقدون ان أعمال المنزل أمر قضته الطبيعة على المرأة، وكأنها جهزتها بمؤهلات في هذه الجهة وجعلت في جسمها أعضاء خاصة تهيئها لاحسان الطبخ والخياطة وغسل الملابس ومسح البلاط. ونحن نسمعهم يتحدثون كثيراً عن عمل المرأة الطبيعي، ويدهشنا انهم يقصدون به هذه الاعمال التي ذكرناها، وكلها مما لا نتكر مواهب الرجال فيه، فكم فيهم من طباخ وخياط وكناس.

على ان الحرمان من المال والوقت اقل غرابة من حرمان آخر يصيب المرأة، ذلك هو حرمانها من ان تملك اسماً خاصاً كما يملك الرجل. فالمرأة – عند الغربيين لا عندنا – تتبع اباها في اسمه ما دامت آنسة ، ثم تفقد هذا الاسم عندما تتزوج وتلحق باسم زوجها. فاذا طلقها هذا الزوج لسبب من الاسباب عادت الى اسم ابيهاـ ثم يتاح لها زواجٍ ثانْ فيتغير اسمها رابع مرة. وهذا ان لم يكن محزناً فهو مضحك. وان من حق هذه المخلوقة ان يكون لها اسم ثابت فتتبع اسم ابيها كما يصنع الرجل. والاسم الثابت يشبه ان يكوون اعتزازاً من الانسان بشخصيته وماضيه وعمله، فلابد ان يكون الاصل في حرمان المرأة الغربية من الاسم حرمانها من حق بناءٍ ماضٍ تكسبه بالعمل الشريف. والحاق المرأة بأسم زوجها لو تأملناه تحقير لها، ولو ان رجلاً حمل اسم زوجته لاستهزأ الناس به واهانوه وانما خضع الملايين لهذا العرف لانهم لا يريدون ان يفكروا في اسباب الظواهر وانما يستسلمون بلا تدبر لكل ما هو شائع.

اما الحرمان من الاولاد الذين يحق للاب ان ينتزعهم فور بلوغهم سناُ يسيطيعون فيه الاستغناء عن حضانة الأم فهو في نظرنا أقسى انواع الحرمان واكثرها بعداً عن المنطق.

ولابد لنا ما دمنا نقرر بعض جوانب الغبن في حياة المرأة ان نشير الى الالزامات الاخلاقية التي قيدت بها دون الرجل. فمن دراسة عاداتنا الاجتماعية نستطيع ان نستخلص ان للأخلاق مدلولات نسائية خاصة تختلف عن مدلولاتها الرجالية. هناك مثلاً صفة الكرم التي ينبل بها الرجل ويرتفع ، فهي حين تصل الى المرأة تصبح خلة مذمومة. وانما المستحسن في عرفنا العربي ان يكون المرأة "بخيلة" ومن هذا قول الطغرائي في مدح جماعة:

الجود والاقدام في فتيانهم
والبخل في الفتيات والاشفاق

وقد يكون الاصل في هذا الاعتبار ما أشرنا اليه من ان الرجل يعتبر المال ماله، وليس من حق المرأة ان تجود به. وهذا يعيدنا حيث كنا.

وهناك حالة ثانية يتضح فيها الفرق في الاعتبارات الاخلاقية بين المرأة والرجل. وهي حالة الحداد، فعندما يموت ميت تلزم ابنته واخته وامه بحداد صارم يتضمن ملازمة البيت ملازمة تامة ، ولبس ثياب سود كاملة ، بينما يترك اخو المتوفي وابنه وابوه احراراً فما ينتهي مجلس الحداد حتى يخرجوا بحثاً عن السلوان، وهم مخيرون حتى في ليس ربطة العنق السوداء. والمعنى في هذا التفريق واضح وهو قائم على اساس الغبن الذي اشرنا اليه. فالمقصود ان تلازم المرأة منزلها أطول مدة ممكنة وان تقتصد في شراء الملابس حيث يكفي للحداد ثوب واحد اسود لا داع لتغييره.

اما الجهة الاخلاقية من حياة المرأة فهي تحتاج منا الى وقفة اطول، فالحرمان هنا لابد ان يكون الاصل في كل حرمان آخر انزل بها، وكأن هذه الجهة هي الجهة النظرية في الموضوع. وأساس الخطأ في الأمر ان القانون الاخلاقي النافذ في سلوك المرأة يفقد الشرط الأساسي في كل قانون أخلاقي، ذلك الشرط الذي يجعل من الممكن ان نحكم على انسان بالفضيلة وعلى آخر بالرذيلة. والحقيقة اننا نستطيع ان نجد بعد قليل من التأمل الصافي، انه لا معنى لاي قانون خلقي لا يقدم للمرء حرية الناس في اتباعه او مخالفته, ومن هذه الحرية وحدها تنبع اخلاق الناس ، وهي التي تجعل الخلق قابلاً لان نقضي عليه بالثواب او الادانة. وهذا يتضمن ان نقول انه لو احتوى كل قانون اخلاقي على وسائل للتنكيل بمن يخالفه لفقدت الاخلاق قيمتها واصبحت معنى قسرياً لا فضيلة فيه.

ولكي نوضح معنى رأينا هذا، نمثل بحالة انسان يصدق لان الكذب يعرضه لموت اكيد. فمثل هذا الانسان لا يمكن ان يعد صدوقاً لان صدقه كان ضرورة لا مفر منها. وتلك حالة يفقد فيها الصدق فضيلته. وانما يمتدح الصدق حين يكون المرء مخيراً تمام التخيير بين ان يكذب او ان يصدق دون ان تحتم عليه الضرورة حالة معينة. اذكر انني سمعت رجلاً يتحدث مرة في اشمئزاز عن اولئك الذين ياكلون السمك دون ان يتذكروا كيف تتلوى السمكة وهي تذبح على الشاطيء ، قائلاً ان هذه الصورة تجعله يمتنع عن اكل السمك. وقد صدف ان كانت للرجل اخت ساذجة فاندفعت وقالت له: "ولكنك لا تطيق لحم السمك. لقد كنت تكره رائحته منذ صغرك. " فما كاد يسمع هذه العبارة البسيطة حتى انزعج وانتهر اخته في محضر الضيوف. وليس السبب لو تاملنا الا ان هذه العبارة جعلت فضيلته تظهر بمظهر الضرورة. فما كادت تعلن انه يكره مذاق السمك حتى فقد فخره بالامتناع عن اكله ثواب الاختيار، وانتقل الى مرحلة الالزام.

والواقع اننا نستطيع ان نستخلص قانوناً صغيراً نصه انه كلما كان الخلق الانساني الزامياً قل ميل المجتمع الى اعتباره فضيلة. وكأن الفضيلة تصرخ بنا انها لا تستحق الامتداح الا اذا كان صاحبها مخيراً. فلا اخلاق مع القيود اطلاقاً. ولكن نستطيع ان نفترض وجود الخُلُق، لابد لنا ان نفترض اولاً حرية كاملة في السلوك وبالتالي فان من لم يستطع ارتكاب الشر لم يستطع ادعاء الخير.

لو نظرنا ، وفق هذا الرأي، الى حالة المرأة لانتهينا حتماً الى انها لم تصل بعد الى المرتبة التي تستطيع معها ان نطبق عليها قانوناً اخلاقياً من أي نوع. فهي اليوم مقيدة تقييداً يردها الى حالة من السلبية تجعلها مجردة من أي نوع من انواع الخلق, أو انها ممنوعة بالقوة من ان تكون لها اخلاق معينة تستطيع ان تحكم عليها ، انها ليست خيرة لان خيرها الزامي. وهي ليست شريرة لأن ما ترتكبه من شر ليس الا نتيجة لما سنسميه "استهواء القيد" ، ونقصد به ذلك الاغراء القوي الذي تملكه الممنوعات، ففي كل قيد استهواء خطر يدعوا الانسان المقيد الى ان يكسره ويخرج عليه. وليس لنوع القيد تاثير يذكر في موقف المقيد فكل قيد يستهوي حتى ان كان مفيداً واغلب الظن ان سبب الاستهواء في حالة التقييد الاخلاقي ان في كل تقييد اتهاماً ضمنياً بسوء الخلق يستدعي الضبط والمراقبة. وكأن كل قيد تهمة بامكانية الشر. ولعلنا قد لاحظنا جميعاً ان الابرياء الذين يتهمون بسوء الخلق ينتهون غالباً الى ان يسوء خلقهم . وتعليل هذا ان البراءة تتالم من الاتهام الى درجة تولد فيها ميلاً غامضاً الى تحقيق هذا الاتهام . ولعلنا انما نتمسك بالاخلاق لاننا نحس بعذوبة الشعور بالبراءة والنقاء. فماذا يحدث لنا حين نتهم زوراً بما لم نرتكب ؟ الارجح اننا نتعرض اذ ذاك الى ما حدث لتلك الفتاة التي اتهمت وهي طفلة بسرقة عقد ذهبي وعوقبت عقاباً قاسياً دون ان تستطيع اثبات براءتها. فلما كبرت وجدت نفسها منساقة الى السرقة على الرغم من انها لا تحتاج الى المسروقات. ولعلها كانت تفلسف موقفها في اعماق نفسها قائلة: "انهم يعتبرونني لصة على كل حال.. فمم اخاف؟ ولم لا اتمتع بالمسروقات على الاقل؟" وهذا منطق البراءة المظلومة.

على ان للتقييد ضرراُ آخر ينشأ عن ان الخلق المقيد محكوم عليه بالضرورة ان يفقد ثوابه النفسي ومن ثم غايته. فالتقييد يفقد الانسان لذة الشعور بالقدرة على الاختيار والسطوة على مصيره الاخلاقي، بينما يصحب الشعور بالحرية احساس يفيض من القوة يتدفق من اعماق النفس ويدفع بالانسان الى التخلق. ونحن نستطيع ان نصوغ قانوناً خلقياً مؤداه انه بمقدار الاحساس بالاختيار ، يكون الثواب النفسي على العمل. فهذا الاحساس هو المفتاح السحري للقضية. ومثال هذا ان نقارن بين حالة محسن يتطوع يمائة دينار للمحتاجين مدفوعاً بعطفه عليهم وحبه للخير ، وحالة رجل آخر وجد نفسه في حفلة خيرية تطوع فيها اصدقاؤه كل بمائة دينار فاضطر بدافع الخجل ان يشاركهم الاحسان. ففي حالة المحسن الاول ينتهي الامر الى السعادة والرضى النفسي، اما المحسن المضطر فيخرج ساخطاً ولعله يقسم الا يحضر حفلات خيرية في المستقبل. وهذه حالة لم يعد فيها المحسن فاضلاً ، وهي حالة المرأة التي يفقد خيرها حريته ويصبح اجبارياً. ولهذا يستحيل ان تحس المرأة بالمشاعر الكريمة التي يحس بها رجل فاضل لا يمنعه مانع من ان يكون شريراً وانما يجد في الخبر ملاذاً عذباً لنفسه الطيبة المتدفقة. وهكذا يصبح على المرأة ان تحتمل الخير دون ثواب نفسي، وهذا أشق ما يمكن.

هذا كله ينتهي بنا الى ادراك السبب في ان المرأة قد بقيت طيلة هذه العصور في حالة من السلبية الكاملة التي تجعل كل حكم اخلاقي عليها غير ممكن. فقد انتهى بها القسر والالزام الى ان تكون حياتها سلسلة طويلة من الامتناعات عن السلوك فلم تتصف باية اخلاق ايجابية. وقد ادى بها احتفاظها بطاقاتها النفسية الخصبة في أعماق نفسها الى ان تستعيض عن السلوك بقناع خارجي، المقصود به ان يكون درعاً واقياً يحمي هذه الاعماق المشلولة من ان تلوح كسيرة سلبية لا كيان لها. وعلى هذا القناع انصبت الاحكام الخلقية.


يتبع

محمد بن فرزان
09-05-2008, 03:42 PM
تكملة : دراسة : المرأة بين الطرفين: السلبية والاخلاق



والحق ان اغلب الاحكام قد دأبت على تناول النتائج بمعزل عن الاسباب فدرست سلوك المرأة بمعزل عن الالزامات الفادحة التي تقيدها، وبحثت عن الاخلاق في حياة مخلوقة لا حرية لها من أي نوع، وتطلبت الشخصية حيث لا توجد ارادة ، والتمست حاضراً حيث لا يوجد ماضٍ ولا تأريخ. وهذا قد كان موقف طائفة كبيرة من الفلاسفة والادباء والمفكرين وهو موقف غير علمي تنقصه الرصانة والاتزان. فلا اخلاق من دون حرية كاملة في السلوك ، ولا شخصية من دون اخلاق رصينة تدرك ذاتها، ولا انتاج في أي حقل من دون شخصية كاملة العمق واسعة الجوانب، نفاذة، تشخص ما تريد. وهذا لان الحرية هي التي تنتج الأخلاق، والأخلاق هي التي تنتج الشخصية، والشخصية هي التي تنتج الفن والفكر والانسانية.

والحقيقة ان سلوك المرأة في مثل هذه الظروف لا يمكن ان يكون على ما نراه اليوم في الطبقات الجاهلة ، فهي لا تزيد على ان تكيف نفسها للحياة في مثل هذا المحيط القاسي الذي لا يحميها وانما يعاملها في قسوة شديدة . وفي ظل هذا الضغط المستهين اضطرت المرأة الى ان تتخلى عن فضائل الحرية جميعاً، لانها ادركت بفطرتها ان الخير الذي يهب نفسه ليس الا ترفاً يلذ للأحرار من الناس ، اما المستعبدون فان التخلق يسلبهم آخر ما يمكن ان يحلموا به من حق في الحياة. وهكذا اضطرت المرأة الى التخلي عن كثير من "الترف" الاخلاقي الذي يجمل الحياة ويمنحها الصخوبة والامتداد والعمق.

وقد كانت متعة الصداقة اول ما فقدت المرأة من هذه المظاهر الاخلاقية المترفة. فالمرأة لا تقدر اليوم على الصداقة . وقد افقدتها الالزامات الاخلاقية المتعسفة هذه المتعة الانسانية العذبة التي يزداد استمتاع الانسان بها كلما اتسع فهمه وتركزت شخصيته الاجتماعية وثقافته. ذلك ان الصداقة تقتضي قبل كل شيء "الحرية" في منح المودة. انها فيض في شخصية الانسان يجعله يطفح حتى يغمر انساناَ آخر. وهي في هذا كالكرم تماماً فكما ان الكريم يبذل ماله ارضاء لدافع لا يقاوم في اعماق نفسه، كذلك يبذل الانسان الكامل الشخصية الحب لصديق او اصدقاء. والمرأة تشعر انها لا تملك شيئاً تفيض به على الآخرين لانها لا تملك الحرية ولا الثقة بالنفس وهي بخيلة بالمودة ، شحيحة باللطف لان رصيدها من الشخصية ضيق ومحدود تعيش منه عيش الكفاف ، فماذا تستطيع ان تمنحه للاصدقاء؟ لا شيء . وهي في حالتها هذه اشبع ببركة ضحلة لا تستطيع ان تطفح . وان على اية بركة ان تكون نهراً عظيماً لكي تستطيع ان تغمر الوديان.

هذا الرأي يجعل الصداقة بذلاً نفسياً يستكمل به الانسان شخصيته ويتم شهوره بالحرية. والمرأة في ضعفها وقلة ملكيتها تحرص على القليل الذي تملكه حرص البخيل ، وهذا ايضاً سبب ما نراه فيها من بخل ملحوظ في كل جهة من جهات حياتها. فهي تخشى الانفاق وكأن فيه منبع خطر يتهدد مستقبلها وهذا موقف طبيعي يتخذه المستضعفون المسلوبو الحقوق عادة. انه رد فعل دفاعي تلتزمه عدم القدرة ازاء القوى المحيطة بها. ولو راجعنا التاريخ الانساني لوجدنا امثلة كثيرة لهذه الاساليب الدفاعية في الطوائف الصغيرة المضطهدة التي عاشت في بيئات قاسية فقلما انتهى الامر الى غير البخل والانانية والضعف والحقد والحسد وغير ذلك مما يشكو المفكرون وجوده في المرأة. وعلى هذا التحليل نستطيع ان نقول ان كل خلق انساني رديء ينشأ عن شعور بالوحدة وفقدان الحماية الاجتماعية، اللهم الا اذا كان سببه طمع متأصل في النفس وجشع وشراهة.

ولعل القدرة على الصداقة ليست اعظم ما فقدت المرأة طيلة عصور السلبية ، فمن بين المزايا التي خسرتها شيء آخر أهم هو الشخصية المتفردة، التي تتميز عن سواها بالفروق الفردية. ولقد بات فقدان المرأة لهذا التمييز الفردي امراً مشهراً يشكو منه المفكرون شكوى متصلة لا تخلو من الازدراء. ولعلنا قد سمعنا جميعاً بذلك الحكم المشهور "اني اعرف كثيرين ولكني لا اعرف الا امرأة واحدة". وهو نص على الفكرة الشائعة حول تشابه النساء وكونهن نسخاً متعددة من شخصية واحدة . ... وفق أي قانون نطلب من المرأة المستعبدة الجاهلة ان تملك آراء وأصالة وشخصية؟ والحق اننا اذا اطرحنا السلوك الخلقي من حياتنا الانسانية لم يبق منا الا ما هو متشابه فينا جميعاً من غرائز وعوامل طبيعية وصفات فطرية وغير ذلك مما تملكه المرأة كما يملكه الرجل.

وقد استتبع فقدان الشخصية مظاهر سلبية اخرى منها ضعف الشعور بالمسؤولية الأدبية خارج الحدود الفردية الضيقة. فما المسؤولية ، لو فكرنا، الا شعور بقوة فائضة تجعلنا نحس ان في طاقتنا ان نساعد الاخرين على ظروفهم ونحميهم. والمرأة هنا لا تشعر بهذه القوة لانها كانت دائماً محمية يكفيها أخوها وابوها شر الحيرة ومتاعب العزم والارادة ، فهما يقرران لها كل شيء. وقد مضى امرها على هذا قروناً حتى لم يعد في وسعها ان تبت في شيء واصبحت تشك في قدرتها.

واغلب الظن ان هذا العجز عن الشعور بالمسؤولية هو العامل الرئيسي في ان النساء يتكلمن بسرعة تفوق كلام الرجل، حتى دلت احصائية اميركية على ان عدد الكلمات التي ينطق بها رجل في دقيقة اقل من نصف عدد الكلمات التي تنطق بها امرأة. فالرجل يتكلم ببطء لانه يحتاج الى ان يزن كلماته قبل ان ينطق بها، وهو يدرك ان العبارات الطائشة قد تؤدي الى نكبات احياناً، ولذلك يسوقه احساسه بالمسؤولية الى التأني في الكلام. اما المرأة فتكاد الالفاظ تفقد في كلامها معانيها لانعدام شعورها بالمسؤولية. والحق انه كلما كان المضمون الذي يحاول الانسان نقله بالالفاظ الى الآخرين أعمق وأدق، زادت حاجته الى التأني في صياغة العبارات. ومعنى هذا ان للشخصية تأثيراً مباشراً في سرعة التكلم.

وسنكتفي بهذه الامثلة على الاثر العملي للتقييد في حياة المرأة. ونرجو ان نكون أوضحنا وجهة نظرنا حين نعتبر المرأة لم تبلغ بعد مرتبة يحق لنا فيها ان نصدر عليهاً احكاماً اخلاقية لا أخلاق يملكها من لا حرية له. وعلى هذا أفلم يحن لهذه الملايين من النساء ان تقف وتطلب الى المجتمع ان يمنحها الحق في تكوين اخلاقي.

بعد هذا الاستعراض السريع لمختلف المشاكل في موضوع المرأة يقوم امامنا سؤال خطير ينصب عليه اشد الاهتمام اليوم. السؤال عما ينبغي للمرأة ان تصنع الان ازاء هذه الحالة، أتقبع في منزلها وتنتظر حتى تتحول في بطء شديد من مرتبة السلبية الى مرحلة الاخلاق لتنزل بعد ذلك الى الحياة العامة؟ ام تبدأ بالعمل حالاً فتنال حق التمثيل البرلماني لتطالب بحقوقها بنفسها تمثلها نخبة من المثقفات ذوات الاستقلال الاقتصادي والعاطفي؟ وبذلك تضمن لنفسها انتقالاً أسرع الى المرتبة الفعالة؟ اننا نجنح الى الاخذ بالرأي الثاني لاسباب مختلفة أحدها ان حق التمثيل النيابي امرٌ لا علاقة له بالثقافة ، فان مليونين ونصفاً من نساء العراق يملكن الحق في ان يكون لهن صوت في مجلس يمثل شعباً ديمقراطياً. هذا فضلاً عن ان النزول الى ميدان الحياة سيكون فعالاً في مداواة السلبية التي قسرت عليها المرأة . وهي سلبية تنتقل عدواها بالضرورة الى الرجل ومن المؤكد ان كل امرأة مستعبدة في العراق يقابلها حتماً رجل مستعبد.

اما الاعتراضات التي يصيح بها المترددون من الناس فلعل اقواها الاحتجاج بان المرأة لا تملك مواهب عقلية لان التفكير يلوح وكأنه خاصة رجالية. ولسنا نريد ان نرد على هذا الاعتراض بتعداد الاسماء النسوية التي ظهرت في مختلف جوانب الفكر لان قليلاً من المنطق، وشيئاً من العلم بقوانين الوراثة يضع في أيدينا أدلة من نوعٍ اقوى. فليس من المنطق ان تكون المرأة مصدر الحياة الاول دون ان تملك مواهب وخصائص عقلية تورثها الاجيال التي تنجبها. وان من المستحيل ان نوفق بين خصائص الوراثة وهذا الحكم الجارف الذي لا يستند الى اساس علمي، فالطبيعة أحكم من ان تقصر القدرة على ايراث المواهب العقلية على الذكور حذراً من ان يجيء نصف المواليد الى هذه الحياة بلا مواهب عقلية. وهذا لان الاجنة تكتسب خصائصها العقلية والنفسية من كلا الابوين على غير تعيين. فلماذا يحدث لو أخطأ جنين ذكر فورث خصائص امه العقلية؟وكيف تسلك الطبيعة في حالة تصر فيها مولودة انثى على ان ترث خصائص ابيها؟ هذه حالة غير مقبولة لانها تترك الوراثة للمصادفات.

ومن الاعتراضات الشائعة شيوعاً عظيماً اليوم قولهم ان سعادة المجتمع تقتضي تقسيم العمل فيه، وقد فسم العمل وخصت المرأة باعمال المنزل بحيث اذا ارادت المرأة ان تخرج الى الحياة وتنال حقوقها تعرضت الاسرة الى الانهيار. وهذا الاعتراض الغريب يتغافل عن الغرض الاول الذي بنيت من اجله المجتمعات وينسى ما هو مفروض في المجتمع الصالح. فما هذا المجتمع؟ ولماذا اختار افراده ان يضحي كل منهم بجانب من حريته ليعيش فيه؟ الجواب هو انه انما قام لتهيئة الحد الاعلى الممكن الذي يكفل للافراد ان يعيشوا ملء حياتهم النفسية ، ويستغلوا اقصى ما ركبته الطبيعة في اعماقهم من مؤهلات روحية وعقلية.

وعلى هذا فما عذر مجتمع يضحي بنصف افراده بدعوى المحافظة على راحة النصف الثاني. انها حالة عجيبة لا يتقبلها علم الاجتماع من الوجهة النظرية. لان المعنى الكامن وراء هذه التضحية يدل على اننا قد خططنا المقاييس قبل وجود الانسان الذي نستمد منه هذه المقاييس ، وسننا الخطط للمجتمع دون ان نستند الى حاجاتنا وامكانياتنا. وهكذا وصلت المرأة متأخرة الى المجتمع، فيما يلوح، فلم يزد الدين سنوا القوانين على الانحناء في ادب جم قائلين: "يا سيدتي، يؤسفنا اننا قسمنا العمل قبل حضورك ، وقد خصصناك بالكنس والرش والطبخ والخياطة. وهذا مثل ان يقول الاسكافي لزبونه: "يا سيدي لقد صنعت لك الحذاء قبل ان اقيس قدميك " .

اما الاعتراض بان الرجل نفسه لم ينجح في الحياة العامة ومن ثم فان هذا يستتبع الفرض بان المرأة لن تستطيع هي الاخرى ان تنجح، فهو فرض يتضمن الاعتقاد الشائع بان طاقة المرأة مشابهة لطاقة الرجل . وهذا ليس ثابتاً. فنحن اذا سلمنا بالفوارق الجنسية بين المرأة والرجل كان لابد لنا ان نتظر اختلافاً نوعياً بين مواهب الجنسين. ولا شك في ان التفكير النسوي سيكون وجهة نظر جديدة بالنسبة الى التفكير الانساني.

والحق اننا نستطيع القول ان مجال المرأة اشبة بمناطق في العقل البشري لم تكتشف بعد ولم تستغل. انها قارة كاملة جديدة لا نظن كشفاً آخر سيعادلها ، فلا شيء اروع ولا أوسع ولا اعمق من الطاقة التي ركبها الله في الانسان فليكن هذا الانسان قانوننا الاعظم الذي نقيس وفقه عدالة نظمنا وقوانينا.



أحبتي فـ الله :
أرجو أن نكون وفقنا في ما تم نقله هنا للأطلاع على أجزاء بسيطة من سيرة هذه الشاعرة التي خلدها حرفها بذائقة الكثير
والسلام عليكم عليكم ورحمة الله وبركاته.

عروس البحر
09-05-2008, 11:11 PM
محمد بن فرزان

مرجع ثقافي هنا..فشكرا لرقي جهودك

ودمت بخير وسعادة

محمد بن فرزان
11-07-2008, 06:57 PM
محمد بن فرزان

مرجع ثقافي هنا..فشكرا لرقي جهودك

ودمت بخير وسعادة

أختي / عروس البحر

كل الشكر والعطر لكريم حضورك

مودتي

عبيــر الشمــال
11-07-2008, 11:37 PM
نقل رائع لإبداعات قلم الشاعرة نازك الملائكة
شاعرة الليل والطفولة .

كل الشكر لك شاعرنا على هذا الجهد المميز

:

معاني الشوق
11-07-2008, 11:48 PM
إبداع رائع يستحق الاشاة


وتسليط الضوء على شاعرات كنّ نبراس في الشعر والأدب


وتركنّ بصمة لا تمحى ..


شكراً لهذا الجهد المميز ..

وسأحتفظ بهذا المرجع حتى أقرئه على مكث


تقديري

سلطان العوني
14-07-2008, 11:54 PM
شاعرة رائعة تستحق الاهتمام

كل الشكر لـك استاذي العزيز الشاعر / محمد بن فرزان



الحكومة العراقية تتكفل بعلاج الشاعرة نازك الملائكة

نداءات أطلقها مثقفون عراقيون لرعايتها
الحكومة العراقية تتكفل بعلاج نازك الملائكة الراقدة بمشفى بالقاهرة

وجه الرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس وزرائه نوري المالكي، بمتابعة الحالة الصحية للشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة التي ترقد في مستشفى بالقاهرة، بعد نداء وجهه عدد من المثقفين العراقيين إلى الحكومة العراقية لرعاية الشاعرة العراقية الرائدة التي تعاني من مرض عضال منذ فترة طويلة.
وقالوا في بيان اصدروه مؤخرا في القاهرة أن الأوضاع المأساوية التي يمر بها العراق يجب الا تنسي الحكومة العراقية مسؤولياتها تجاه الملائكة، ودعتها ان تبادر فورا الى تبني علاجها ورعايتها.
ودعا طالباني المسؤولين العراقيين في القاهرة إلى إجراء اتصالات عاجلة للاطمئنان على صحة الشاعرة المقيمة في مصر منذ سنوات مؤكدا ان الشاعرة والرائدة نازك الملائكة صرح شامخ في الثقافة العراقية والعربية والعالمية، بحسب تقرير نشرته صحيفة "الصباح" العراقية السبت 8-6-2007.
كما أجرى مدير مكتب رئيس الوزراء الدكتور طارق نجم عبد الله اتصالاً هاتفيا مع نجل السيدة نازك الملائكة للاطمئنان على صحة والدته، وابلغ مدير المكتب نجل الشاعرة الكبيرة استعداد رئيس الوزراء تقديم كل انواع المساعدة للسيدة نازك الملائكة التي تعد احد ابرز شعراء العراق المعاصرين. واعرب الدكتور براق عن شكره لأهتمام رئيس الوزراء بصحة والدته.
وكان المالكي قد كلف أمس القائم بأعمال السفارة العراقية في القاهرة السيد سعد محمد رضا بزيارة السيدة نازك الملائكة في المستشفى للأطلاع على حالتها الصحية.
وكانت الملائكة قد تدهورت صحتها مؤخرا وعولجت لفترة في فبراير الماضي في مستشفى القصر العيني بالقاهرة، ورافقها نجلها آنذاك، كما أهاب سابقا المشاركون في الندوة الاستذكارية التي أقامها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عن الشاعرة، برئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ووزارة الثقافة لرعاية علاج السيدة نازك الملائكة.
وتكهنت تقارير صحافية في فبراير الماضي بحصول الملائكة على أول جائزة للشعر العربي تنظمها القاهرة لكن الجائزة ذهبت للفلسطيني محمود درويش بعد منافسة مع العراقي سعدي يوسف.
ومعروف أن الملائكة احتجبت عن الحياة العامة لفترة طويلة، قبل أن تنتقل للقاهرة، حيث أحاطت حتى مكان سكنها بسرية كبيرة.
ولدت الشاعرة الكبيرة في بغداد عام 1923 وتخرجت من دار المعلمين العالية عام 1942. ودخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949.
وفي عام 1959 حصلت على شهادة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة وسكونسن في أمريكا وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت.
ودشنت بقصيدتها "الكوليرا" ما عرف بالشعر الحر في الأدب العربي، ولكن في الطبعة الخامسة من كتابها قضايا الشعر المعاصر تراجعت عن كون العراق هو مصدر الشعر الحر، وأقرت بأن قصيدتها الكوليرا (1947) لم تكن الشعر الحر الأول بل هنالك من سبقها بذلك منذ عام 1932.
ومن أهم مجموعاتها الشعرية: عاشقة الليل 1947، قرارة الموجة 1957، شجرة القمر 1968، ويغير ألوانه البحر 1977، الصلاة و الثورة 1978.
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
دائماً ما تلتفت الحكومات العربية لرموزها الأدبية ولكن بعد فوات الأوان
كان الله مع هذه الشاعرة وخفف عنها آلامها

محمد بن فرزان
22-08-2008, 10:36 PM
نقل رائع لإبداعات قلم الشاعرة نازك الملائكة
شاعرة الليل والطفولة .

كل الشكر لك شاعرنا على هذا الجهد المميز

:





أختي / عبير الشمال

هلا وغلا

ممتن لعذب حضورك وشعورك

مودتي

الروعه
25-08-2008, 12:33 PM
استاذي الفاضل ... محمد
استمتعت كثيرا بطرحك
لشاعرة عرفتها منذ نعومة اظفاري

لك مودتي

محمد بن فرزان
02-11-2008, 07:52 PM
إبداع رائع يستحق الاشاة


وتسليط الضوء على شاعرات كنّ نبراس في الشعر والأدب


وتركنّ بصمة لا تمحى ..


شكراً لهذا الجهد المميز ..

وسأحتفظ بهذا المرجع حتى أقرئه على مكث


تقديري

أختي / معاني الشوق

ممتن لحضورك الرائع

كل الشكر لكِ غاليتي